المجلة الثقافية الجزائرية

البليدة: ذاكرة الروح، وعبق الورود

عثمان شعاب

 

تظلّ البليدة في الذاكرة ليست مجرد جغرافية أطؤها، بل مرآةً أفتش فيها عن وجهي القديم، وعن أثر الذات وهو ينسرب هادئاً بين الأزمنة والأمكنة. هناك، حيث غرس العالم الأندلسي سيدي أحمد الكبير لبنة الوردة الأولى، تشكّلت مدينةٌ تستلقي بدلالٍ على بساط السهل الأخضر، تتفيأ جنوباً بذرى جبال الشريعة وتقف حارسةً بين عشائر بني صالح وتخوم مونبونسي.

في أواسط الثلاثينيات من عمري، كنتُ أقبل عليها قادماً من بوفاريك؛ في الحافلات المكتظة بالوجوه والأحلام، أو في سيارات الأجرة التي تطوي الطريق عبر بني مراد وخزرونة، قبل أن تمنحني الأيام سيارتي الخاصة لأقطع بها العتبات ذاتها. كنتُ أترجل دائماً عند باب الرحبة، لأدع قدمَيّ تتلمسان الحجر والذاكرة. أمشي في ساحة التوت حيث يلتف الحمام في حلقات أبدية لا أحد يعرف متى بدأت قصتها مع المكان، ولا كيف أصبحت وجهاً آخر من وجوه الأنس فيه. أتسكع بين باب الدزاير وباب الرحبة وباب السبت، كما قطعت أزقة حي الورود وسيدي عبد القادر، مستمتعاً ببطء الخطو وصمت التأمل في المارة والوجوه.

في حي الدويرات العتيق، لا يزال للشذى الأندلسي بؤرة تحوم حولها الروح؛ يوماً ما، أسرّ لي صاحب مقهى قديم وهو يسكب القهوة: “كنا قديماً نجمع ياسمين الفجر وننثره على الطاولات، ونرفق القهوة بقارورة من ماء الزهر”؛ كانت تلك الكلمات بمثابة الشاهد الحقيقي على عراقة السلالة والوجدان. وعلى مر السنين، تعاقب العرب والأمازيغ والمستعمرون، غير أن روح المدينة ظلت عصيةً على المحو والتغيير.

لم تكن زياراتي لها مجرد نزهاتٍ للروح، بل كانت درباً محفوراً في رسالة التعليم؛ زرتها مراراً لأحضر ندوات تربوية أو لأجلس مصححاً أوراق الامتحانات في الفتح، وبوسليماني، وابن رشد. وهناك، بين ممرات المؤسسات، تقاطعت خطاي مع وجوه أهلها من الزملاء والزميلات؛ أصغيتُ لأحاديثهم الدفيئة عن تقاليد البيوت، وطقوس رمضان، وشربات الليمون الناصعة، وحلوياتهم التي تختزن المهارة والأصالة.

اليوم، ورغم أن المدينة تمددت وغطت الحداثة بعض ملامحها، واكتظت بوفود العابرين من كل حدب وصوب، إلا أن ابن البليدة الأصيل ما زال يحمل في نبرته وفي تفاصيل يومه بقايا من جلال الأندلس وزهوها القديم. كلما وطئت أقدامي أرضها، أدركتُ أن أزقتها لم تكن إلا محطاتٍ في رحلة بحثي الطويلة عن الذات، حيث يمتزج التاريخ بالعاطفة، ويكتب المكان قصيدته الخالدة.