رواية قصيرة: الجزء الأول
الحسين سليم حسن
حديث النجوم
كنت في بلخ في حصن (أمير بو سعد جرة) لما أرسلت في طلب تلميذي الأسبق أحمد النظامي السمرقندي لأجد فيه الأنس والسلوان، ولأتم ما بدأت معه في علوم الفلسفة والفلك والرياضيات قبل أن تنتهي ايام العمر وأسقط في العدم .
لم يتردد السمرقندي في تلبية دعوتي ،وجاء إلى الحصن وقضى معي ليالٍ كثار ملؤها المتعة في البحث والجدل إلى أن جاءني في ليلةٍ طارحاً عليَ سؤالاً : كيف قضيت عمرك وحيداً يا معلمي ؟وبم أشغلت نفسك ؟ من فضلك قصَ عليَ ما جرى معك في هذه الدنيا كي أستقي من حكمتك يا حجة الحق .فكان له ما اراد .
نيسابور يا موطئ قدم السلاجقة ،فيك كان مولدي وفيك سيكون مرقدي حيث سيواريني ترابك إلى غير رجعة .
خرجت منك إلى الحياة وقضيت سنواتي الأولى متقلباً بين عبق ريباسك ،وحيرة والدي وحنينه الزرادشتي وإعجابه بملوك العجم ،إلا أنني لم أصب بحيرته فقد ولدت مسلماً ،وتتلمذت على يدي الشيخ موفق النيسابوري الأمر الذي قادني إلى قصور سلاطين السلاجقة ،حيث وجدت الإكرام الذي أستحقه ،بعد معاناة مع نقص المال في منزل أبٍ حائرٍ موهوم .
قضيت شبابي أتحصل العلم من هنا وهناك بعد ان أدركت أن الله خلقني في هذه الحياة وكتب عليَ أن أشق طريقي بنفسي ووضع السلاجقة في طريقي لإعانتي على المضي قدماً في دنيا الغم والأحزان .
شببت وصلب عودي في كنف ملوك السلاجقة ،وبلغ أوج دلالي عندهم مع السلطان ملكشاه الذي قربني إليه ومدني بكل ما يلزم لأتلذذ بما تعلمته في شبابي ،بعد أن كنت مدرساً في نيسابور أتلو على تلاميذي ما تعلمته من كتب فلاسفة اليونان كأفلاطون وسقراط وأبيقور .وكنت في أوقات الضجر ،أجلس إلى حبري ودواتي وأغرق في مصادرات إقليدس ومسلماته وأحاول أن أثبتها .
ما تعلمته لدى موفق النيسابوري لم يكفيني ولم يروي عطشي ،لذا لذت بكتب اليونان وأرهقت نفسي حتى غياب الوعي في كتب الشيخ أبو علي بن سينا ،وتارةً كنت أسليها بأساطير ملوك العجم ،وأعيادهم واحتفالاتهم .
عشت بعد وفاة والدي في نيسابور وحيداً ،أخرج من مدرستي وأعرج على الأسواق لأستمد منها القوة ،فبينما كان السلاجقة يسحقون أعداءهم كما سحقوا في الماضي البويهيين والغزويين ،
كنت أنا أشعر بالأمان ،وتنتابني رغبةٌ في عيش كل تفاصيل الحياة بكل ما فيها ،ولو أنني كنت أكاد أجزم بأن هذه الحياة غير ذات نفع ،إلا أنني مشيت مشحوذاً بقوة السلاجقة ،الذين كان الخليفة في بغداد يمنحهم كامل الصلاحيات .
إلى أن قابلت أهم رجلين في حياتي ،اللذين جعلاها تنقلب إلى الأبد ،الحسن بن الصباح ونظام الملك الذي صار وزيراً للملك ملكشاه وعن طريقه ولجت باب المعرفة وفتحت لي هذه الحياة درباً لا أضجر فيه ،ويعينني على قلة حيلتي وشقائي .
وكان في صداقتهما هذه ما يغير الأنفس ويبدل الأهواء ويجلب معه حيرةً أخرى أو ربما أحلاماً أو أوهاماً أو توسيعاً للمعرفة والوعي حتى درجة الشتات !
رغم بداوة بني سلجوق إلا أنهم صبوا اهتمامهم على العلم رغبةً منهم في عدم حصر قوة الدولة في الجيش ،ولما كان صديقي الذي تتلمذ على يد الشيخ موفق النيسابوري (نظام الملك ) قد قادته حنكته وذكائه لاعتلاء منصب وزير ملكشاه فقد راسلني ودعاني في رسالته لحضور اجتماع مع الملك وقال فيها أن الملك يرغب برؤيتي لشأن زيادة مخصصاتي الشهرية التي كان والده السلطان ألب ارسلان قد خصصها لي لجهودي في الرصد الفلكي ودروس الفلسفة في نيسابور .
ولم أتردد في مقابلة الملكشاه ، الذي أسند إلي مهاماً جديدة وجعلني رفيقه في رحلات الصيد للتنبؤ في المناخ ،ووعدني بأن يمدني بآلات الرصد المناسبة وأمر بإنشاء مرصد ضخم مقره أصفهان .
قبلت بتلك الحياة التي أرادها الله لي ،ولم أكترث فيما لو كان السلاجقة أو غيرهم يعتلون سدة الحكم وفيما لو كانت جهودهم تلك غرضها ترسيخ قوتهم وحكمهم ،واعتلائهم لسدة حكم العالم الإسلامي .
أحببت أصفهان وكنت أعرج على المسجد الجامع فيها لأصلي ولأتأمل الزخارف الجصية فيه ،والسقوف القرميدية للقبة الشمالية ،والتي كانت تبنى وقتها ،بعد أن أمر ملكشاه السلجوقي بترميم المسجد ولم يفارقني التأمل سواءً في نيسابور أو في أصفهان ،حيث كنت في نيسابور أفر من منزل والدي العائش على أنقاض أمجاد الملوك الساسانيين والرباعيات الفارسية وأهرب إلى حيث يجري نهر نيسابور ،أو أصعد إلى الكهوف الجبلية وأقضي الساعات في خلوةٍ مع النفس أفكر كثيراً في الخالق وفي معنى هذه الحياة ثم أعود إلى أوراقي اليونانية في الرياضيات والفلسفة.
أما في أصفهان فقد أصبح المرصد الفلكي هو شغلي الشاغل ،والسماء هي مصدر تأملي الوحيد والأشد نجاعةً ،ويمكن القول أن أصفهان قد منحتني هديةً مميزةً ،خليطاً من التامل الفلسفي ،والإنجاز العلمي في مكانٍ واحد وتحت ظل حكم يطيب الملاذ به .
دعاني ذات ليلة ملكشاه مع نخبة من العلماء المسلمين لتصحيح التقويم الفارسي ،وقمنا بإخراج الزيج الجلالي وحددنا يوم عيد النيروز ذلك العيد العظيم الذي يعود لأسلافنا ملوك الفرس ،وجعلنا شهر فروردين بدايةً لعام المسلمين جمعاء ،مما جعل ملكشاه أشد إعجاباً بي وشدد على الإسراع في بناء مرصدٍ أكبر حجماً من مرصدي الذي كنت أعمل فيه .
ومرت الأيام هكذا في انتظار بناء المرصد ،وقضيتها أنا غارقاً بين اسطرلاباتي وجداول بطليموس ومصباح النجوم أقيس ارتفاعات النجوم وأحدد المناخ وأرسم مناظر السماء تبعاً لخطوط العرض في كل منطقة .
وكنت لما أتفرغ لنفسي أبحث في تاريخ عيد النيروز لدى قدماء الفرس وأثقف نفسي فيه ،علني أستفيد منه يوماً ما .
بينما كان ملكشاه منشغلاً في حروبه مع الفاطميين والبيزنطيين وغيرهم لترسيخ الحكم السلجوقي ولتوسيع رقعة الدولة .
أما صديقي الوزير نظام الملك فكان يزورني في مرصدي ويتفقد إنجازاتي ويحكي لي عما قام به من خطوات جديرة بالاهتمام لدعم العلم والعلماء في كل اقاصي دولة المسلمين من تأسيسه للمدارس النظامية في كل مدينة تتمتع بأهمية ما ،بدءاً من بغداد وتعيين افضل العلماء والشيوخ للتدريس فيها .
وكان يروي لي قصص معاناته مع الحسن الصباح صديقنا الثالث الذي اختفى فجأة بعد أن رفض كل عروض نظام الملك عليه بتسليمه أمور ولاية الري أو غيرها من اقتراحاته عليه بتحسين مكانته لدى السلجوقيين .
ورغم أنني كنت منشغلاً على الدوام في مرصدي ،كانت تمر علي ساعات أسأل نفسي فيها :هل أنا سعيد فيما أقوم به ؟وأطرح ذات السؤال بما يتعلق بصديقي نظام الملك ،فحتى نتمتع بما يقدمه لنا السلاجقة نستسلم لهم استسلاماً تاماً وبثقة عمياء ،وأننا كلما ارتوينا من نهر العلم كان ظمأنا يزداد فيما يخص تساؤلاتنا الكثيرة عن الكون والحياة والغرض من كل هذا الشقاء !
كانت الفلسفة في عصري أمراً غير مرغوب فيه ،لما كان الغزالي كبير الفقهاء قد أشهر عداوته للفلاسفة من خلال كتابه تهافت الفلسفة ،الغزالي الذي عينه صديقي الوزير نظام الملك أستاذاً للفقه في المدرسة النظامية في بغداد وكان ذلك ضرورياً لمجابهة الافكار التي تشكل خطراً على الدولة بما أنه كان أشعرياً يستعمل الحجة والمنطق والعقل في إثبات صحة النص ،وكان مثالياً لمواجهة أفكار إخوان الصفا الذين دعوا إلى إدخال الفلسفة لتصحيح الضلال الذي نعيشه ،بما أن الأشعرية قامت في الأساس للرد على أفكار المعتزلة الذين غلبوا العقل على النص ،وكان الغزالي هو الملاذ الأخير لمجابهة أفكار الباطنية التي أسسها صديقي الحسن الصباح والتي دعا فيها إلى وجود إمام لكل زمان وعلى الجميع اتباعه بثقة عمياء وكانت الباطنية قد انشقت عن الاسماعيلية التي كانت قد ظهرت لما اختلف أبناء جعفر الصادق على الإمامة ،ونسبت الإمامة إلى ابنه اسماعيل .
وكان السلاجقة قد تحركوا لدحر الحسن الصباح بعد أن جند فدائيين لتنفيذ عمليات اغتيالات في كل أرجاء بلاد المسلمين .
إلا أنني كنت أجد ان الفلسفة ضرورة حياتية بالرغم من أنني اضطررت لأن أعكف عنها كي لا تلاحقني تهمة التتبع للحسن بن الصباح ،طالما أنه غدا كل ماهو فلسفي مرتبط به وبجماعته في رأي الفقهاء وفي رأي الملكشاه بذاته ،إلا أنني كنت في أوقات فراغي وخلوتي أؤنس وحدتي بكتب أفلاطون وأبيقور إلى جانب قراءة أفكار الباطنية ،أو أقرأ رسائل إخوان الصفا ،أو أزور ملك بخارى الذي فتح لي قصره وأجلسني بجانبه حتى في مخدعه وعلى فراشه ،وكنت أنا أقص عليه قصص ملوك الفرس وأشرب معه شراب الشعير الذي احتفى به الملوك الساسانيون لما يفيد البدن والروح ،بينما كانت أسئلتي الفلسفية تتراكم في دواخلي الحائرة .
بالرغم من أن بني سلجوق استطاعوا هزيمة أعدائهم في الدول المجاورة ووسعوا رقعة بلادهم على حساب البيزنطيين مثلاً في معركة ملاذكرد وقضوا على البويهيين وخلصوا الخليفة من مدهم إلا أنهم استهزئوا بما قد يمكن ان يحرزه الحسن بن الصباح من تقدم في نشر دعوته حتى طالت قبضة اتباعه صديقي الوزير نظام الملك الذي تلقى طعنة سيفٍ غادرة في حديقة منزله على يد أحد الفدائيين الذين جندهم الحسن بن الصباح .
ومنذ ذلك الحين تغير كل شيء علي وخيم الحزن على حياتي وصرت أسترجع ذكرياتي مع صديقي نظام الملك في نيسابور حينما كنا نتمشى في سوقي المربعة الكبيرة والمربعة الصغيرة ونشاهد صناعة الخزف والفخار التي ذاع صيت نيسابور بها و أنسج انا رباعية فارسية أرتجلها وأتلوها عليه ،بينما يحدثني هو عن الأسس السياسية في الحكم كما يراها من منظوره .
انشغلت بعد فقداني نظام الملك بإنجاز كتبي العلمية بعد أن نجحت في حل معادلات من الدرجة الثالثة بواسطة القطع المخروطي واستطعت إثبات مصادرات إقليدس في التوازي فجمعتها في كتاب (شرح ما اشكل من مصادرات إقليدس )،وخصوصاً بعد تراجع الاهتمام بمرصد أصفهان من قبل الملكشاه الذي كان منغمساً في الصراعات التي تدور في منزله بين نسائه واولاده ومنشغل التفكير دوماً بما تقوم به الباطنية وفي كيفية مواجهتها.
لذا أصبحت كتب الشيخ أبو علي بن سينا ملاذي في تلك الليالي الطويلة التي لم يشبعها التأمل وكتابة الرباعيات الفارسية التي اسأل فيها عن الغرض من وجودي وأحاول أن أعرف من خلالها ذاتي وهذا ليس بالفلسفة في رأيي فعلى الأقل علينا أن نسأل عن الغرض من كل هذا الغرق مابين الأرقام والعلوم وإلى أية غايةٍ يقود ؟ وبحثت عن إجاباتٍ لكل هذه الاسئلة في كتاب الشفاء واكتشفت بأنني في طور النفس النباتية من الأطوار التي شرحها الشيخ في كتابه لكون احتياجاتي كلها ألبيها بفضل راتبي الذي اتقاضاه من الملكشاه وانشغالي الدائم في أمور العلم دون حتى أن ألتفت لنفسي لمعرفة الآخر والحاجات الغريزية البشرية ،أو المتطورة منها كحاجة أن تكون أباً مثلاً والتي لم تخطر لي من قبل .
ونظراً لطول أوقات فراغي فقد اطلعت أيضاً على ما جاءت به الباطنية من أفكار الفلاسفة اليونانيين ،ودفعني كل هذا إلى كتابة آرائي الخاصة عن جميع تساؤلات الوجود فعكفت عن العلم قليلاً ،وملأت وقتي في إنجاز رسالةٍ عن الوجود أعيد فيها التوازن إلى ذاتي المضطربة .
لكم حسدت سقراط على شجاعته في ممارسة الفلسفة أمام العلن دون أن يضطر لأن يكتب أفكاره ويجمعها في كتاب مثلي أنا ،لما كتبت رسالة في الوجود وأثارت تلك الرسالة جدلاً كبيراً وأقاويلاً كثيرة عني .
فبعد مقتل صديقي نظام الملك على أيدي الباطنية وإهمال بني سلجوق لي وخصوصاً بعد وفاة الملكشاه على نحوٍ مفاجئ وغير متوقع وسعي زوجته تركان خاتون للسيطرة على الحكم لصالح ابنها محمد البالغ من العمر آنذاك خمسة أعوام وتشابك المؤامرات في القصر السلجوقي .رحت أكثر من التأمل وأنا جالس في مرصدي أراقب النجوم ولكن بأسلوبٍ مختلف عما كنت من قبل .
أو أنزل السوق أراقب الحرفيين وهم يعبرون عن نظرتهم الفلسفية عن العالم من خلال القطع التي يشكلونها وأتساءل فيما لو كان التراب والرمل الذي يستعملونه يحمل في جعبته بقايا بشرٍ منذ غابر الأزمان ،من أيام كسرى وبهرام ،وكم أن الإنسان مهما بلغت قوته وجبروته فإن مثواه الاخير هو التراب ،وأنه لاجدوى ربما من كل ما نتعلمه ،وأن كل ماننجزه قد يغدو غير ذي قيمةٍ بين ليلةٍ وضحاها ،كما قد نفقد جزءاً منا بفقداننا لأناسٍ لم نكن نتصور الحياة بدونهم كما حصل لي مع نظام الملك صديقي الذي برحيله تعرفت على جانب من الحياة لم أكن لأدركه من قبل ،الجانب الموبوء بالشقاء والوحدة وإعادة النظر في كل الأمور .
وبينما كان صديقنا الثالث (حسن الصباح )يكمل ما قد بدأه حتى النهاية بعد أن استطاع السيطرة على قلعة ألموت وجعلها مقراً له ولأتباعه ،كنت أنا قد فقدت ثقة الفقهاء والعلماء بي وكانت توجه إلي التهم بالزندقة إلى الحد الذي طردتني فيه الملكة تركان خاتون من مرصد أصفهان وقطعت عني الراتب الشهري .
فقررت أن أؤدي فريضة الحج كي أسكت الشائعات التي تدار عني ،وزرت في طريقي إلى هناك بغداد والتقيت بكبير الفقهاء الغزالي هناك وأعجبت بعقلانيته التي تكتنف شخصيته وأفكاره التي تضعه في مرتبة الفيلسوف حتى ولو كان ينكر ذلك ويمقت الفلسفة والفلاسفة ويدعو إلى حصر العقل في فهم النص فقط ،ولم أكن لأخمن ذات يومٍ أنه سوف يعود في النهاية إلى التصوف وينعزل في مسقط رأسه نيسابور ويؤسس داراً للصوفيين يقضي فيها آخر أيام حياته .
بعد عودتي من آداء فريضة الحج ،كان السلطان بيركياروق قد اعتلى كرسي العرش بعد هزيمته لزوجة أبيه تركان خاتون ،فاتخذت مأوىً لي بالنقود التي جمعتها طوال تلك السنوات من عملي في المرصد وشرعت في تأليف كتاب وأتحدث فيه عن عيد النيروز وغرقت في قصص ملوك الفرس وعاداتهم وأسماء الأشهر وأنواع السيوف التي استخدموها ،وقسمت كتابي إلى عدة أقسام كل قسم منها يتحدث عن أحد اهتمامات الملوك الفرس والتي كانت تبرز في عيد النيروز لما كانت تقدم السيوف والبوازي والشرابات وأكثرها شراب الشعير لهم وخصصت أحد الفصول لمديح الوجه الحسن .
ثم أرسلت ذلك الكتاب الذي أسميته (نيروزنامه )الذي كتبته بالفارسية إلى الملك بيركياروق ألتمس فيه من خلاله الرأفة بحالي إلا أن ذلك كله لم ينفع فقد كان السلطان مشغولاً بحروبه لاستعادة قوة الدولة التي راحت تضعف أكثر فأكثر في عهده بعد الحملات الصليبية في بلاد المسلمين واحتلال القدس وتأسيس مملكة بيت المقدس فيها والتي طالت ملكها خناجر الباطنية أيضاّ .
ورحت أفتش عن حل ما أصرح به للملك وبحثت في كتب أفلاطون ومدينته المثالية ،وكتب أرسطو وأبيقور إلا أنني اكتفيت فقط بإنقاذ نفسي .
ولما كانت الدولة تضعف كنت أنا أزداد هشاشةً وضعفاً وأصبحت عاجزاً عن التحصيل العلمي كما كنت سابقاً ،واتجهت كلياً إلى الادب والفلسفة وأكثرت من نسج الرباعيات الفارسية وصارت الذكريات هي ما تشغل بالي فقط ،ورحت ازور الأماكن القديمة وأفكر في المواقف التي جرت معي ،فأصبت باليأس لما اكتشفت أن كل ما كنت أعيشه من مجدٍ كان مجرد وهم وبأن هذه الحياة لا تساوي أية قيمة ،وربما ليس لها أي معنى ،لذا قررت أن اغتنم ماتبقى لي من عمري في المتعة كما أوصانا ابيقور والامتناع عن التفكير بأي معنىً لهذه الحياة الفانية .
(أنا أحمد النظامي السمرقندي تلميذ عمر الخيام ):
لم يتم معلمي عمر الخيام رواية قصته لي ،ولم يرغب في الإفصاح عن سنواته الأخيرة بعد ان اعتزل العلم وتفرغ للتأمل ولعيش الحياة على حد تعبيره ،واكتفى بإخباري عن رغبته في أن يدفن في مسقط رأسه نيسابور وأن يكون قبره محاطاً بالأزهار والاشجار المثمرة والروائح العطرة .
لما زرت نيسابور يعدها بعدة سنوات سألت عنه فأعلموني بموته ودفنه في قبر خاص في المدينة ،ولما زرت قبره وجدته كما تمناه ،محاطاً بأشجار الريباس وكأنه مهد آخر له .
ولما اطلعت على رباعياته التي خلفها وراءه في أحد منازل تلاميذه التي كان يتنقل بينها في أواخر ايامه بعد أن بدد ثروته التي جناها من المرصد الفلكي .
عرفت سبب خجله من إخباري عن سنواته الأخيرة التي كان يتردد فيها على الحانات ويحتسي الخمر الذي بجله في رباعياته حتى أنه جعله سبباً كافياً للبقاء على قيد الحياة .
وعرفت من خلال رباعياته أنه قضى آخر أيامه يسائل الله ويحاججه ويطلب منه المغفرة وينصح الناس بعدم أخذ هذه الحياة على محمل الجد لأن مصير الجميع إلى التراب ويتغزل بالوجوه الحسنة وبالخمرة الصهباء ويخاطب المتشاوفين والمغرورين ويذكرهم بنهايات ملوك الفرس العظام الذين لم تنفعهم قوتهم وجبروتهم .
واكتشفت من خلالها أن معلمي كان قد ضجر من خيبته ومن كثرة معارفه وعلومه التي خيبت ظنه ولم تضمن له السعادة التي يتمناها المرء لذا لجأ إلى الخمرة التي تذهب العقل لكي ينسى ما ضاع منه في حياته التي لم يعشها لنفسه وإنما لخدمة الغير في علومه وحكمته ،فأمست تلك الرباعيات بمثابة زبدة تجربته الحياتية ،ولهذا السبب كانت ساحرةً وصادقة وتزلزل الكيان وكأنها مدينة فاضلةٌ صنعت من الكلمات فقط .
لما غادرت نيسابور حاملاً معي نسخةً من رباعياته بخط يده ،شعرت وكانه يرافقني بشخصه ،ولمل نظرت إلى السماء أتأمل النجوم لاستذكره ،تراءت لي كلمات الرباعيات وكأنها تشع في عرض السماء .


