المجلة الثقافية الجزائرية

عسل أسود

 بقلم: شهربان معدّي

 

هذه المسرحيّة أبطالها..

أبناء جيل..

هذّبتهم عصا المعلم..

ونظرة الأب..

وصرامة الأم..

وأشواك الدرب..

وزوُادة الزيت والزعتر..

ووحل الطرقات في الشتاء..

وحمّ الصيف في آب..

جيل لم يزر الماكدونالد..

ولم يركب الطائرة..

ولم يحلم حتى بمشاهدة السينما..

أخذت الأزقة والحارات من أحذيتهم رقعة..واكبوا تلفزيون الأبيض والأسود..

وفارس ونجود وملح وسكر..

وتعلّموا أن الحياة..

ليست كلّها ملح ولا سُكّر..

ولكنهم انتظروا غمزة سميرة توفيق

كما تنتظر الأرض سقوط المطر الأول..

مسرحية عسل أسود

عدد المشتركين في المسرحية سبعة أشخاص.

الشّخصيّة الرئيسيّة: الشّاب المثقف راجح، طالب في الجامعة.

الشّخصيات الثانوية: الأب أبو راجح، الأم إم راجح، أبو شاكوش المعمرّجي، أبو هبرة الّلحام، الخال بو صقر وقاضي المحكمة اليهودي، مار أفيشاي. رجال الشرطة.

الزّمان: منتصف السّبعينات/ يوم الجمعة/ يوم إجازة لكل القرية.

المكان: قرية نائية من قُرى الجليل.

المشهد الأول:

ساعات الظهيرة، الأب أبو راجح، يستلقي على كنبة عتيقة في صالون البيت، وهو يتصفح جريدته الصّباحية، والأم أم راجح، تجلس قبالته تُقلم رؤوس البامية الخضراء بعناية، تتأفّف من شدّة القيظ، وتلتفت لزوجها وتطالبه “بالهوّاية” التي وعدها أن يجلبها معه من مدينة الناصرة، ولكنّه نكث بوعده.. وقبل أن يلفظ الرجل ببنت شفة، يهزّ أركان البيت صوت أزيز رصاص وطخّ متواصل، تسمّر بسببه الزوجان في مكانهما، وبدأت أم راجح بالبسملة، ولطم صدرها تعبيرًا عن خوفها على ابنها الوحيد راجح.. وتقول بصوت مرتجف: سترك يا ربي، سترك، وين راح راجح، يا ولدي يا راجح، يا ولدي.. قوم يا زلمة شوف وين الولد، من الصّبح وانتي متبطح تقرا في هل جريدة، شو بدنا نوكل ونشرب من وراها.. ولم تكمل جملتها حتّى دخل ابنها راجح يلهث من شدّة الخوف..

– يابا يمّا وينكو.. وينكو.. الدنيا مولعة في البلد وانتو قاعدين هون!؟

– شوفي يمّا شو السّيرة احكيلنا.. والله يا يمّا ارتعبنا عليك.. إحكي يابا شو في؟ شو هالطخ هذا؟ راجح يرتمي على الكنبة الصّغيرة ويستمر بالّلهاث.. يسأله والده بقلق: – شو في يا يابا: هجم العرب على اليهود؟ لأ يا يابا.. لكلا هجم اليهود على العرب؟ كمان لأ.

–  طب شوو في تسأل الأم بفضول، احكيلنا شو صار.. ولكن راجح يستمر باللّهاث، ويتوقف صوت الطخ ويُسمع صوت صفّارة سيارة بوليس وهرج ومرج في الحارة. والدة راجح تناوله شربة ماء فى طاسة الرّعبة، وتبدأ بترقيته، والأب يصرّ على معرفة ما حدث في الحارة ويبدأ بالزّن في راس ابنه.. يلاّ يا زلمة احكيلنا شو السّيرة قبل يفقعوا فيوزاتي هه.. يأخذ راجح نَفَس عميق ويبدأ بالحديث وهو يضحك بصوتٍ عالٍ، ينتهره والده ويطلب منه الكف عن الضحك وأن يتحدث معهم بوضوح واحترام.. احكي يا زلمة شو السّيرة؟ قلبنا انقطع عليك وانتِ عم تضحك مثل الاخوث! ينظر راجح للتلفزيون الأبيض والأسود ويسأل والديه: ليه إنتو مش دايّرين التلفزيون، ومش عم تتفرّجوا على حفلة سميرة توفيق في محطة الأردن؟

– مالنا ومال سميرة توفيق وشوا دخلها في الطخّطخة في البلد؟

– هاي يابا لمّا بديت تغني طلع خالي بو الصقر من الحارة الفوقا وبدى يطخطخ من الفرحة، على الشّمال واليمين، وصار يقول أنو سميرة توفيق عم تغمزه هو وبس..

– يا شحاري قالت الوالدة ولطمت خدّها السّمين، شو بدو خالك في هل حكي، مرته مثل فلقة القمر!

– طوّلي روحك يا يمّا لمّا سمعوا عمّي بو شاكوش يلّلي ساكن في أول الحارة طال البارودة وبدا يقوّس هو كمان في الهواء، ويقول سميرة توفيق غمزتني بسّ أنا والزّلمة الّلي بيسترجي يفتح ثمّو.

– طيب وشو صار بعدين يا عيب الشوم عليهم.

– بعدين سمعهم عمّي بو هبرة اللّحام، يلّلي ساكن تحت الشّارع، طال فرده من على جنبه، وبدا يطخ لفوق وصار يحلف على الطلاق إنه سميرة توفيق غمزته هو وبسّ.

طيب وبعدين سأله الأب والأم سوية:

– وبعدين قلت يا إجريّ سلّموني لمّا إجت سيّارة البوليس..

لا حول ولا قوة إلاّ بالله العليّ العظيم، عالم راسها أخفّ من بيضة على ظهر جمل، بعدهن عم يتقاتلوا على غمّزة سميرة توفيق، صحيح إنها بتردّ الروح للرّوح، قال الأب بحذر كيلا تثور ثائرة إم راجح ولكنه جبرها بكلمة جميلة جدًا: بسّ والله العظيم مريولة إم راجح عندي في البيت بتسّوى كلّ العالم والّلي فيو.

لم يكمل أبو راجح جملته حتّى اقتحمت دورية البوليس بيته وقبضت على راجح بتهمة إطلاق النار وحيازة سلاح غير مرخّص.

فُتّش البيت، يقوم ويقعد ويساق راجح كالسّائمة البلهاء، لسيّارة الشرطة، ترافقه ولّولة والدته وتوسّلات والده لرجال الشرطة، بفك سراح ابنه الّذي لا له شبق ولا عبق بكلّ ما حدث في الحارة.

 المشهد الثاني

في المحكمة.

يدخل الرجال الثلاثة، لقاعة المحكمة، أبو صقر، يمشي بخيلاء، يلبس شروال أسود، وثوب حرير فضفاض، مع زنّار، ويفتل شاربيه مثل أبو عنتر، نظراته ولغة جسده، تشبه سلوكيّات أبو عنتر في كلّ شيء. أمّا أبو هبره، الرّجل المكتنز، الأصلع صاحب الشّاربين الصغيرين، يدخل بخطوات صغيرة، ثقيلة، ينظر حوله كلّ الوقت، وأبو شاكوش المعمرجي، الرّجل طويل القامة، الّذي ألهبت الشّمس وجهه، يلبس بدلة كاكي فضفاضة، وطاقية كاكي كاشحة، يجلس الثلاثة أمام الحاكم مار أفيشاي، وعلى كرسيّ قريب يجلس راجح مهمومًا. والده يجلس قبالته مع الجمهور القليل.يفتتح المحكمة الحاكم أفيشاي الذي يتكلم الّلغة العبرية المخلوطة بالعربية، ويطلب من كلّ واحد التعريف عن اسمه الثلاثيّ، وتاريخ ميلاده: – ولدت في ترم المشمش يا سيادة القاضي، يقول أبو صقر بلكنة عبرية مكسّرة، شو يعني تغم المشمس؟ يسأله القاضي بفضول، يعني لمّا يطلع المشمش! ولو يا سعادة الحاكم مين بعرفش وينته بطلع المشمش! يغضب القاضي ويطلب منه بحزم أن يعطي بطاقة هويته للحاجب وينتقل لأبو هبرة الّذي يجيبه بتلعثم وبلغة أهل الرّيف: خلقت في سنة الجراد يا سيدي القاضي، المرحومة أمي كانت تقولي خلقت نصّ كيلو في سنة الجوع والجراد، بس سلامة خيرك وخير الجميع، بعد هل النغصة، ظلّت إمّي تحشي فيّي تحشي فيّي، لحد ما صرت قد البرميل، واللّه وكيلك يا سعادة القاضي سميرة توفيق غمزتني أنا، “أُقعد إعوج واحكي صحيح” بس شافت هل شوارب المعقوفة، وهل كفوف الناعمة.. و. – خلص بديش أسمع بعد ولا كغمة، عربيم أهبل، فش موخ وينتقل لأبو شاكوش الّذي طيّر للقاضي ما تبقّى من عقله حين أخبره أنه ولد في سنة الثلجة، وقد أخبرته المرحومة والدته بأن كلّ البنات يلّي خلقوا في البلد، سموهن “ثلجة” وأنه مات ناس كثير وما خدروا يقبروهن بسبب الثلج المتراكم، بس الله عوّاد جوّاد، يا عمّي بو الشّاي، بعدها اخضرّت الأرض وعمْرت البيادر. وأردف قائلا بصوت عالٍ: مالنا في الطويلة يا سيّدي الحاكم، كلّ البلد بتيجي تشهد معي أنه سميرة توفيق غمزتني أنا، بس شافت هل كتاف العريضة مثل لوح الدّراس، وهل العضلات المفتوله؛ مثل خشب السّندان، ثم شمّر عن ذراعه وبدأ يعرض عضلاته بفخر.. فقاطعه أبو هبره قائلاً: يا ابن بديعة الهبلة؛ سميرة توفيق غمزتني أنا وبالعلامة وهيي تغنيلي “تنقّل يا غزالي” وبدأ يرقص على رؤوس أصابعه وكان يرقص معه كرشه الكبير وحاجبيه الكثّان وحتّى شاربيه الصغيران، ويقول قصدتني “أنا الغزالي بو العيون السود” انفجر القاضي بعد أن ضاق ذرعًا بهذه الحركات البهلوانيّة وطلب منه الجلوس مكانه، ويسأل بتعجب: بس بدّي أفهم من هادا سميغا توفيك، وشو دخله بالموضوع…؟ يضرب الثلاثة كف على كف ويقولون سوية: ولو يا أبو الشاي مين ما سمع المغنية الكبيرة سميرة توفيق، ويطلبون من راجح الشاب المتعلم أن يشرح للقاضي عن بطلتهم الخرقاء، عن شامتها الطبيعية التي رصّعت خدّها البلوري، وعن غمزتها السّحرية، التي ملكت قلوب العالم؛ ويشرح له راجح بلغة عبرية سليمة نوعا ما، عن سبب “الطوشة” في الحارة، وعن الفنانة الكبيرة، سميرة توفيق من لبنان، ولكنه عندما يصل لموضوع “الغمزة” لا يجد في قاموسه الّلغوي أي معنى يحمل كلمة غمزة، يحاول أن يُقلد غمزة سميرة  توفيق فلا يفلح، ويطلب من الرجال مساعدته في تقليد سميرة توفيق، ويبدأ كلّ شخص منهم بتقليدها بطريقته الخاصة، أبو شاكوش لا يجيد الغمز فيضع يده على عينه الشمال ويبدأ باغلاق وفتح عينه اليمين، وأبو صقر تثور ثائرته، ويحلف يمين على الطلاق أنه سميرة توفيق غمزته هو.. ويحدث هرج ومرج وصياح يتحول إلى التماسك بالأيادي، كلّ يدّعي أن سميرة توفيق غمزته، تثور ثائرة القاضي، يمسك مطرقته الخشبيّة ويضرب على الطاولة بقوة ويقول: كنزة لمزة عنزة! أخنا شو خصّنا، في سميغا توفيك؟ إحنا بهمنا منين جيبتوا السلاح، ويأمر بتوقيف الجميع ومصادرة أسلحتهم، ويحملق في وجه راجح من وراء نظارتيه السّميكتين، يهز رأسه الأصلع، ويقول بأسف: أنت مبيّن شاب متعلم، فهمان، كيف بتنجرّ وراهم؟ يحاول والد راجح الدفاع عنه ويعلن بصوت مرتفع أنه راجح لا له شبق ولا عبق في كلّ ما حدث ويتوسل للقاضي بأن يترك راجح وشأنه: يا سيدي بو شاي، إبني راجح طالب جامعي متفوق، وانا عم بشتغل زي الحمار منشان أعلّمه في الجامعة، دخيلك يا سيدي خليني أروّحه معاي.

يُغلق السّتار.

المشهد الثالث:

تستقبل الأم ابنها راجح بزغرودة كبيرة تملأ فضاء الحارة. ويدخل وراءه والده يحمل صفط هريسة، تحتضنه أمه بلهفة وتقول له: الحمد لله على سلامتك يمّا يلعن أبو توفيق وغمزة سميرة توفيق، مالنا ومال غمزتها وعبايتها وكحلتها.. يقاطعها الأب ويقول بصوت المُدافع الغاضب: شو خصّ سميرة توفيق يا مرة في الشّغلة، حاطّة نقرك من نقرها ليه! شو بدّك تجلطيني؟ صحيح أنه لمّا بتغمز بيتهزّ العالم العربي من المحيط إلى الخليج، بس هي حلوة كثير وأنتي من زمان بتغاري منها.. شو هيي درتك وحنا مش عارفين…؟

تثور ثائرة راجح من غيرته على والدته، ينتصب كسنديانة شامخة، ويقول بصوت متهدج: بكفّيك عاد يابا، صحيح أنه سميرة توفيق فنّانة حلوة، ملتزمة لفنّها وجهمورها، بس الحق على جماعتنا إلّلي بيهدوا الولد باروده أو فرد وهو بعدو في الدمجة، العيب في تفكيرنا، ومعقوليتنا ونرجسيتنا.. العالم طلعت على القمر وعم تستنسخ البشر واحنا بعدنا عم نتقاتل على غمزة سميرة توفيق، وما يلبث أن ينهي جملته حتى تُسمع مرة أخرى أصوات طلقات نارية في الحارة. يليها دوي انفجار قنبلة، يفتح أبو راجح التلفزيون، سميرة توفيق تصدح بصوتها الرخيم: “بدك تيجي حارتنا يا عيوني” تركض إم راجح تغلق الباب بالمفتاح، تشحط الكنبة الكبيرة تسند الباب بها وتقول وهي تلهث من التعب: الباب يللي بيجيك منه ريح سدّه وأستريح، غمزة من عين وحدة، عملت في العالم هيك، كيف لو بدها تغمز في العينتين؟

يُسدل الستار..

احترامي ومودتي

شهربان معدّي

كاتبة لأدب الطّفل والقصّة القصيرة وشعر الهايكو

أصدرت ستّة كتب للأطفال ومجموعة قصص قصيرة.

– لدموع لم تسقط مجموعة قصص قصيرة. طبع في دار آسيا – القدس – 2017- دمية جدتي 2010 حصلت بفضله على جائزة الإبداع الأدبي من قبل مطاح.

– البستان السّحريّ دخل مسيرة الكتاب. دار الهدى للطباعة والنّشر 

– هدايا صغيرة دخل مسيرة الكتاب. إصدار موقع حكايا

– بائع الكعكبان من عكا دخل مسيرة الكتاب. دار الأسوار عكا. 2021- 

– حارة السّلام 2022 عبد زحالقة- 

ماما كراكيب تصنع الأعاجيب اصدار موقع حكايا. 

حصلت على عدة جوائز عالميّة ومحليّة. أكتب من أجل رفع مستوى الوعي في مجتمعنا العربي الغالي الذي أحمل همّه كثيرًا وأحب أطفاله وأحلم أن نحوّله لمجتمع راقٍ، مستهلك للثقافة والرقي قبل الركض وراء رغيف الخبز والتّسابق على السفر لخارج البلاد..

أوثّق التراث وكلّ ما أجده مناسبًا من خلال القصة القصيرة، لتتذوق الأجيال القادمة تراثًا عشناه نحن ولم ينعموا به أو حتى يسمعوا عنهم.