مها الورهاني
مرَّ اليوم العالمي للشعر دون اكتراث المعنيين والقراء على حد سواء على مختلف مشاربهم إلا من رحم ربي رغم أن الاحتفاء بالشعر سنويا من خلال طرح يوم عالمي له في الحادي والعشرين من آذار / مارس له أهمية كبيرة في متابعة سرديات الشعراء على مختلف أجناسهم وأعمارهم بغزارة تعبر عن قضايا الإنسانية من خلال لقاءات مع الجمهور يفترض أن تستمر على مدار العام لا بل والحياة .
لا بأس من الإشارة هنا إلى توضيح اليونسكو، للهدف الرئيسي من اعلان هذا اليوم المتمثل في دعم التنوع اللغوي من خلال التعبير الشعري، ولإتاحة الفرصة للغات المهددة بالإندثار بأن يستمع لها في مجتمعاتها المحلية. وعلاوة على ذلك، فإن الغرض من هذا اليوم هو دعم الشعر، والعودة إلى التقاليد الشفوية للأمسيات الشعرية، وتعزيز تدريس الشعر، وإحياء الحوار بين الشعر والفنون الأخرى مثل المسرح والرقص والموسيقى والرسم وغيرها، كما أن الهدف منه أيضا هو دعم دور النشر الصغيرة ورسم صورة جذابة للشعر في وسائل الإعلام بحيث لاينظر إلى الشعر بعد ذلك كونه شكلا قديما من أشكال الفن.
هناك من يعتقد بأن العالم يشهد – منذ أكثر من عشرين عاما – حركة حقيقية لصالح الشعر وصارت الأنشطة الشعرية تتكاثر في مختلف الدول والأعضاء ويزداد الشعراء عددا ، إلا أنني لم ألحظ تحقيق أي مما سلف خلال اليوم المذكور و لا حتى طيلة العام والعقود الزمنية الأخيرة ما خلا بعض الأنشطة المتفرقة في دول عديدة و جلها يقام بجهود فردية بالرغم من أن اليونسكو تشجع الدول الأعضاء على القيام بدور نشط في الاحتفال باليوم العالمي للشعر، سواء على المستويين المحلي والقطري، وبالمشاركة الإيجابية للجان الوطنية والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات المعنية الخاصة منها والعامة مثل: المدارس والبلديات والمجمعات الشعرية، والمتاحف والرابطات الثقافية، ودور النشر، والسلطات المحلية وغيرها.
وهذا لم يتجلى أبدا في البلاد العربية موطني الأول لأسباب كثيرة بات يدركها الناطقون بلغة الضاد أينما كانوا على وجه البسيطة حيث المعيقات باتت لا تحصى الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة الشعر كما حال الأدب والثقافة والفكر ، وحين يأخذنا الحنين للوراء إلى الزمن الجميل في الإبداع العربي لا نعلم هل نبتسم لأن .. هناك منتوج شعري عظيم قدمه أدباء عمالقة رحلوا ، أم … نبكي … لأن الماضي لن يعود ..
هنا أنقل ما قاله الشاعر والكاتب المسرحي والشاعر والموسيقي الفائز بجائزة نوبل للآداب النيجيري، وولي سوينكا، في أثناء إلقائه قصيدة كتبها للأطفال بقاعة الجمعية العامة في أثناء اجتماع رفيع المستوى بمناسبة الذكرى السنوية الثلاثين لاعتماد اتفاقية حقوق الطفل ” للشعر أثر كبير في تعزيز إنسانيتنا المشتركة بجزمه أن جميع الأفراد – في كافة أرجاء العالم – يتشاطرون ذات التساؤلات والمشاعر. كما أثبت الشعر الذي يعد حجر الأساس في الحفاظ على الهوية والتقاليد الثقافية الشفهية – على مر العصور – قدرته الفائقة على التواصل الأكثر عمقاً للثقافات المتنوعة “.
هذا رأي عالمي يفترض أن يكون ملموسا لدى الجميع لكننا إذا خصصنا الحديث عن الشعر العربي نجد أنه يعيش أزمة مستفحلة نظرا للواقع المرير الذي تمر به الامة العربية راهنا على الصعد كافة كما أسلفنا وهذا ما يؤكده الشاعر نزار قباني بقوله ” الشعر العربي واقع في أزمة ثقة مع الناس . رمى بنفسه من الطابق التاسع والتسعين للقصيدة القديمة و لا يزال عالقا بين السماء و الأرض” . و يتابع ” إن العرب ماتوا سياسيا وإن القصيدة العربية في زمن الاحباط و التراجعات تسافر ضد التيار و تقوم بمهمة انتحارية “. كيف لا و هناك من يؤثرون التبعية على احتمال المسؤولية . فالأديب معاناة في العمق و تعبير في العمق حيث تستفيق الفكرة واللفظة معا .و قديما قال الجاحظ ” الشعر فضيلة العرب ” والفضيلة تعني أطهر ما لدى الإنسان وأشرف ما عنده. وقيل ويقال إن “تعمير الحياة يحتاج إلى عشرات الشعراء و عشرات الكتاب وعشرات الروائيين وعشرات الفلاسفة” .فأين بلادنا العربية من ذلك . يكفي أن نؤكد هنا أن الفجوة ما زالت كبيرة بين السياسي والثقافي من المحيط إلى الخليج . ولكم أن تفسروا هذه الطامة الكبرى بكل ما أتيتم من وعي شعري وأدبي و فكري وفلسفي و ثقافي . و أختم بمقولة إن الشاعر الحقيقي هو الذي يرى نزيفه على الورق ولا يحاول إيقافه ، تماما مثل صفير القطارات الذي ما زال يشق كالخنجر صدر الليل ” فهل يوجد في الساحة الشعرية العربية مثل هذا الشاعر أم أن الجميع دخل في دوامة جديدة تتمثل في السجال بين مؤيدي القصيدة العامودية و قرينتها النثرية ؟
هذا السجال له مقال آخر.
كاتبة وإعلامية
ألمانيا





