د. صلاح التوم إبراهيم _ السودان
أبُو حَفَص عُمَر بن عَبد العَزيز بن مُروان بن الحَكَم بن أبي العاص الأموي القُرَشيُّ المَدني (61 – 101 هـ / 681 – 720 م)، هو ثامن الخلفاء الأمويين، تميزت خلافة عمر بن عبد العزيز بعدد من المميزات، منها: العدلُ وردُّ المظالم التي كان أسلافه من بني أمية قد ارتكبوها، وعزلُ جميع الولاة الظالمين ومعاقبتُهم، كما أعاد العمل بالشورى، ولذلك عدّه كثير من العلماء خامس الخلفاء الراشدين، كما اهتم بالعلوم الشرعية، وأمر بتدوين الحديث النبوي الشريف. استمرت خلافة عمر سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، حتى قُتل مسمومًا سنة 101هـ، فتولى يزيد بن عبد الملك الخلافة من بعده.
ما أن انتقلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز حتى توافد الشعراء إلى بابه كعادتهم ، ولكنّه لم يستقبلهم، وبقوا على بابه أيامًا على هذه الحال، حتى ضاق ذرعهم، فتوسل جرير بن عطية وكان ضمن الشعراء الوافدين على الخليفة ب ( عدي بن أرطاة الفزاري الدمشقي وهو تابعي محدث من رواة الحديث ويعد من الثقات من أهل دمشق وكان مِن العُقلاء الشُجعان، وقد روى له الْبُخَارِي، ولاه عمر بن عبد العزيز على البصرة عام 99 هـ واستمر عليها حتى قامت فتنة يزيد بن المهلب في العراق حيثُ قتله معاوية بن يزيد بن المهلب. والده هو الصحابي أرطاة الفزاري )
وقال بعضهم أنه توسل ب( عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي – وكان ورعا فقيها مفوها في المنطق نظير الحسن بن أبي الحسن في منطقه – فرآه جرير على باب عمر مشمر الثياب ، معتما على لمة لاصقة برأسه ، قد أرخى صنفيها بين يديه .
فطلب جرير من عون أو عدي _ _على اختلاف الروايات_ أن يكلم الخليفة عمربن عبدالعزيز ويأذن لهم بالدخول ، وقال :
يا أيها الرجل المزجى مطيته
هذا زمانك إني قد خلا زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
إني لدى الباب كالمشدود في قرن
لا تنس حاجتنا لاقيت مغفرة
فقد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
وبالفعل كلم (من طلب منه جرير ) الخليفة بذلك، وقال : «يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وألسنتهم مسمومة وسهامهم صائبة». فقال الخليفة له: “ما لي والشعراء؟” .
فقال له يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدح فأعطى وفيه أسوة لكل مسلم. قال صدقت ، فمن في الباب من الشعراء؟ قال: ابن عمك عمر بن ربيعة. قال لا قرب الله قرابته ولا حيا وجهه. أليس هو القائل:
ألا ليتني في يوم تدنو منيتي
شممت الذي ما بين عينيك والفم
لا يدخل علي أبداً.
فمن في الباب غيره؟ قال جميل بن معمر. قال أليس هو القائل:
ألا ليتنا نحيا جميعاً فإن نمت
يوافي لدى الموت ضريحي ضريحها؟
والله لا يدخل علي.
فمن غيره من الشعراء؟ قال كثير عزة. قال أليس هو القائل:
رهبان مدين والذين عهدتم
يبكون من حذر الفراق قعودا
أو يسمعون كما سمعت حديثها
خروا لعزة ركعاً وسجودا
أبعده الله. لن يدخل علي أيضًا،
ومن هنالك غيره؟، فقال له: الأحوص الأنصاري، فقال الخليفة: أوليس هو القائل:
الله بيني وبين سيدها
يفر عني بها وأتبع
وأفسد بذلك على أهل المدينة المنورة جارية من جواريها، فلن يدخل، فمن غيره من الشعراء؟
قال الأخطل التغلبي. قال أليس هو القائل؟
ولست بصائم رمضان عمري
ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنسا بكوراً
إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير يدعو
قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً
وأسجد عند منبلج الصباح
أبعده الله عني فلا يدخل علي أبداً. فمن غيره؟
فقال له: جرير، فقال له: أليس هو من قال:
لولا مراقبة العيون أريتنا
مقل المها وسوالف الآرام
هل ينهينك أن قتلن مرقشا
أو ما فعلن بعروة بن حزام
ذم المنازل بعد منزلة اللوى
والعيش بعد أولئك الأقوام
طرقتك صائدة القول وليس ذا
حين الزيارة فارجعي بسلام
ولن يدخل أيضًا.
وما زال الرجل يذكر له الشعراء والخليفة لا يأذن لهم ويبعدهم، حتى قال : إن كان ولا بد أن يدخل أحد، فأدخل أبا حرزة (جرير)، فأدخله.
ثم إن جريرا استأذن عمر في الانشاد فلم يأذن له ولم ينهه، فأنشده قصيدة طويلة يمدحه بها، فقال منشدا:
إِنَّ الَّذي بَعَثَ النَبِيَّ مُحَمَّداً
جَعَلَ الخِلافَةَ في الإِمامِ العادِلِ
ولقدْ نفعتَ بما منعتَ تحلارجاً
مكسَ العثورِ على جسورِ الساحلِ
قَدْ نَال عَدلُكَ مَنْ أقامَ بأرْضِنا،
فإلَيْكَ حاجَةُ كُلّ وَفْدٍ رَاحِلِ
إنّي لآمُلُ مِنْكَ خَيراً عَاجِلاً،
والنفسُ مولعةُ بحبَّ العاجلِ
وَالله أنْزلَ في الكِتابِ فَرِيضَة ،
لابنِ السّبِيلِ وَللفَقِيرِ العَائِلِ
فلما مثل بين يديه قال له: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقاً. فأنشده أبياتاً منها قوله:
كم باليمامة من شعثاء أرملة
ومن يتيم ضعيف الصوت والبصر
من بعد ذلك يكفي فقد والده
كالفرخ في العش لم يدرج ولم يطر
الخير ما دلت حيا لا يفارقنا
بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال له: «والله يا جرير لقد وافيت الأمر، ولا أملك غير ثلاثين دينارا، فعشرة أخذها ابني عبد الله، وعشرة أخذتها أم عبد الله. ثم قال للخادم: ادفع إليه العشرة الثالثة».
فقال جرير إنها لأحب مال كسبته. ثم خرج فسأله الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ قال ورائي ما يسوؤكم.
خرجت من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء. ثم أنشد قائلًا:
تركت لكم بالشام حبل جماعة … أمين القوى مستحصد العقد باقيا
وجدت رقى الشيطان لا تستفزه … وقد كان شيطانى من الجن راقيا
_____
المراجع:
١. الأغاني طبعة دار الكتب ٨/٤٨
٢. البداية والنهاية – ابن كثير – ج٩
٣. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء،، أبو نعيم الأصبهاني – أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني.
٤. حاشية الأمير على المغنى ١/ ٩٠
٣. ديوان جرير بشرح محمد بن حبيب




