يحيى عباسي بن أحمد –
ملخص: تبحث هذه الدراسة في ظاهرة فريدة في تاريخ اللسانيات الثقافية: كيف تفقد اللغة هيمنتها عندما تواجه النص القرآني؟ سؤال يقود إلى إعادة بناء العلاقة بين البنية اللسانية (اللغة كنسق) وبين الخطاب القرآني (القول الإلهي المتجاوز). تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن القرآن لم يخضع للغة، بل أعاد صوغها، وحرّرها من بنيتها المغلقة، وفتحها على آفاق دلالية لم تكن ممكنة داخل النظام العربي قبل الوحي. تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا-تاريخيًا، وتستند إلى نصوص تراثية (الجرجاني، السيوطي) وإلى نظريات لسانية وفلسفية حديثة (دي سوسير، غادامر، ريكور، بنفنيست…)، مع مقارنات معمّقة.
مقدمة
تقوم اللغة، في لحظتها الطبيعية، بدور الحاضن الأكبر للتصور ولصناعة الوعي. فالإنسان لا يرى العالم إلا من خلال شبكاتها، ولا يفكر إلا بما تسمح به بنيتها. ومن هنا نفهم ما عبّر عنه إدوارد سابير حين رأى أنّ اللغة «سجنٌ للوعي» ، وما أضافه بنفنيست لاحقًا من أن الذات لا توجد خارج تموضعها داخل اللغة .
غير أنّ هذه الهيمنة اللسانية تتعرض لاهتزاز عميق حين تواجه خطابًا خارجًا عن النسق، كما حدث مع القرآن. فالقرآن لا يستعير اللغة بوصفها إطارًا محدِّدًا لمعناه، بل يُخضِعها لحركته، ويحوّلها من بنية مغلقة إلى أفق تأويلي متجدد.
هذه الدراسة تتعقب هذا التحول: كيف ولماذا فقدت اللغة العربية سلطتها حين نزل القرآن؟ وما الذي جعله ينتقل بها من قدرة التعبير إلى قدرة الخلق؟
أولًا: مفهوم الهيمنة اللغوية في اللسانيات
تُعرَّف الهيمنة اللغوية بأنها قدرة اللغة على تشكيل الإدراك، وتحديد ما يمكن قوله أو التفكير فيه داخل مجتمع لغوي. وقد وضع دي سوسير الأساس النظري لذلك حين رأى أنّ اللغة «نسقٌ يسبق المتكلم» ، وأن المتكلم ابن النظام لا خالقه.
ووفقًا لسابير، فإن «حدود لغتنا هي حدود عالمنا» كما سيكرر فتغنشتاين لاحقًا ، مما يجعل اللغة إطارًا للعالم قبل أن تكون أداة له.
هذه الرؤية تجعل السؤال أكثر حِدّة: كيف يمكن لنصٍّ ما أن يخرق نسقًا سبق وجوده؟
ثانيًا: اللغة العربية قبل القرآن: نسق مكتمل أم نظام مغلق؟
تُظهر المصادر التراثية أن العربية الجاهلية كانت تمتلك نظامًا تعبيريًا متينًا، أعلى تجلياته الشعر. كان الشعر سلطة لغوية ومعرفية ؛ عبره تُشكَّل السمعة، وتُرسَم الهوية، وتُخاض الحروب الرمزية.
غير أن هذا النظام، رغم ثرائه، كان مغلقًا على حدوده. حتى الجرجاني يشير إلى أن الفصاحة في الشعر الجاهلي «تحوم حول المعاني الدائرة في العقول» ، أي المعاني المجتمعية المألوفة التي تم إلفها.
من هنا يمكن القول: العربية قبل القرآن لم تكن عاجزة، بل كانت مكتملة على نطاقها – مغلقة على عالمها.
ثالثًا: كيف يفكّ القرآن هيمنة اللغة؟
1. تجاوز النسق دون كسره
لا يأتي القرآن بلغات أخرى، ولا بكلمات خارج المدار العربي؛ بل يفكّك الهيمنة من داخل اللغة نفسها.
يقول الجرجاني: «القرآن جاء بطريقة لا معهود لها في كلام العرب» .
هذا «اللامعهود» يمثل لحظة الانفكاك: بنية لغوية مألوفة تُستعمَل فجأة لقول غير مألوف.
تتمثل آليات الانفكاك في ثلاثة مستويات:
1. أ – إعادة بناء العلاقة بين اللفظ والمعنى
دي سوسير يرى أن العلاقة اعتباطية ، لكن القرآن يحوّل الاعتباط إلى قصد، ويعيد شحن الألفاظ بمعانٍ وجودية وليست اجتماعية.
مثال: كلمة النور – في الشعر الجاهلي معنى حسي، أما في القرآن فهي بنية أنطولوجية:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
هذا الانتقال يفتح الكلمة على أفق غير مسبوق.
2. ب – كسر مركزية الزمن اللغوي
اللغة الجاهلية تحكمها لحظة الحاضر، بينما القرآن يشتغل بزمن دائري واستباقي معًا.
غادامر يرى أنّ النص العظيم يعيد تشكيل زمن المتلقي ، وهذا ما يفعله القرآن:
اللحظة لا تعود لحظة، بل أبدًا منفتحًا، كما في قصة الخلق، التي تُروى لا كحدث ماضٍ، بل كحضور دائم.
3. ج – تحويل الاستعارة من وظيفة بلاغية إلى وظيفة معرفية
ريكور يرى أن «الاستعارة الحية» ليست تجميلًا بل إنتاج معرفة .
القرآن يستخدم هذا النوع من الاستعارة: النار – النور – المطر – الجبل… ليست صورًا بل مفاتيح معرفية.
وهنا تفقد اللغة هيمنتها لأنها لا تعود متحكمة في المعنى، بل يصبح المعنى هو الذي يتحكم في اللغة.
رابعًا: لحظة التفكك: شهادة العرب أمام القرآن
المصادر المبكرة تشير إلى أن العرب لم يُصدموا بمعاني القرآن بقدر ما صُدموا بطريقة تشكّله.
الوليد بن المغيرة يعترف: «إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق…» .
هذا الاعتراف ليس انبهارًا جماليًا فقط؛ إنه توصيف لحظة انهيار الهيمنة اللغوية:
لغة يتقنها العربي تمامًا، لكنه أمام القرآن يشعر أنها ليست لغته كما اعتادها.
خامسًا: أثر الانفكاك اللغوي في الوعي والتأويل
عندما تفقد اللغة سلطتها، ينفتح التأويل.
غادامر يرى أنّ النص حين يتحرر من اللغة اليومية يدخل حدّ «الأثر» (Wirkung) ؛ يصبح فاعلًا.
وهذا ما حدث مع القرآن:
لم يعد النص خاضعًا لقواعد اللغة، بل أصبحت قواعد اللغة تُعاد قراءتها وفقًا له.
والسيوطي يسجل ذلك في «الإتقان» بوضوح حين يتحدث عن أن القرآن «أصل الأصول» في العربية .
أي أن اللغة أصبحت تُقاس عليه، لا العكس.
سادسًا: خلاصة
يفقد النسق اللغوي هيمنته في القرآن للأسباب التالية:
1. تحويل الدلالة من اجتماعية إلى وجودية.
2. تحرير الزمن اللغوي من خطيته.
3. جعل الاستعارة فعلًا معرفيًا لا بلاغيًا فقط.
4. إعادة بناء العلاقة بين اللفظ والمعنى على أساس القصد لا الاعتباط.
5. تفجير طاقة اللغة وإرجاعها إلى أصلها الممكن لا أصلها المستعمل.
بهذا يصبح القرآن ليس نصًا داخل اللغة العربية، بل أفقًا تتجدّد اللغة داخله. وهو ما جعل علماء العربية يستمدون من القرآن قواعدهم، بينما بقي النص فوق القواعد نفسها.
*كاتب جزائري





