المجلة الثقافية الجزائرية

وجع الحديقة

بسمة الشوالي -تونس

– إنّه ابني. هل يبتر المرء أنفه عن وجهه؟

قال، وخاط العجز فمه حتى حلّ الشّتاء. 

عندما رعّش البرد ركبتيه لم يجد عكّازة من حنان تسند وقوفه المرتجّ ويدا تهدهد نومه المضطرب. كلّ ما كان يؤثّث منزله من رفاه لم يدفئ أركانه المهجورة من أنفاسكِ تحرّك الجمر تحت رماد العمر، وتعطّر رائحة الكلام الخارج من فمه الأدقم. لم يرَ خطاك القصيرة السريعة تذهب في كلّ ناحية من حياته وبيته وتجيء فترفو فتوق الوحدة من حوله وتسدّ عنه كلّ مسارب القرّ ونزق الخريف.

عندها، جلس تحت شجرة الدردار حيث كنتما دوما تجلسان تتبادلان الصّمت الرّصين وخفّة المعنى في إبريق الشّاي، مدّ على التربة الجافّة رجليه وانخرط في النّواح المجروح..

أشفقتُ عليه. ثمّ كففت عنه رقّة القلب. ما كنت لأغفر لزوجي لو عرّضني إلى مثل ما تعرّضت إليه..

هذا ما روت لها الجارة التي رأت ما حدث يومها وكلّ الأيام التي تلت طردها، من سطح منزلها المطلّ على حديقة منزله.

– لا تقسي عليه يا جارة. يقع في سوء القرار رجل يقف بين امرأتين متعاديتين تتجاذبانه فيما بينهما لغاية تتجاوزه، وقد يُقصى تماما، فلا يكون، في شخصه، أحد عناصر النزاع الأساسية. 

كلّ ما في الحكاية أنّي لم أكن أنْفَه، قدرا يتقبّله بخيره وشرّه، عضوا أصليّا من كيانه الجسديّ يصير ناقصا مشوّها من دونه، مجدوعا الوجه والكرامة في العيون.. ولا أنا “أمّ أنفه”. 

كنت له زوجةً أنَفَةً تزّين رجولته المعتدّة بنفسها، وتثبّت كبرياءه النّاضج في لمعة الحذاء ووميض المشيب. وكنت لابنه اليتيم زوجة أب ربّيته طفلا حتى زوّجته. بيدي أدخلت العروس إلى جنّتها الصّغيرة كابنة لم أنجبها. لكنّ البنت التي لم أنجب لم تر فيّ سوى حماة غير أصليّة تمتلك نصف مساحة الجنّة المشتركة وكلّ الحبّ الفائح في الدّاخل، المزهر في الحديقة، ولم أكن في حياتها الرّاهنة غير وريثة غير شرعيّة تقاسم زوجها إرثه من أبيه ذات غد تأمل ألاّ يتأخّر كثيرا. 

كلّ الحكاية أنّي زائدة دوديّة تسبّب وجعا دفينا لجسم العائلة، وتهدّد سلامته بالتسمّم.

“لا بدّ من استئصالها”.

وكان القرار مفعولا مؤكّدا بنكسة أجفان الرّجلين، وانتفاضات مرتعبة للكلمات المغلولة خلف قضبان من الأسنان المنطبقة. اِنحاز الزّوج الشابّ إلى الـ “وسّادة” في حضور أمّ لم تلده. وضيّع الزّوج الأبُ الطريق إلى نفسه المنشطرة بين ساكنة القلب وفلذة الكبد.

في غرفة الجراحة العاطفيّة غير المعقّمة، جدعت الزّوجة الشّابّة الزّائدة الدوديّة العجوز دون تخدير، وتركت أثر المشرط جرحا مفتوحا دون تقطيب..

نزف الجسم الناقص أسفا. ناح العضو النّزيع ظلما. رقصت الجَرّاحة انتصارا.

– أقدّر ألمك وحكمتك في الردّ. لو كنت مكانك لاستنزلت السّقف ثورة..بعد رحيلك، لمته بشدّة حتى بكى. كان حزنه كسيحا لم يستطع أن يحمله ليهرع خلفك وقد أُخرِجت صبيحة عيد الإضحى من عشّك الوثير في طقس خريفيّ يعصف بالعمر والأشجار والأعياد القادمة، ولا انتظم عقد الأيّام من بعدك. كلّما مشى تعثّر في أشيائك، وتحسّس حركة طيفك الخفيفة تهفّ حوله وعليه.. كلّما غفا سمع صوتك يوقظه لطعام أو دواء..

يرتفع ضغط دمه إذّاك، يضطرم العالم في بطنه، يختنق. 

صار صدره ضيّقا حرجا. قبضة غير مرئيّة تطبق على عنقه وتسدّ درب الهواء إلى فضائه الدّاخليّ الكئيب.. يدع النوافذ مفتوحة، يتعرّض لمجرى التيّار الهوائيّ، يقضي أكثر الوقت خارجا يهيم على وجه الحنين، يشهق في نشيج، يزفر طويلا، يتنهّد عميقا، يُخلّص حلقه من غصّة تكوّرت في مجراه فتخلُفها غُصص ويعسر عليه التنفّس أكثر.. لا ينفكّ يشعر بنقص فادح في الأكسجين ولا ينقطع منزله الواسع عن التّضيُّق يوما غِبّ يوم. الحديقة نفسها تضايقت، ومثله تشكو الاختناق في الهواء الطّلق. ولمّا كان يتفقّد مواجع غامضة تداعت عليه، ويفتّش في نفسه وفيما حوله عنك، وعن أثر منك يخفّف علله المتكاثرة، تفطّن إلى أنّ جراحة الفصل القاسية قد استأصلت من صدر عالمه إحدى رئتيه..

لقد أصبح اليوم وحيدا في عالم مشرع النوافذ، قليل الهواء. بعد إبرام عقد تمليك الضّيعة لابنه، أصرّت الزوجة أن تنتقل إلى العاصمة. فقد حفيده وابنه في آن واحد. 

– لا تخشيْ عليه غائلة الهجر. الأنف أيضا لا يستغني عن وجهه. من دونه هو قطعة حبل قاءها السيّل.

– لكن لو علمت أنّي رسوله إليك اعتذارا ومصالحة، فبمَ أرجع إليه؟