بقلم: معاذ محمد رمضان
تَعَرَضَ د. صادق جلال العظم لهذه المسألة في الحوارات التي تمت بينه وبين د. عفيف قيصر في كتابه (دفاعاً عن المادية والتاريخ)
سأعمل الآن على ضغط هذا الموضوع، مُتَصَرِفَاً، ومُراعياً الدقة والموضوعية:
(قناعتي هي أن أدونيس ينتمي الى هذا الجناح ويلتزم به بخاصة أن هايدجر جعل من الشاعر نوعاً من النبي الذي ينكشف عن طريقه أو عن طريق لغته وإبداعه وعبقريته قدس الأقداس أو وجود الموجودات)
هذا ما قَرَرَه العظم عن إنتماء أدونيس “الحداثي”. لكن لا بُدَ من تثبيت “التوضيح” و”التمييز” الغني الذي طرحه العظم عن مفهوم الحداثة:
تَبَيَنَ للعظم بأن المناقشات الكثيرة لمسألة الحداثة تخلط بين مفهومين لها، ولا بُد من التمييز الدقيق بينهما.
الأول: الحداثة بالمعنى “الموديرنيتي”، ويشير هذا المعنى بإختصار الى (حركة التاريخ الأوربي ونتاجاتها منذ عصر النهضة والإصلاح الديني اللوثري حتى اليوم ومُحركه الأول صعود نمط الإنتاج الرأسمالي وتوسعه)
الثاني: الحداثة بمعنى “المودرنيزم”، وهو حركة فنية أدبية أوربية بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وإزدهرت وسيطرت في القرن العشرين، وأعلامها البارزين، الشعراء رامبو وبودلير ومالارميه.
الإختلاط بين المفهومين والتشويش ناشىء (لأن الحداثة بمعنى “المودرنيزم” تنطوي على ردة فعل قوية على الحداثة بمفهومها الأول وعلى عملية نقد وتجريح وتسفيه لها تصل عند البعض الى حد رفضها بالكامل)
هايدجر ينتمي إلى الجناح الثاني “المودرنيزم” بل هو مُبَرَزٌ فيه (يُعدُ هايدجر واحداً من أهم وأبرز المُنَظِرين للجناح اليميني في الحداثة الأوربية بمفهوم “المودرنيزم” ومن أكثرهم عداءً ورفضاً للحداثة عموماً أي بمفهوم “الموديرنيتي”)
لنرجع الآن لصُلب الموضوع:
1ـ بعد أن قَرَرَ العظم إنتماء أدونيس لجناح هايدجر اليميني، أثبتَ براعته ـ أدونيس ـ في الإستفادة من الإلتباس الحاصل بين المفهومين (إلا أن أدونيس يستفيد ببراعة، في طروحاته عن الحداثة، من الإلتباس الحاصل بين المفهومين اللذين أشرت إليهما في الإستخدام العربي للعبارة. يسمح هذا الإلتباس ل أدونيس في أن يظهر ، في معظم الأحيان وليس دوماً، بمظهر التقدمي الداعي بقوة للتحديث والحداثة بمفهوم “الموديرنيتي” في حين أنه لا يدعو حقاً إلا للطروحات الأكثر رجعية وإرتدادية وأصولية في حداثة “المودرنيزم” المعادية للحداثة بمعناها الآخر وهو المعنى الذي يهمنا حقاً كعرب أحياء اليوم)
2ـ لا يختلف “لاهوت الإبداع” الذي يشرحه أدونيس في “بيان الحداثة” بشيء جوهري عن “لاهوت وجود الموجودات” عند هايدجر.
3ـ التمييز الأدونيسي بين النص الأول “القرآن”، وبين النص الثاني “التراث الذي نشأ حوله”، هو أطروحة هايدجرية خالصة بلباس إسلامي لا أكثر.
ودعوة أدونيس كثيراً الى النقد الجذري للدين، وعلى طريقة ماركس أحياناً، تبدو وكأنها إنتصارُ للحداثة (لكنها في العمق ليست كذلك)، بل هي دعوة لنقد النص الثاني جذرياً، لإحلال النص الأول الإلهي مكانه.
(دعوته الى النقد الجذري للدين هي صورة مؤسلَمَةٌ عن دعوة هايدجر المعروفة الى النقد الجذري للميتافيزيقيا الغربية وتحطيمها بغرض إحلال وجود الموجودات محلها، أي تجربة الإبداع والوحي والكشف)
4ـ الأسئلة عند أدونيس كما عند هايدجر، تُحيل الى مزيد من الأسئلة وليس الى إجابات.
(في الواقع الإجابات هي المستنقع والإنحراف بذاته. وكما عند هايدجر، الأسئلة عند أدونيس لا توصل الى أي مكان أو حال لأن أحداً منا لا يصل في العمق، الى غير المكان الذي هو فيه أو الى أي حال غير الحال الذي هو عليها)
تأكيد أدونيس المستمر أولوية الإمكان على الواقع، وإصراره على أن تاريخ الإمكان هو التاريخ الحقيقي، هما من صميم لاهوت هايدجر ووجوديته الدينية المضمرة.
5ـ على الرغم من تَبَني هايدجر للنموذج اللاهوتي الأصولي الحرفي لمعنى الخلق والإبداع، ثم تَبَنى أدونيس هذا النموذج من بعده، إلا أن الفارق الهام موجود بينهما:
(أدونيس يُرَوج لهذه الطروح كلها بإسم الحداثة والتحديث والنقد الجذري للتقليد والدين، في حين أن هايدجر صريح تماماً في رفضه للحداثة وإحتقاره للتحديث وفي إفتخاره بأنه معلم الأنتي ـ حداثة والمُنَظر الأكبر لضرورة النكوص عنها في القرن العشرين)
6ـ رفض هايدجر الكامل للحداثة بالمعنى التاريخي الأوسع والأهم، جعله يعتنق الأصالة النازية برجعيتها المتطرفة، بل نَظَرَ لها ودافع عنها.
ورفض أدونيس المشابه للحداثة بالمعنى الجدي، جعله يعتنق الأصالة الخمينية بقروسطيتها المتطرفة، بل نَظَرَ لها ودافع عنها وإمتدحها شعراً ونثراً.
يُنظَر الصفحات: من 227 إلى 235 من كتاب العظم، دار الفكر الجديد بيروت لبنان الطبعة الأولى 1990





