المجلة الثقافية الجزائرية

السارد في رواية سأمضي للروائي صالح جبار محمد خلفاوي دراسة تحليلية نقدية

د. نجاة عمار الهمالي

المقدمة: توجهت الدراسات النقدية الحديثة للاهتمام بالخطاب الروائي ومكوناته ،وفصّلت فيه بحيث لم نعد نتبين الرواية إلا من منظور تقنيات فنية ،تقدم من خلالها المادة الحكائية .

تخيّرنا من تلك التقنيات تقنية السارد(الراوي) ، ليكون مدار بحثنا في رواية (سأمضي) لصالح جبار محمد خلفاوي ،حيث انصرفت الدراسة لاستنطاقها والبحث فيها عن آلية توظيف السارد،وحركته داخلها وأشكال حضوره.

وما حفّزنا على اختيار هذه الرواية ،أن السارد فيها ظاهرة فنية مهيمنة على النص ،وقد وضعنا معطيات للدراسة تسهل التوصل لإجابات عن استفهاماتنا حول السرد ،والسارد وعلاقته بالروائي، والشخصية الساردة والفضاء الزماني والمكاني ؛ لذلك آثرنا تأصيل تلك المصطلحات التي ستقابلنا أثناء التطبيق ،بمهاد نظري عن مكونات الخطاب الروائي للرواية.

المهاد النظري:

سنركز البحث عن السارد وتمظهراته في النص السردي ،ولكن قبل أن نعبر إليه لابد أن نعبّد الطريق بالتذكير بالمفاهيم المكونة للخطاب الروائي :

السارد(الراوي )+ المسرود(النص السردي / المروي )+ المسرود له (المروي له ).

مفهوم السرد :

يُقصد بهذا المصطلح “الحديث أو الإخبار”لحمداني(2000) ص45أو الكيفية التي تُروى بها القصة،والمؤثرات التي تخضع لها ، بعضها متعلق بالسارد والمسرود له ،وبعضها الآخر متعلق بالقصة ذاتها .

المسرود :

يُراد به النص السردي (المروي) : ويمثل مجموعة من المواقف والأحداث المروية أو المسرودة في القصة .جيرالد برنس ( 2002 ) Gerald princeص142.

3) المسرود له ( المروي له (

ونعني به الشخص الذي يُحكى له ،أوالطرف الثاني في عملية الحكي،والمقابل المباشر للسارد،وغالبا لا تظهر صورته إلا بشكل غيرمباشر. جاب لينتفلت (1992)Jap Lintvelt ص87

فالسارد هو من يسرد الحكاية ،و السرد طريقة تقديم الحكاية أو القصة التي يسردها السارد ، مونيكا فلودرنك (2012) monika fludernik ص18 أما المسرود له فهو متلقي السرد، والتفريط في أي من تلك العناصر يخل بالعملية التواصلية .

على ذلك يكون رهان التواصل في العمل السردي بمكوناته الثلاثة :

السارد ( الراوي) – السرد(المروي) – المسرود له (المروي له)

تلك تعاريف موجزة لعناصر الحكي ، وسنفرد براحًا أوسع للسارد (الراوي) كونه مدار هذه الدراسة .

لفتنا تنوع المراجع المتوجهة للبحث في السارد،بتنوع طريقة التناول ،وأسلوب الدراسة ، فكان اعتمادنا على ما أتيح لنا منها ، وعلى رأسها الدراسة الموسومة (الراوي في السرد العربي المعاصر ) لمحمد نجيب العمامي ، وفيها بحث مستفيض ودراسة لرواية الثمانينيات في تونس،بحث فيها عن السارد و علاقته بالشخصية والمسرود له ،وأشكال حضوره ، والشخصية الساردة والسارد ،ثم مستوى السرد الذي حوى مستوى علاقة السارد بالشخصية و مستوى المسرود له.

ودراسة عبد الرحيم الكردي الموسومة (الراوي والنص القصصي ) وفيها تعرّض لدراسة مفهوم السارد ،وتطور دراسته منذ عصر أفلاطون حتى العصر الحديث ،كما رصد فيها وظائفه وعلاماته ،ثم عدّد أنواعه ليصل في نهاية الدراسة إلى علاقته بالنص القصصي .

وقد أفدنا من دراسة محي الدين حمدي المعنونة (الإغراب في الرواية العربية الحديثة )،إذ فصّل القول عن السارد في الباب الثاني من الكتاب ،وكذلك من كتاب يمنى العيد ( الراوي الموقع والشكل )وهو دراسة عن موقع السارد في السرد .ومن ثم علاقته بما يسرد وبمن يسرد، والتقنيات التي يعالج بها موضوعه ، فضلا عن دراسات وأبحاث أخرى سنثبتها في الهوامش و مسرد المصادر والمراجع .

الدراسة والتحليل النقدي

أولاً علاقة النص الموازي بالمتن الروائي :

للعنوان دلالته ،فهو السمة الدالة على ما يحويه المتن ، وفي كثير من الأحيان يفسره ، وعادة ما تقوم العناوين في القصص والروايات على المراوغة والإيحاء بازي (2012)ص15 وقد وسم الروائي الرواية بالفعل (سأمضي )وهو جملة واحدة ،مما يدرجه تحت بند العنوان البسيط ،ونلاحظ أن العنوان جملة فعلية ،وعادة تكون “الاسمية هي الغالبة على العنونات البسيطة والمركبة “عويس1988 ص42،لأول وهلة نعتقد أن هناك خللا فيما خلص إليه الدكتور محمد عويس في كتابه العنوان في الأدب العربي، ولكن لو بحثنا في العنوان من الداخل لوجدنا أن جملة سأمضي هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره (رواية )فتكون جملة العنوان (رواية سأمضي )أي أن الاسمية مسيطرة ،والاسم له دلالة الثبات ،والأفعال لها دلالة التجدد ،خاصة في حالة الفعل المضارع عويس(1988)ص20 فنمني أنفسنا على ذلك أن تكون الرواية متجددة الأحداث .

وإذا بحثنا عن دلالة الفعل (سأمضي)في أذهاننا كمتلقين فنجدها كما يأتي :

 

←التصميم

 

←التحدي

 

←الإرادة

 

سأمضي ← ← ←الذهاب

 

←التقدم

 

← الحاضر

 

←المستقبل

 

أما الدلالة اللغوية فنجدها تعني أنْفَذتُ الأمر،ومضى وتمَضَّى ،تقدم ، ابن منظور (1990)ص وهو فعل مضارع ،ومع السين تكون الدلالة على الحال والاستقبال ،أي أن الرواية تحمل معنى التحدي ، والإصرار على المضي ، والتقدم إلى الأمام ،ونفي كل ما يشد إلى الوراء.

 

ومما يزيدنا يقينا تكرار الكلمة منذ الاستهلال( لتمضي – سأمضي )وينهيه بجواب (ولن أعود ) وفيه دلالة العنوان:

 

سأمضي ← ولن أعود

 

وللوصول إلى دلالة العنوان داخل المتن نعرض ملخصا للرواية :

 

يسرد لنا الروائي معاناة المرأة والرجل ، ومشاكلهما في الحياة معا ، من خلال قصة امرأة مطلقة تواجه الحياة مع طفليها ، تساندها أمها في بداية الأمر ، ولكن الموت أبى إلا أن يختارها في زمن كانت في أشد الحاجة لها ، لتلجأ إلى أخيها الذي وقف إلى جانبها رغم أعبائه ، ومشاكله مع زوجته التي مافتئت تنغص عليه الحياة حتى دفعته لأن يمد يده للمال العام ويختلس مبلغا منه ، فتكون نهايته السجن ، لتمضي البطلة في طريقها وحدها بدون سند . خلفاوي (2004)

مما تقدم نلمح صدى العنوان في المتن الروائي ، وكأن البطلة تتحدى الظروف القاهرة ، والمتربصين بها ،وقد وجهت نظرها نحو المستقبل ،تسير صوبه بثبات لا تلوي على شيء إلا تربية أبنائها والعيش بكرامة ،فالعنوان دال على المتن ، وهو سمته الذي يشي بما تتضمنه الحكاية