المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

الفلَّةُ.. خالَتي فَدوى طَوْقان

 محمَّد حِلمي الرِّیشة

“التَّواضعُ فضیلةٌ لاَ نجدُھا بینَ الشُّعراء،ِ فكلُّ واحدٍ مِنھم غالبًا مَا یَرى نفسَھُ الأَعظمَ فِي العالم.ِ”

(ثربانتس)

 

لمْ أَقرأ،ْ أَو أَعرف،ْ أَو أَلْتقِ شاعرًا/ شاعرة،ً طوالَ مَا مضَى مِن مشوَاري الشِّعريِّ، فیھ/ِ

فِیھا، ذلكَ الغِنى/ الثَّـراء/ البَذخ منَ الإِنسانیَّةِ قبلَ الشِّعریَّة،ِ بتواضعِھا الجمِّ، سوَى شاعرةٍ واحدةٍ؛

فَدوى طُوقان.

كنتُ أَزورُھا كثیرًا فِي بیتِھا السَّابقِ فِي حيِّ “المخفیَّة”، قبلَ أَن تسكُنَ فِي شارعِ جامعةِ النَّجاحِ فِي نابُلسَ أَواخرَ سنواتِ عُمرِھا، حیثُ كنتُ أَسكنُ فِي الشَّارعِ ذاتھ،ِ ویبعدُ بیتُھا الأَخیـرُ عنْ بَیتي أَقلَّ مِن مائةِ متر،ٍ وكنتُ أَشعرُ أَثناءَ كلِّ زیارةٍ لھَا بأَنَّني فِي حضرةِ ربَّةِ شعرٍ آتیةٍ منَ الحاضرِ الماضِي إِلى الماضِي الحاضرِ! وكانَتْ فِي أَواخرَ زِیاراتي لھَا، قبلَ وفاتِھا (رحمَھا اللهُ)، تطلبُ منِّي أَن أَقرأَ لھَا مِن أَشعاري، إِذ كانتْ تصرُّ، حینَ أَتَّصلُ بِھا لتحدیدِ موعدٍ للقاء،ٍ أَن أُحضرَ قصائدَ لِي، وبعدَ حدیثٍ حولَ مواضیعَ شتَّى، لاَ تنسَى أَن تُذكِّرني بأَن أَقرأَ لَھا. وذاتَ لقاء،ٍ كانَ الأَخیرَ بینَنا، نھضتْ مِن مقعدِھا، علَى الرَّغمِ مِن الأَلمِ الصَّعبِ فِي مفاصلِ ساقَیْھا، وفقدانِھا بَصرِھا بسببِ الأَمراضِ المزمنةِ المختلفة،ِ إِذْ كنتُ كثیرًا مَا أَراھا تَبكي بسببِ ذلكَ الفقد،ِ وحینَ كنتُ أَمسحُ لھَا دموعَھا اللُّؤلئیَّة،َ كانتْ تقولُ لِي بلؤلؤٍ أَكثر:َ “لَو أَيَّ شيءٍ تعطَّلَ إِلاَّ

البَصر، لأَنَّھ حرَمَني القراءَةَ”.

حینَ عادت،ْ وھيَ تتحسَّسُ الأَشیاءَ إِلى تصلَ إِلى مقعدِھا، كانتْ تحملُ فِي یدِھا كرَّاسة،ً قدَّمتْھا لِي، وطلبتْ بصوتٍ ناعم،ٍ أَجملَ مِن صوتِ بُلبلةٍ علَى عرشِھا، أَن أَقرأَ بصَوتي مَا أَختارُ

مِن قصائدِھا الأُولى والأَخیرة،ِ والَّتي لَمْ ولنْ تَنشرَھا، لِما فِیھا مِن مواضیعَ حسَّاسةٍ جدًّا، كمَا باحتْ لِي قبلَ أَن أَشرعَ بالقراءَة،ِ وھذَا الَّذي ضاعفَ أَكثرَ رغبةَ القراءَةِ لديَّ؛ قصائدُھا الأُولى والأَخیرة،ُ وحساسیةُ مواضیعِھا، ورفضُھا نشرِھا!

ھيَ بخطِّ یدِھا، وقدْ بدَا لِي أَنَّ رجفةَ یدِھا وبصرِھا ھيَ مَنْ خطَّھا.

الحقیقةُ أَنَّ یديَّ كانَتا ترتجفانِ وھمَا تضمَّانِ الكرَّاسةَ! لقدْ شعرت،ُ آنذاك،َ كأَنَّني سأَقرأُ أَشعارَھا أَوَّلَ مرَّة،ٍ وكأَنَّني لمْ أَكنْ قرأْتُ لھَا شعرًا مِن قبل،ُ أَو كأَنَّ ھذهِ الكرَّاسة،َ بِما قالتھُ لِي بشأْنِھا مقدَّمًا، قدْ نَسختْ كلَّ مَا كتبتْھ،ُ وأَنَّھا أَوَّلُ أَشعارِھا وآخرُھا: ھلْ ھيَ أَیضًا، وصیَّتُھا الشِّعریَّةُ؟ إِنَّھا ترفضُ نشرَ الكرَّاسةِ حتَّى بعدَ وفاتِھا كمَا أَبلغَتْني!

لقدْ أَعطتني إِیَّاھا لأَقرأَھا كلَّھا فِي البیت،ِ وأَن أُسمِعَھا رأْیي فِیھا. ولكنْ؛ مَا أَن وصلتُ بَیتي بدقائقَ حتَّى رنَّ جرسُ الھاتف،ُ وإِذ بِھا تُبلِغني بحزمٍ أَن أُعیدَھا لھَا غدًا خشیةَ أَن تقعَ فِي یدِ أَحدٍ مَا!(*) ھذَا مَا زادَ مِن شھوةِ فضولِي أَیضًا، ولیسَ مِن شَھوتي لقراءَةِ قصائدِھا.

فتحتُ الكراَّسةَ لمَّا كنتُ فِي حَضرتِھا، وبعدَ أَن طلبتْ منِّي، كمَا ذكرتُ قبلَ سطور،ٍ أَن أَقرأَ علَى مسمعِھا مَا أَختارهُ أَنا مِنھا، ولیسَ مَا تختارهُ ھي.َ تصفَّحتُھا قبلَ أَن أَشرعَ بالقراءَة،ِ كأَنِّي أُریدُ أَن أَختار.َ بحثتُ بدایةً عنْ تواریخِ كتابتِھا فلمْ أَجد،ْ فسأَلتُھا عنْ أَزمانِ كتابتِھا؟ فأَجابَتني:

فِیھا قصائدُ منَ البدایاتِ لمْ تُنشرْ فِي أَیَّةِ مجموعةٍ صدَرت،ْ وقصائدُ مِن أَواخرِ مَا كتبتُ قبلَ فقدِ البَصر.ِ

الحقیقةُ أَنَّني تصفَّحتُ الكرَّاسةَ سریعًا محاوِلاً أَن أُوقعَ بصَري علَى قصائدَ تأَمُّلیَّة،ٍ أَو وطنیَّة،ٍ أَو إِنسانیَّة،ٍ مثلا،ً لأَنَّي وجدْتُ أَنَّ معظمَ القصائدِ غارقةٌ فِي أَعماقِ الحزن/ اللَّوم/ الحسرة/ الھجاء/ الفقد/ الجرح/ الفشلِ العاطفيِّ… (یمكنُ معرفةُ ھذَا وذاكَ حتَّى مِن عناوینِ القصائدِ)، ولاَ أُریدُ أَن أُعیدَھا الآنَ إِلى أَزمانِ تلكَ الحالاتِ القاسیةِ علَیْھا؛ أَزمانِ كتابتِھا.

لاحظتْ “خالَتي فَدوى”(**) (كنتُ أُحبُّ أَن أَدعُوھا بھذَا، وتحبُّ ھيَ كذلكَ) أَنَّني أَطلْتُ وقتًا فِي تصفُّحِ الكرَّاسة،ِ فقالتْ بحنان:ٍ اقرأْ أَیَّةَ قصیدة.ٍ فقرأْتُ علَى مَسمعِھا: “ھذَا الكوكبُ الأَرضيُّ”، حیثُ إِنَّھا قصیدةُ تمنِّیاتٍ شخصیَّةٍ لَھا، ثمَّ صارتْ تطلبُ أَن أَقرأَ قصائدَ بعَینِھا تذْكرَ لِي أَسماءَھا، وبعدَ أَن أَقرأَھا، كنتُ أَعرفُ لماذَا اختارَتْھا بالذَّات،ِ مِنھا قصائدُ عنْ فشلِھا العاطفيِّ كتبَتْھا فِي بدایاتِھا الشِّعریَّة،ِ وشدَّدتْ حینَھا علَى أَن أَقرأَ قصیدةَ “أَینَھُم”؛ قصیدةٌ عمودیَّةٌ فِي ھجاءِ عائِلتِھا ومدیحِ ذاتِھا، وأَنا أَرى أَنَّ ھذهِ القصیدةَ قدِ اختصرَتْ بِھا سِیرتَھا الذَّاتیَّةَ؛ وھيَ موضوعُ قصیدَتي “الفُلَّةُ”؛ القصیدةُ الَّتي لمْ أَقرأْھا علَیْھا لأَنَّھا ولِدتْ بعدَ وفاتِھا.

“مُنْذُ لَحْظَة،ٍ

غَیْرِ مَرْغُوبٍ بِھَا وَمَنْ بِھَا،

فِي (1917) كَانَت:ْ

اسْتِدَارَاتُ طَوْقِ الحَیَاةِ حَوْلَ نَفَسِھَا

كَسَاقِیَةِ حَرِیم،ٍ

وَالأَلْفَاظُ المَشبُوكَةُ بِدَبَابِیس:ِ

صَھ..ٍ صَھٍ؛

تَخْتِمُ فَمَھَا الافْتِرَاضِيَّ،

وَالصَّبِيُّ الوَرْدَةُ

قَبْلَ البُلُوغِ وَافْتِضَاحِ الرِّیق،ِ

انْتَبَھَ لِمَسَارِ عُصَارَتِھِ بِحَاسَّةِ الفُجَاءَة،ِ فَجَاءَتْ

رَفْسَةُ الوَاشِي

عَلَى

جَبِینِ

جَنِینِ اللَّھْفَةِ مُسَوَّرَةِ المَھْدِ

بِنَوَافِذَ عَالِیَةٍ عَلَى أَصَابِعِ العُیُون،ِ

وَارْتِكَابُ العَائِلَةِ إِثْمَ المَفَاتِیحِ المُصَاغَةِ لِلضَّیَاع،ِ

وَغَیْرُھا كَثِیر،ٌ بَلْ وَأَكْثَر:ُ

صَنَعُوا شَاعِرَةً دُونَ صَیْفِ رِیشٍ وَطَیَرَانِ ھَوَاءٍ

قَبْلَ أَنْ یَخْلَدُوا لِلْیَقَظَةِ الجَارِحَة،ِ

لكِنَّھُم/

لَمْ یَنْتَبِھُوا لأَِجْنِحَةِ الإِیقَاعِ وَھِيَ تَعرُجُ مِنْ صِرَاطِھِمْ

إِلَى جَحِیمِھَا

بِطَاقَةِ شِعْرٍ مُزَنَّرَةٍ بِھَمْسٍ حَبِیس،ٍ

وَلَعَنَاتٍ حَتَّى مَطلَعِ المَوْتِ

فِي (2003) بَعْدَ المِیلاَد.ِ”

إِشارتان:ِ

(*) الحقیقةُ أَنَّني لاَ أَزالُ أَلومُ نَفْسي جدًّا علَى مَا حدثَ لكرَّاستِھا، مِن حیثُ لمْ أَلتزمْ بمَا خشیتْ ھيَ منھُ؛ لقدْ استنسختُھا بدافعِ الاحتفاظِ بأَثرٍ مخطوطٍ مِنھا، قبلَ أَن أُعیدَھا لھَا فِي الیومِ التَّاليِّ كمَا طلبتْ منِّي عبرَ ھاتفِھا

المستعجَل،ِ إِلاَّ أَنَّ شخصًا (أَربأُ أَن أَذكُرَ اسمَھُ ھنَا لأَسبابٍ أَحتفظُ بِھا لنَفْسي) فِي “بیتِ الشِّعرِ” حیثُ أَعمل،ُ شاھدَني وأَنا أَستنسخُ الكرَّاسة،َ فطلبَ منِّي أَن یقرأَھا فقط،ْ قبلَ أَن أُعیدَھا لھَا، بعدَ أَن أَبلغتھُ برغبتِھا الشَّدیدةِ باسترْجاعِھا الیوم،َ إِلاَّ أَنَّھُ خانَ رغبتَھا باستنساخِ نسخةٍ لھُ مِن دونَ أَن أَعلم،َ فشاركتُ أَنا بالخیانةِ مرَّتین.ِ لقدِ احتفظَ بالنُّسخةِ إِلى أَن أَظھرَھا بعدَ وفاتِھا (رحمةُ الله علیْھا)، حیثُ عملَ مِنھا كتابًا وكتبَ تقدیمًا لھ،ُ علَى الرَّغمِ مِن أَنَّني أَبلغْتھُ بأَنَّھا شدَّدتْ كثیرًا علَى عدمِ نشرِ القصائدِ حتَّى بعدَ وفاتِھا، إِلاَّ أَنَّھُ لمْ یحقِّقْ رغبتَھا، بلْ وحقَّھا الأَصیلَ فِي كرَّاستِھا. المذھلُ البشعُ فِي الأَمرِ؛ أَنَّھُ أَصدرَ الكتابَ واضعًا شكرًا لِي في الطَّبعةِ المحلیَّة،ِ ثمَّ حذفَ الشُّكرَ فِي الطَّبعةِ المصریَّةِ!

(**) أَخبرني المؤرِّخُ النَّابلسيُّ إِحسانُ النِّمر قبلَ وفاتھِ (رحمھُ الله) أَنَّ عائلةَ الرِّیشةِ وطَوْقان (مثنَّى طَوْق) مِن أُصولٍ شامیَّة،ٍ وأَنَّ (الرِّیشة) ھوَ لقبُ جدِّ جدِّي حیثُ كانَ یكتبُ فرماناتِ السُّلطانِ العثمانيِّ لأَنَّھُ كانَ خطَّاطًا ماھرًا، وشاعرًا أَیضًا، وكانَ فِي العھدِ العثمانيِّ یُلقَّبُ الشَّخصُ باسمِ مھنتھ،ِ والَّتي أَصبحتْ إِلى الآنَ اسمَ عائلتھ.ِ

محمَّد حِلمي الرِّیشة: شاعرٌ وباحثُ ومترجمٌ من فِلسطین