المجلة الثقافية الجزائرية

اللغة الصوفية والمسافة بين الروح والخيال إسبينوزا نموذجا.

بقلم محمد بصري*  

يقول بيندكتو باروخ اسبينوزا 1632-1677) “من كان جسمه يملك عددا كبيرا جدا من الاستعدادات كان الجزء الأعظم من نفسه أزليا” [1]

اسبينوزا “الله هو الكل والكل هو الله” كتاب الأخلاق

“الرغبة هي شهوة مصحوبة بوعي بذاتها ” اسبينوزا

الخيال البشري النشط يقتفي أثر الروح وهي تتجاوز الحدود المطلقة للامرئي، يقول عز وجل “” وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً” الإسراء (85، كل تأويل للقوى الروحية مؤقت ونسبي وغير ناضج ميتافيزيقيا .لأن سؤال الكينونة كان ولا يزال عالقا بين مفترق فكرتين: الماهية والمادة، الهيولي الإغريقي وهو يحفر عميقا في طبقات الماورائي لم تسعفه وسائله الاستدلالية والبرهانية أو استحضار فهم نهائي ناجز، فاستعان بالآلهة والسعادة، الإغريق كانوا سعداء وهم ينقلون ويرافقون الهتهم التي صنعها فكرهم لتحليل و بيان موقع الروح والخيال. الترف الفلسفي هو أن نصل بالمتعة العقلية والفلسفية إلى مداءاتها المعرفية. أرسطو كان يستشيط غضبا وهو يحاور معلمه أفلاطون .هذا الأخير كان يتمنع من الثقافة المشائية ويعتبرها بدعة ثقافية ناقصة هدفها هدم المعبد الأكاديمي فوق رؤوس المثاليين والهيوليين.

كثيرا ما يعمد الخيال البشري إلى ملاحقة ومضات لامرئية هي بمثابة الذبذبات”الخيال كما تراه هو الذي يقود الوعي إلى بؤرة الاهتزازات أو (الذبذبات)المؤسسة vibrations fondatrices [2]

الجدل التاريخاني تم بين نسقن كلاسيكيين تيار ديكارتي عمد إلى احياء ثنائية الروح والجسد وهي مواضعة اغريقية قديمة تمددت فلسفيا لربط المتناهي باللامتناهي وإن كان ليبنيز قد ألف بين هذه الثنائيات تأليفا إيقونيا يحاكي فيه الطبيعة متجاوزا فرضات ديكارت فالدين الحقيقي ل غوتفريد فيلهلم لايبنتز 1 يوليو 1646،/. 14 نوفمبر 1716،نابع من إنسانيته هو لاهوت جديد لم تعهده الأدبيات البروستانتية والكاثوليكية الغربية يرفض دين الطقوس ويتجه إلى التأمل الصوفي للحقائق الفلسفية والإعدام للذاكرة فالروح لها خيال خاص يسرح خارج الجسم فهي تنشط وفق جواهر مندفعة من الماضي الى المستقبل كالسهم الذي ينطلق من الرمية بدون خضوع لحركة آلية أو نظام متتابع انها تشبه شتات كمي فيزيائي يصنع طاقة لامرئية.

اسبينوزا رغم انتمائه المبكر للنسق المركزي الغربي بل من صُنَّاعه فمكانته الفلسفية والتكوينية لا تختلف عن الحضور الكانطي أو الديكارتي رغم الاختلاف البنائي للكوجيتو .فمأسسة العقل الغربي والكوجيتو الاوروبي هو صناعة نسقية مغلقة رغم ادعائية الانفتاح حول العقل الكوني الذي يبدأ بالغنوصية والثقافات الشرقية نهاية بالعقلانية الاسلامية والعربية .ثنائية جسد/روح فكر فيها اسبينوزا في كتابه “الأخلاق” داخل متتالية سببية وفق نظام العلل والأسباب التي تبدأ بالعقل الكلياني “الله” وتنتهي بعالم الظواهر “الطبيعة ” في التمييز مفاهيميا بين “الطبيعة الطابعة و”الطبيعة المطبوعة” الجسد هو استمرار للنفس.

كتب كريستيان كورتلي في القرن 17 “طائفة الدجالين” يصنف اسبينوزا المبارك في الأرض بالمخرب والبغيض من سلالة لقيطة غير يهودية وأكثر الفلاسفة الملحدين شؤما فقد تجاوز ميكيافيلي وهوبز و فانيلي [2]

اسبينوزا استفاد من التراث الغنوصي الشرقي والعربي الاسلامي فمقولاته التي اثرى بها مذهب الحلولية Panthéisme مذهب وحدة الوجود الذي لا يختلف فيه عن مطارحات الداهية محي الدين بن عربي. هذا الجدل الصوفي يضع الطبيعة موضوعا للتجلي الروحي للطبيعة .فالإله بالمتخيل الفلسفي السبينوزي هو قوة لامتناهية تتجلى في طبيعته ولا يمكن الفصل بينهما “جوهر واحد يحوي ما لا يتناهى من الصفات attributs سواء أأسمينا هذا الجوهر الله أم سميناه الطبيعة DEUS SIVE NATURA ، جوهر لا تكون الموجودات فيه بأكملها إلا أحوالا لهذه الصفات أو آثارا تلحق بالجوهر” [3]

يُجزم دولوز وهو يتسلل إلى عقل اسبينوزا أن فكره جلب له صداعا ميتافيزيقيا ومعارضة لاهوتية وحاخامية حين رفض فكرة التعالي الجدلية بين الجسد والروح [الوعي] فكلاهما متوازيان متعادلان وهو بهذا أسقط أكثر النظريات الأخلاقية تجدرا في الثقافة المعيارية البشرية والتي تستعبد الجسد وتستنزفه وجوديا لصالح الروح، بل أن سبب الكراهية المسيحية المتراكمة بين الجسد والروح وهو سبق نقدي جلب الكراهية العميقة لإسبينوزا ومهد الطريق المعبد بالمصاعب الميتافيزيقية لتلميذه الجريء نيتشه الذي أعاد تكثيف هذه الرؤى انسجاما مع بدايات الحداثة. نحن كائنات قلقة لا تعي الامتداد الحقيقي لروحها ولا الامتداد الفعلي لقوى أجسادها ول ما يمكننا الوصول اليه وبلوغه هو الوهم كوننا لسنا أحرارًا نحن نشبه أحجارا صماء ساقطة من السماء تتوهم وتعتقد بحريتها وهي لا تعي الحتميات التي تكبلها بالتعبير السبينوزي.هناك أوهام ثلاثة نعيشها “وهم الغائية ووهم الثيولوجيا ووهم الحرية” [4].

التمرد الثيولوجي غير المحمود والفلسفي العميق الذي تصدّره اسبينوزا وهو يحفر بمعوله الميتافيزيقي عميقا في طبقات اللاهوت التلمودي كلفه الكثير فهو لا يعترف بالتنزيه ضمنا بل يجعل ارادة البشر وهم المخلوقات البائسة التعيسة استمرارا للإرادة الله وفق احداثيات الطبيعة الطابعة والطبيعة المطبوعة.

يذهب سبينوزا بعيدا في تأويلية لم يتلقفها العقل الديني آنذاك حين يعلن أن أكل آدم من الشجرة اللعينة في الجنة والتي حذّره الله منها لم يكن إلا انبجاسا لجدلية ميتافيزيقية ستتأسس وتتعمق وتزداد تأصلا في العالم الفلسفي وهي التضاغط بين الشر والخير .يوفر دولوز تحليلا عبقريا يجمع فيه بين نيتشه المتغطرس واسبينوزا الواعظ الأخير. لقد حذر الله عز وجل آدم من أن يختلط جسده بالطعام الطبيعي المسموم والذي سيختلط بجسده وتتأثر به روحه ووعيه .فالألم الميتافيزيقي الذي نعانيه كبشر هو استمرار الوعي بالخطية والذي نحمله كجينات الشر في أجسادنا المتعبة .كم كنت عظيما يا اسبينوزا تبارك اسمك في عالم القيم والثيولوجيا والأخلاق.

اسبينوزا تأثر بالمحيط السياسي وبالهامش الكبير من الحرية وما قبل الديمقراطية الذي بدأ يتشكل في قوى معارضة ومتمردة و أحيانا خارجة عن القانون وهو ما سيشكل مادة وفيرة لكتابه في السياسة والأخلاق فتأثير فان دان إيد Van den Ende المدرسة الديكارتية التي يسيرها هذا اليسوعي المتحرر والمتهم بالإلحاد والذي سيجري اعدامه في فرنسا سنة 1674 بعد انتفاضة Chevalier de Rohan هذا فضلا عن علاقات اسبينوزا بمتمردين ومثقفين خارجين عن الطاعة و الملكيات كذا اتصاله بالمجمعين collégiants والمنونيين Mennonites دعاة مذهب وحدة الوجود [6] إضافة لتأثره بجماعات مشاعية كانت تمهد للفكر المادي والشيوعي وهو شيء يعكس التوتر الثقافي لميلاد الافكار و الالم الثقافي لذي جعل السبينوزية كمعجزة تخرج من رحم المعاناة والألم .

يقول دولوز مؤرخا للعلاقة المتشنجة بين اسبينوزا ومحيطه الديني واليهودي والثقافي أن الحاخام المدعو “مناص ابن اسرائيل” الذي سبق أن تتلمذ على يديه باروخ اسبينوزا هو من قام بطرده من طائفة المارانو باللعن والسباب سنة 1640 لان هذا الفتى الفيلسوف كان كثير النقد للكالفنيين والاورنجيين ولشركة اقتصادية ناهضة هي La compagnie de L’est ولفئة لبرالية وبيان الطرد واللعن “ان طرد سبينوزا من الطائفة اليهودية في أمستردام، في ال 27 يوليو من سنة 1656: “بقرار من الملائكة العِليّين وشهادة القديسين وبمباركة من يهوه وطائفتنا المقدسة، نطرُد، ننفِي، ننبذُ ونستنزل اللعنات على المدعو باروخ سبينوزا”[7]

وثيقة “الحِرم” الاقصاء المطلق التي نصها الاصلي “فليكن اسبينوزا ملعونا في النهار وملعونا في الليل و ملعونا في نومه وفي صحوه ..لا يغفر له الرب أبدا ليُمحى اسمه في هذا العالم وإلى الأبد وليرضى الرب بفصله عن جميع أسباط إسرائيل بأن يُــــــــنزِّل عليه كل اللعنات الواردة في الناموس الواردة في الناموس. وأنتم الذين بقيتم مرتبطين بالربّ إلهكم، ليحفظكم أحياء. اعلموا أنه يجب أن لا يكون لكم أية علاقة كتابية أو شفهية مع سبينوزا. لا تقدَّم له أية خدمة، ولا يقتربنّ منه أحد أقلّ من أربعة أذرع. ولا يبقى معه أحد تحت سقفٍ واحد، ولا تُقرأ أي من كتاباته”. .

دواعي الحرم والإقصاء كانت في باطنها اقتصادية وظاهرها توراتي تلمودي متأفف ، فالهولندي اليهودي المتمرد باروخ بشر بالمشاعية ونبذ الامبريالية الربوية وكره سلطة رجال الدين ومهّد لعلمانية راديكالية تفرمل جشع وطمع ورداءة رجال الدين وهم يتمترسون تحت قسوة مقولات الدين ليصلوا إلى سلطهم السياسية في أكثر الصور فسادا في لقاء السلطة بالمال وليس غريبا أن يُطلق اسمه المبارك على أكثر الاحياء رخاءا في تل آبيب باسرائيل ليعكس زواج الامبريالية بالصهيونية وكاتب عقد وموثق الزواج هو حاخام صهيوني ليبرالي مجهول.

محمد بصري كاتب جزائري

هوامــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــش

[1] باروخ بيندكتو اسبينوزا من مقال الروح والجسد من خلال كتاب “الاخلاق” بن سعدية سعاد جامعة مستغانم.

2- ادونيس السوريالية والصوفية الطبعة الساقي ص 13

3- أنظر منذر شباني سبينوزا واللاهوت منشورات الهيئة السورية 2009 ص 02

4- انظر جيل دولوز اسبينوزا فلسفة عملية ص 28 ترجمة عادل حدجامي دار توبقال للنشر.

5- المرجع السابق ص32

6- نفس المرجع ص12

7- بين اللعن كما ترجمه المهندس هشام الوكيلي مترجم مغربي من متحف اسبينوزا ببيته في امستردام

 

*باحث أكاديمي جزائري