المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

بحْثًا عن أدب السجون في الجزائر

 بشیر خلف

ھذا النوعُ من الأدب قلیلُ سواء في فترة استعمار الجزائر، وحتى في مرحلة الاستقلال إلى یوم الناس ھذا لأسباب عدیدة منھا:

ــ أنّ فرنسا الاستعماریة بالرّغم من زجّ عشرات آلاف الجزائریین في السّجون قبل الثورة، لــم تتمكّنْ من نزْع، وتغییب الھُوّیة العربیة الإسلامیة منھم، لكنھا نجحت في نشْرِ الأمیة بینھم، فغابت الكتابات الأدبیة، ومنھا أدبُ السّجون.

وبعد بروز الحركة الوطنیة عقِب الحرب العالمیة الثانیة، وتأسیس جمعیة العلماء في بدایة الثلاثینات من القرن العشرین، والعمل على نھضة الأمة الجزائریة، وتأسیس المدارس العربیة في كل ربوع الوطن، والاحتكاك بالمشرق العربي، وخاصة بتونس، وجامعھا المعمور.. جامع الزیتونة من خلال دراسة العشرات من الشباب الجزائري بھ، ورجوعھم بعد ذلك للتدریس بمدارس الجمعیة الذین رسّخوا ھویة الأمة الجزائریة، ونشْر الوعي بمفھوم الوطن الجزائري، والدفاع عنھ كباقي الأمم، مــــمّا تفطّنت لھ السلطات الاستعماریة، فاعتقلت أولئك المدرّسین قبل الثورة، وخلالھا، فعُذِبوا، وذاقوا ویْل الاعتقال من تعذیب،ٍ وتجویع،ٍ وإذلال،ٍ وحطٍّ من القیمة الإنسانیة، فسجّلوا معاناتھم” شعرًا، لأنّ الشعر كان أقربَ إلیھم، وھو دیوان العرب حینذاك، والشاعر مكانتھ أقرب إلى تجنید الناس للمقاومة، وبعْثِ الحماسة بینھم، وحفظ شعره لدى المتعلّمین.

فالسّرْدُ ابن المدینة، والاستقرار بھا، كما الاطلاع على الثقافات

الأخرى، ونتاجاتھا الفكریة، والأدبیة، والاحتكاك بھا عن طریق الاتصال، والتواصل، والتــثاقــف، وإتقان اللغات، وھذا كان محرومًا منھ الشعب

الجزائري عھد ذاك.

خلت المكتبة الجزائریة من السّرد لتلك المرحلة، لكن لا نعدم أسماء قلیلة: كأحمد رضا حوحو في كتُبھ القصصیة السّردیة: روایة “غادة أم القرى”، مع “حمار الحكیم” المقالات القصصیة الساخرة”، “صاحبة الوحي” (قصص)” نماذج بشریة” (مجموعة قصصیة)، أعمالٌ لم یتطرّقْ فیھا إلى السجْنیات، فاعتقالھ سنة 1956م ، وتنفیذ حكم الإعدام فیھ حالاً ما مكّنھ من الكتابة عن السّجْن.ِ

والكاتبة المعروفة زھور ونیسي من روّاد السّرد في الجزائر قصة ثمّ روایة، كلّ كتاباتھا كانت عن ظلم الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري، كما ثورة التحریر، والدفاع عن الجزائر، أغلب كتاباتھا صدرت بعد الاستقلال، ومن أشھر كُتُبھا في السنوات الأخیرة” كالیدونیا، أو النفي بدون رجعة” الصادر سنة 2018م الذي خصّصتھ لــ 400 جزائري الذین اتّـھمتــھم السلطات الاستعماریة الفرنسیة بتُھمٍ باطلةٍ كعادتھا،

ونفتھم إلى جزیرة كالدونیا الجدیدة منفیین بدون رجعة إلى بلدھم، لیشتغلوا عبیدا في أراضي المعمّرین الفرنسیین.

الكاتبة زھور ونیسي كتاباتھا لا تُعدّ” أدب سجون”، لأنھا لم تدخل السجن أثناء ثورة التحریر، حیث كانت في تونس، مثلُھا مثْلِ رائدي السّرْد بعد الاستقلال: عبد الحمید بن ھدوقة، الطاھر وطّار. ولا أحسبُ أنّ ھناك كتابات سجنیة من داخل السجون، والمعتقلات في الجزائر، أو عن زوّارھا بعد الاستقلال، لأنّ الفرد الجزائريَّ، ولو كان مثقّفًا ھیّابًا من الكتابة عن ذاتھ، فما بالك بالكتابة عن السّجْن؟