المجلة الثقافية الجزائرية

جزالةُ القراءة مفتاح الوصول إلى طبقات النصّ

محمد صابر عبيد

قراءةُ الشعر متعةٌ خالصةٌ

ينبغي فهم قراءة الشعر قبل كلّ شيء بوصفها متعةً فائقةً لا تدانيها متعة، فالشعرُ تاريخٌ وحضارةٌ وحياةٌ وإحساسٌ ولغةٌ وصورةٌ وأفقٌ وفضاءٌ وروحٌ وأملٌ وملاذٌ وخلاصٌ بلا حدود، وربّما لا يوجد من يحسن القراءة على وجه الأرض لا يمارس هذا النوع من النشاط الإنسانيّ الخلّاق على نحو أو آخر، ومثلما يتعدّد الشعر ويتنوّع؛ فَقُرّاءُ الشعر يتعدّدون ويتنوّعون، والقراءة نفسها تتعدّد وتتنوّع أيضاً، بحسب عوامل كثيرة ومتشعّبة لا حصر لها، منها ذاتيّة، ومنها موضوعيّة، ومنها نصيّة، ومنها ثقافيّة، ومنها بيئيّة، ومنها زمنيّة، ومنها مكانيّة، ومنها مزاجيّة، ومنها حاليّة.
يمكن أن تمتدّ هذه العوامل إلى مسارات أكثر وأوسع وأرحب وأعمق منذ أقدم قصيدة قيلت في التاريخ حتى الآن، ولدى مختلف الشعوب والحضارات والأمم، لننتهي إلى نتيجة مفادها أنْ لا غنى للإنسان عن الشعر من حيث المبدأ الطبيعيّ لحسّاسيّة الإنسان وحاجته الروحيّة والثقافيّة لكائن جميل لا بديل له يسمّونه (الشعر).
قدّمتْ لنا نظريات القراءة والتلقّي في العصر النقديّ الحديث آفاقاً جديدة لفهم هذه الفعّاليّة الحيويّة وإدراك أسرارها، فكانت القراءة قراءات، والقارئ قرّاء، وتحوّلت القراءة من فعل بسيط لتزجية الوقت والمتعة العابرة والاطلاع على ما لا يعرف القارئ من معلومات توفّرها له الكتب، إلى فعّاليّة ذات أصول نظريّة وتطبيقيّة إجرائيّة تندرج في سياق رؤية منهجيّة حديثة تتجاوز كثيراً المفهوم التقليديّ البسيط للقراءة، لذا اصطُلح عليها بـ(نظريّة) أو (نظريات)، وصارت الآن مرحلة مهمّة من مرحل تطوّر المناهج النقديّة الحديثة في العالم.
تعدّ النظريات والرؤيات والمناهج والمفاهيم والمصطلحات رافداً مركزيّاً بالغ الأهمية لتوطين القراءة في جغرافيا معرفيّة لا بدّ منها، لأنّ القراءة بمعزل عنها تكون انطباعيّة يمكن أن تنتج رؤية معيّنة للمقروء في حالة معيّنة ومزاج معيّن ومقصد معيّن، لكنّها لا يمكن أن تنتج معرفة نقديّة تتجاوز الحالة والمزاج والمقصد المحدّد لتنفتح على فضاء معرفيّ ثريّ وخصب، بحيث تتحوّل القراءة المستندة لظهير نظريّ ورؤيويّ ومنهجيّ بهذا المستوى إلى وسيلة معرفيّة أكيدة تتوغّل في أعماق الحراك المعرفيّ المُنتِج.
تخضع قراءة الشعر من حيث هي قراءة للشروط القرائيّة العامة التي أفرزتها النظريات والرؤيات والمناهج في تمثّلاتها النظريّة والإجرائيّة التي قدّمتها الثورة النقديّة المنهجيّة الحديثة، لكنّ الخصوصيّة الأجناسيّة لفنّ الشعر تفرض على فضاء القراءة خصوصيّات نابعة من طبيعة الجنس الأدبيّ وكيفيّته وطُرُز تشكّلاته ونظمه النوعيّة، وهو ما يفتح السبيل واسعاً لاكتشاف ممارسات قرائيّة تلائم الشعر وتستجيب لآفاق خطابه وعناصر تشكيله ومقاصد تواصليّته، وتنتمي إلى حسّاسيّة القارئ نفسه على صعيد الثقافة والفهم والمزاج والوعي والجوّ والقصديّة والتمثّل والمعرفة، فالنظريّة والرؤية والمنهج والمفهوم والمصطلح وكلّ ما يتعلّق بهذه المنظومة المعرفيّة الساندة والراصدة والفاعلة تحضر في منطقة القراءة بوصفها الأرضيّة السليمة الضروريّة لإنجاز فعل القراءة.

 

القارئ والنصّ والقراءة

لا يمكن أن تحصل القراءة على أفقها الأصيل من دون علاقة جدليّة أصيلة لا بدّ من حضورها في أعلى مستوى وأخطر قيمة بين قراءة الشعر وقارئ الشعر؛ ضمن المجال الثلاثيّ المشتبك بقوّة: (القارئ والنصّ والقراءة)، قراءة الشعر بوصفها نظريّة تقوم على أسس ومنطلقات رؤيويّة ومنهجيّة ومفهوميّة واصطلاحيّة، وقارئ الشعر بوصفه إنساناً له ذاتٌ قرائيّةٌ نابعةٌ من ثقافته ورؤيته وحسّاسيّته ومزاجه القرائيّ، وربّما يكون فحص هذه الجدليّة أمراً ليس هيّناً وينطوي على صعوبات جمّة، فضلاً عن النصّ الشعريّ نفسه بوصفه قاعدة المثلّث وأساس حركة الأطراف، وهو يتوسّط بين القارئ وفعل القراءة داخل ممارسة إجرائيّة فريدة.
توصف قراءة الشعر بأنّها من أكثر أنواع القراءات حاجةً للتأمّل والتدبّر والفحص والمعاينة والنظر المعمّق المستمرّ في لغة المقروء وفضائه وجغرافيته الكتابيّة وتمثّلاته ومرجعيّاته، لذا لا يمكن الاكتفاء بقراءة واحدة أو اثنتين للنصّ الشعريّ المتميّز، بل التوغّل القرائيّ الشاسع حتى بلوغ درجة الإشباع القرائيّ والاكتفاء الحسيّ الثريّ، وهو يشير إلى أدوات القراءة بالتوقّف عند حدّ معيّن لا يمكن بعده الاستمرار فقد وصل الفعل القرائيّ أوجه، واستطاع التوغّل بحسب قدرات القارئ وحاجاته القرائيّة إلى سقف القراءة الحاسم. فحين تنتقل قراءة الشعر من مستوى القراءة المُتَعيّة إلى القراءة النقديّة فإنّ ذلك يتطلّب جملة أدوات لا بدّ منها لذلك، ولعلّ من أبرزها (القصديّة النقديّة)، بمعنى أنّ القراءة استنفدت جانبها الإبهاريّ المنشغل بمتعة القراءة والإعجاب ودخلت في جانب معرفيّ نقديّ، لا يُلغي حالة الاستمتاع المستمرّة إنّما يطوّرها ويستثمرها من أجل ولوج طبقات أخرى في النصّ الشعريّ في سبيل مزيد من الكشف والاكتشاف.
يُنظر إلى الثقافة العامّة في حقول المعرفة الإنسانيّة الأساسيّة مثل علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة وغيرها من العلوم المجاورة على أنّها أداة جوهريّة في ممارسة سليمة لقراءة الشعر، فضلاً على الخبرة القرائيّة الخصبة والمتنوّعة في مجال المعرفة الأدبيّة عموماً، والشعريّة منها على نحو خاصّ، والمتابعة المستمرّة الأصيلة لكلّ ما يستجدّ من نصوص وظواهر ومعالجات ونظريات وابتكارات تتعلّق بالنصّ الشعريّ وما يحيط به، والاستناد إلى وعيٍ مثقّفٍ وعارفٍ بالمناهج النقديّة وآليّاتها وتقاناتها في قدرتها على مساعدة القراءة للوصول إلى أمثل وأغنى قراءة ممكنة، والإخلاص للنصّ إخلاصاً عشقيّاً خالياً من أيّة مصلحة يمكن أن تخلّ بشرط الانتماء والإيمان والصفاء والنقاء الّلازم لعافية القراءة وصحّتها المطلوبة، واستحضار أكبر طاقة ممكنة لتلمّس طراوة ماء اللغة الشعريّة والإحساس بوظيفتها في إنعاش حيوات النصّ الشعريّ وضمان تدفّقه وتوالده في حاضنة القراءة الراعية.

 

انفتاح اللغة السرديّة على نظام القراءة

تنفتح اللغة في النصوص السردية على نظام قرائيّ أكثر حريّة منها في النصوص الشعريّة، فلقراءة السرد ولاسيّما (الرواية والقصّة) خصوصيّة نابعة من طبيعة الجنس الأدبيّ وكيفيّته وحسّاسيّته ونظم صوغه وتاريخه وجغرافيته، فالنظام البصريّ للمخطوط السرديّ وهو يملأ السطر الكتابيّ من اليمين إلى اليسار بطريقة كاملة يختلف عن نظام السطر الشعريّ بأشكاله المتنوّعة، إذ لكلّ جنس أدبيّ جغرافية سواد كتابيّة تنتشر على أرض النصّ بكيفيّة خاصّة ومختلفة، وحين يحاول الشعر الاقتراب من هذا النظام السرديّ الكتابيّ يستعير هذه الطريقة ويملأ السطر بلغة الشعر لا لغة السرد، وهو ما يقرّب اللغتين (السرديّة والشعريّة) من بعضهما في ظلّ ما يُصطلح عليه بتداخل الأجناس الأدبيّة.
تكتسب اللغة السرديّة (الروائيّة والقصصيّة) طاقة تفاصيليّة وشارحة ومنفتحة على الحدث انفتاحاً مطلقاً، على الرغم من كلّ ما تنطوي عليه من إيحاء وترمزي وأسطرة ولعب لغويّ يتناسب مع منهجيّة النصّ وحداثته ومقاصده الفنيّة والجماليّة والثقافيّة، وهذه اللغة مرتبطة بعناصر السرد الأخرى المشكّلة للنصّ، ولاسيّما (الشخصيّة)، حين تكون اللغة أداة الشخصيّة الأولى للتعبير عن نفسها وحضورها داخل الحدث السرديّ، فضلاً عن قابليتها على احتواء عناصر السرد الأخرى كافّة بما يناسب كلّ عنصر شكلاً وطبيعةً ووظيفةً وإنتاجاً، لذا فهي أخطر عنصر ووسيلة وفعالية أدائيّة فيما يجب على قارئ السرد ملاحظته واستيعابه والتفاعل معه، وهي المحطة الأولى التي تنطلق من عتبتها المحطات الأخرى.
ينهض السرد الروائيّ والقصصيّ على شبكة عناصر لا بدّ من أن تنتبه القراءة إلى عضويّتها السرديّة في النصّ، ولا بدّ من إدراك أهمية وقيمة وحراك كل عنصر من عناصر السرد المختلفة وإخضاعها لقراءة تُعنى بتشكيلها الداخليّ، فثمّة تشكيليّة خاصّة داخل التشكيل السرديّ العام لكلّ عنصر من عناصر السرد، إذ من غير معاينة الفضاء التشكيليّ للشخصيّة لا يمكن الإحاطة بقيمة هذه الشخصيّة بوصفها عنصراً سرديّاً أصيلاً، وهو ما ينطبق على العناصر الأخرى وهي تتضامن وتتعاضد بقوّة من أجل الوصول بالتشكيل النصيّ العام إلى أمثل درجة ممكنة، على نحو يفرض على القراءة رصد وضعية كلّ عنصر سرديّ أولاً، ومن ثم فحص تطوّر العنصر داخل كيانه الخاص من جهة، وبمعية التفاعل والتلاحم مع بقية العناصر من جهة أخرى.

 

اللغة السرديّة مفتاح القراءة

تقدّم اللغة السرديّة لقارئها هي أوّل مفتاح من مفاتيح القراءة الروائيّة والقصصيّة، فهي الجسر الأوّل الذي يوصل القراءة إلى حرارة السرد وتدفّقه وحيويّته وألقه، ومن غير هذه الأداة الساحرة القادرة على جذب فعّاليّات القراءة فإنّ القراءة تبدأ مسارها في الاتجاه الخاطئ وتكفّ فوراً عن الإنتاج الصحيح، وتتميّز لغة السرد بمرونة حكائيّة وفصاحة قصصيّة واضحة وبارزة وحاضرة وداعية مغوية، تدهش القارئ منذ أوّل دخوله عالمها وتسحبه إلى جوّها، وتحفّزه على الارتباط بها والخوض في مياهها العذبة المغرية.
تحتشد الفصاحة والقوّة والوضوح والتكامل والاقتصاد المُغني والدقّة الإبداعيّة الآسرة هنا في سياق واحد، فكلّها علامات لا بدّ من حضورها كي يتحقّق السلام القرائيّ وطمأنينة التلقّي على النحو الأمثل، ويكون بوسع القارئ أن يمضي بحيوية ورحابة وثقة في طبقات النصّ السرديّ والكشف عن مجاهيله، والتمتّع بفكّ ألغازه وتحرير غموضه وفتح مكامنه تحت شمس القراءة الساطعة، واللعب الحرّ معه، والمضي قُدُماً في مسيرة البحث والاكتشاف والتحليل والتأويل بمتعة قرائيّة فذّة لا بديل لها لأنّها خاصّة بكلّ نصّ ولا تتكرّر مع نصّ آخر، وهذه القراءة وحدها هي الكفيلة بتشكيل العلاقة الحبيّة المطلوبة بين القارئ والمقروء.
أمّا الصنعة السرديّة فهي واللغة السرديّة في تلازم وتعاضد وتفاعل مستمرّ من البداية حتى النهاية، ولا يمكن لإحداهما أن تعمل بمعزل عن الأخرى مطلقاً، ولا بدّ للقراءة أن تُعنى أولاً بفحص اللغة السردية والكشف عن حسّاسيّتها الأسلوبيّة حتى تنطلق نحو إدراك ستراتيجيّة الصنعة هذه، ودورها في بناء صحيح ومتكامل تسهم اللغة في إغنائه وإثرائه بوصفها الأداة الأبرز الأكثر ارتباطاً بفاعليّة القراءة، إذ من دون لغة سرديّة ذات طبيعة شعريّة خاصّة لا يمكن للقراءة أن تمضي باتجاه التفاعل مع المقروء على النحو الأمثل، ومن ثمّ تستعدّ للكشف والاكتشاف من داخل حسّاسيّة الصنعة السرديّة وهي تكمن بدرجة رئيسة في جوهر الحبكة، فالحبكة هي أساس الصنعة ومولّد حركيتها، وهي دائمة الحضور حتى في سرديّات ما بعد الحداثة التي تشتغل أساساً على تفكيك فضاء الحبكة.
يمكن معاينة اللغة السرديّة بوصفها الجسر القرائيّ الأوّل في النصّ القصصيّ والروائيّ، أمّا الجسر الثاني فهو كفاءة الصنعة وجدارتها وخصبها وحيويّتها وقدرتها على صنع الدهشة القرائيّة، ومن ثمّ يأتي الموضوع السرديّ بمرجعيته الثقافيّة والرؤيويّة والفكريّة العامة، وهو يتجلّى في حركة عناصر التشكيل السرديّ ويخضع لطاقة اللغة التعبيريّة، ويحتاج إلى تحليل رؤيويّ في سياق تشكّل العناصر داخل مجال اللغة والصنعة، فثّمة تفاعل اندماجيّ لا يمكن فصله بين (الموضوع واللغة والصنعة) في بناء النصّ السرديّ، إذ على الرغم من علاقة الموضوع السرديّ بالمرجع الواقعيّ في صيغة أو أخرى، غير أنّ هذه الصلة المرجعيّة تتلاشى حين يدخل الموضوع فضاء التخييل السرديّ ويكفّ عن صلته القديمة بالمرجع الواقعيّ، وهو داخل النصّ السرديّ يشتغل في فضاء متخيّل لا علاقة له إجرائيّاً بمرجعه.
تتكامل هذه المستويات كلّها ضمن دائرة سرديّة تعمل بأعلى درجات كفاءتها من أجل بلوغ النصّ السرديّ أرفع درجة إنتاجيّة ممكنة، على النحو الذي يحقّق متعة القراءة حين تنفتح على طاقة خلّاقة تكون فيها جزءاً لا يتجزّأ من الممارسة القرائيّة في أوج عطائها وحيويّتها ورحابتها، ولا تكتفي بإنتاجيّة قرائيّة جزئيّة في شكل معيّن من أشكالها بل تمضي إلى أبعد مساحة إنتاجيّة معرفيّة تتوفّر على المتعة والفائدة معاً.

*من صفحة الكاتب على الفيسبوك