حاتم السروي
هانز كريستيان أندرسون…
ربما لا يعرف كثيرون أن حكايات الأطفال الشهيرة التي سمعناها ونحن صغار أو حكيناها لأطفالنا ونحن كبار إنما هي من وحي خياله، فهو ساحرٌ مبدع، ومن أعماله استُلهِمَ العديد من الأعمال الفنية، أفلام ومسرحيات وسيمفونيات؛ بل ورقصات الباليه، وهو دون منازع أحد أهم كُتَّاب الأطفال حتى الآن؛ رغم أنه ولد في الثاني من أبريل لعام 1805م، وتوفي في عام 1875 بعد أن ظل يكتب للأطفال 55 عامًا دون انقطاع، وهو رقم قياسي يدل على ريادته لهذا الفن، كما يدل على عبقريته أيضًا.
وثمة أمر يتفق عليه كل من قرأ قصص هانز كريستيان؛ إنه المرح والثقة والسعادة التي تمنحها تلك الحكايات المصاغة بعناية، والتي تعكس جمال شخصية مؤلفها، لم لا؟ وقد قيل عنه إن حياته نفسها كانت أشبه بحكاية جميلة، وقد كان هو نفسه – فيما بلغنا عنه- سعيدًا راضيًا دائم البِشر والابتسامة، فلذلك خرجت أعماله مثله، وقد حظيت هذه الأعمال باهتمامٍ كبير في أوروبا والولايات المتحدة، واستعان بها رواد السينما حيث حولوها إلى سيناريوهات أفلام للصغار وللكبار أيضًا..
وقد يستغرب البعض أن السعادة التي تطل علينا من حكايات “أندرسون” والتي كانت انعكاسًا لروحه المرحة وطبعه اللطيف، إنما هي نتاج حياة فيها غير قليل من المآسي؛ فقد نشأ “هانز” في أسرة فقيرة، وكان والده يعمل إسكافيًا يمضي يومه كله في صناعة وإصلاح الأحذية، أما الأم فكانت ربة منزل لا تعرف من الحياة إلا أعمال الطهي والتنظيف، والحق أن الفارق بين الأم والأب كان كبيرًا؛ فالأب كان إسكافيًا مثقفًا! يتميز بالخيال والطموح مع الجَلَد والصبر الشديد، وكان أهل مدينته كلهم يحبونه، وإلى هذا كله كان يجيد حكي القصص الخيالية والأساطير؛ بينما كانت الأم عصبية جدًا ومتبرمة بكل شيء، وكان “هانز” هو الطفل الوحيد لأبَوَيْه، ويمكن القول إن الأب كان له الدور الملموس والإيجابي والتأثير النافع على ولده الصغير “هانز” الذي استطاع أن ينمي فيه حب الحكايات، ليكتشف بنفسه موهبته فيما بعد، ويعرف أنه يعيش ليحكي.
ورغم الروح المرحة التي وسمت حياة “أندرسون” وكل أعماله؛ إلا أنه في طفولته عانى معاناةً كبيرة، فبسبب تأثير الأم أصبح الطفل “هانز” عصبيًا وتعيسًا، وحين ذهب إلى مدرسته الابتدائية في مدينة “أونسن” أضيف إلى رصيده من العذاب مصدرًا آخر تمثل في المدرسة نفسها، ولهذا كان يفر منها ويشرد بين الحقول والغابات، ويغيب عن الدنيا في أحلامه وهو على ضفاف النهر، وربما وافاه الحظ بمنشد للحكايات والأساطير فاستمع إليه منصتًا ومستمتعًا.
لقد كان الطفل “هانز” يكره المدرسة ومعلميها، والتلاميذ أيضًا لم يكن يحبهم، وكان الجميع بدورهم يكرهونه! وتمثل السبب في الكآبة التي غلفت وجهه فألقت عليه بظلال من الدَّمَامة.. ثم توفي والده الذي كان مصدر الحنان بالنسبة له وينبوع الخيال الدافق وشجرة الأحلام الجميلة، وأصبح الطفل وحيدًا يتيمًا، فلا أصدقاء ولا أب، لهذا دخل في علاقة صداقة جديدة وفريدة من نوعها؛ إذ كان يصنع من قطع القماش الباليَة “دُمَى” أو عرائس بلهجتنا العامية، ويتخيل أن فيها الروح وأنها تكلمه، فيتخذ منها صديقات وأصدقاء!
تملك “هانز” في هذا الوقت تصور جميل بأنه كوَّن فرقة مسرحية أبطالها تلك العرائس، وجعل يقضي الكثير من الوقت مع هذه الفرقة يمثل ويرقص ويغني ويروي لها الحكيات التي سمعها من أبيه الراحل، وتسامع الناس بهذه الأخبار عن الطفل المتوحد مع نفسه، واتهموه بأنه يخاطب الأرواح بالليل، وأنه ورث عن جده وأفراد عائلته “الجنون”!
أما أمه العصبية رغم هذه الهستيريا التي عانت منها وعاني منها طفلها ” إلا أنها أحبت هانز” جدًا، ولكن ماذا تفعل وهي فقط ربة منزل وليس لها عائل بعد وفاة والد “أندرسون” وبالطبع لم تجد أمامها إلا الزواج، وهنا وقعت الواقعة..
كان زوج أم “هانز” رجلًا فظًا غليظ القلب، ولم يرحم الطفل الصغير أبدًا، ولم يتفهم موهبته.. وهكذا رأى الطفل الحياة أمامه بلون أسود حالك وكاد يهلك من الغم؛ على أن القدر هيأ له سفرًا إلى “كوبنهاجن” عاصمة الدنمارك، وهناك رأت عينه “دنيا” عريضة تختلف تمامًا عما كان في مدينته الصغيرة، فالأضواء المبهرة تملأ المدينة وتحيل الليل إلى نهار مشرق، والناس تغني وتمرح، والسعادة تتوفر أسبابها؛ لكن لا يمكن ممارسة أي متعة إلا بالمال.. بدون المال لا يمكنك فعل شيء في “كوبنهاجن”..
وفي “كوبنهاجن” سأل عن منزل “الباليرينا” ملكة المسرح، فدله بعض الناس عليه، وكان منزلها مفتوحًا لزائريها الكُثُر، وأصبح كل مراد “أندرسون” أن يهديها رقصة باليه من تأليفه، وقد أعد أغانيها وأخرج حكاياتها، وأتقن كل شيء حتى تليق بمن لقبوها بـ “ملكة المسرح” وحين رأته “الملكة” أتاها للوهلة الأولى انطباع غير حميد، فقد رأت فيه الشاب الريفي الساذج، ثم زاد الانطباع لديها حين رأته بدون مقدمات يغني ويرقص ويروي لها أسطورة غير مفهومة بالمرة! كان المشهد كوميديًا بامتياز، والمضحك أكثر أنه بعد أن انتهى من الغناء والرقص التفت إليها ليعرف رأيها فوجدها قد أغمي عليها من الخوف، فلم يجد أمامه إلا أن يجري!
ولم يعرف “أندرسون” راحة اليأس، لم يكن أمامه من خيار إلا الإصرار، فذهب إلى بيوت الفنانين عارضًا إنتاجه عليهم، ودخل مكاتب رجال المسرح، والأدباء، وكان الانطباع لدى كلٍ منهم في كل مرة هو نفس الانطباع الذي جعل الباليرينا أو ملكة المسرح تستغرب وتندهش من هذا الكائن الغريب الهابط من الأرياف.. وأخيرًا جاءت الفرصة للفتى المسكين الذي تعب من الركض وراء الفنانين في عاصمة الدنمارك.. أجل، فلقد شاهده مدير المسرح الملكي واكتشف أنه ليس صاحب موهبة أبدًا.. بل هو صاحب مواهب…
وابتسم الزمان لهانز كريستيان، وأصبح صديقًا لمدير المسرح الملكي شخصيًا، وأخذ يتعلم منه الفن وأصول المسرح، ثم شرع في كتابة المزيد من القصص والحكايات.. ثم جاءت فرصة أكبر للفتى المسكين الذي لن يصبح مسكينًا بعد اليوم..
فلقد أراد مدير المسرح الملكي أن يُسَلِّي الملك، فحكى له قصة الشاب الريفي ومواهبه المتعددة، فاستحضره الملك وأمر بإلحاقه بمدرسة محترمة ليتعلم تعليم أولاد الأثرياء، ودخل هانز المدرسة، وفيها أمضى ثلاثة أعوام، وكتب روايتين وهو طالب في هذه المدرسة النموذجية، ثم طلب تقديمهما على المسرح الملكي..
لكن ومع الأسف، بدلًا من أن يرضى الملك، غضب وثار وهدد وتوعد، وطلب إلقاء الروايتين في القمامة! حيث رأى فيهما نوعًا من الهرطقة – من وجهة نظره- واضطر “أندرسون” إلى الفرار، وعاد إلى مدينته الإقليمية التي يعمل سكانها في الزراعة والحرف اليدوية، واضطر إلى العمل حتى لا يموت جوعًا، وأيضًا ليدَّخِر بعض المال حتى يعود إلى العاصمة، فقد كان حلمه لا يزال مستوليًا عليه، وفي مدينته الوادعة كتب أربع قصص وأرسلها إلى إحدى دور النشر، ولم يكن ينتظر المقابل، كان يكتب ليشبع هوايته والسلام، لكن دار النشر كانت سخية على غير ما توقع، ومنحته مقابلًا كبيرًا أكثر بكثير مما تصوره، بل وطلبت منه المزيد من الحكايات.
وراجت قصص “هانز كريستيان أندرسون” وذاعت شهرته، وأقبل أبناء الطبقات الراقية على قراءة قصصه، وطالب أبناء الأمراء بالمزيد من القصص، وكانت قصصًا في منتهى الروعة والجمال.. قصص مريحة تنشر البِشر والنور والإيمان بالحياة والناس، رغم كل شيء، رغم السخافات والحزن والصراعات..لقد كان هانز كريستيان جراحًا يفتح قلوب الأطفال ليزرع فيها الإنسانية وليفتح لها الطريق إلى السماء..
هانز كريستيان أبدع في قصص الأطفال لأنه كان طفلًا كبيرًا.. كل شيء فيه – كما نرى- ينم عن ذلك؛ مرحه وبراءته، خياله الواسع، حبه للأزهار وجريه وراء الفراشات، حبه للحيوانات، وصداقته للدُّمى والعرائس التي تصورها كائنات حية وارتبط معها بعلاقة ود وصداقة، أحلامه المخلصة في حياة تليق بالإنسان، وتفاؤله الذي جعله يكتب ويبدع في أحلك الظروف، لم يعرف واقعية الكبار التي تلقي بهم أحيانًا إلى التشاؤم، كان متفائلًا منطلقًا وحالمًا طول الوقت، وإلى كل هذا كان يوقن أن العدل يمكن أن يتحقق.
وهكذا عاش “أندرسون” في عالمه السحري، وقدم لنا وجهًا آخر للحياة، فالحياة فيها جانب آخر غير الواقعية والحسابات والعبث والكآبة والدمامة، فيها الحلم والحب والروح، فيها البراءة، وفيها قيم الريف التي جعلته يعود في النهاية إلى بلدته، ونهرها الذي يلحن كل يوم موسيقى عذبة دافئة، وهناك استقبله “ناسُه” بالفرح وأضاءوا الأنوار، وعاش أندرسون بقية حياته في سعادة، وحين ماتت عاش معنا في قصصه، وبقيت حكاياته زادًا للطفولة وبلسمًا للقلوب.





