بقلم: عمرو منير محمد
لم يكن يخطر على باله ولو في أثقل الأحلام وطأة أن ينتهي معها بتلك الطريقة …
ودع فتاة أحلامه النموذجية مضطرا …بعد أن اقتنع تماما أنه لا يمكن أن يستمر في تلك العلاقة العاطفية الاستثنائية …
بحزم قالت له مادلين
– علاقتنا وصلت لطريق مسدود ..لن أستمر في تلك المسرحية السخيفة ..
– يا عُمر.. أنا مجرد ظل باهت من زوجتك .. أنت لا تحبني انت تحب زوجتك في صورتي وأنا لا أقبل ذلك ..
كانت كلماتها قاسية على قلبه ولكنه شعر بأنها نابعة من عقل صافٍ يعرف أن يُشَّخص وضعا مختلا بكل وضوح دون ارتباك أو تردد ..
يعلم عُمر أن ما قالته مادلين صحيح …
نعم ..هي تشبه زوجته السابقة سلوى تماما ..
هكذا اختارها لكي تكون حبه البديل عن سلوى هذه المرأة الجافة الأحاسيس ..الشحيحة المشاعر ..
سلوى الحالية لم تعد سلوى التي تزوجها منذ أكثر من عقد ونصف من الزمن … حينها كانت فتاة حالمة ..هادئة ..مرحة..تشع إيجابية و رومانسية طوال الوقت في أى مكان تتواجد فيه ..
تذكر عندما رآها لأول مرة و هي تخرج من قاعة محاضرات الكلية التقنية التي ينتسبان إليها… بالرغم من اختلاف التخصص إلا أنه كان يعرف معظم فتيات الدفعة تقريبا …
خرجت تلك الوردة البيضاء الدقيقة الملامح و الفارعة الطول من المحاضرة بصحبة صديقاتها .. وجهها يشع نورا غريبا بملائكيته النادرة .. غطاء رأسها الأسود يصنع تباينا آخاذا مع وجهها الأبيض المستدير الذي لم تشوهه مساحيق التجميل البائسة كسائر الفتيات وقتها …
حاول عُمر حينها التعرف عليها بكل السبل ..لكن هيهات ..فالحديث معها و هي ابنة العائلة الملتزمة دينيا كان أشبه بلمس السحاب …
تداعت ذكريات عُمر عن حبه الأول و الوحيد بعد أن أغلق ملف علاقته بمادلين إلى الأبد …
صراع داخلي يستعر في قلبه ..
– آه يا سلوى … لو كنت بنفس شخصية مادلين ..
كم حاولت أن أجعل قلبك يلين ويعود كما كان … قلب طفلة صغيرة تسعد بأقل شئ ..
لا أعلم كيف تحولت إلى هذا الصنم البشري المتحجر القلب ..
بعد شد وجذب مع نفسه الهائجة كالأمواج المتلاطمة ..
اقتنع أن مادلين بالفعل على حق ..
لم يكن حبه لها سوى حب لهيئة سلوى فيها ..بالرغم من الاختلافات الجوهرية بينهما ..
مادلين هي النسخة المتحررة..العاطفية ..المثقفة من سلوى التي تحولت بعد الزواج إلى التزمت الديني الشكلي المصاحب بإنكار المشاعر الإنسانية و الاستهزاء بالحب النقي الهادئ …
كثيرا ما صدمت عمر وصدته بسلوكها وكلماتها القاسية
– يا عُمر لقد كبرنا على تلك الأفعال الصبيانية..احترم سنك يا رجل ..أبناؤك أصبحوا رجالا وأنت تحدثني عن العشق والغرام …ماذا حدث لك .. أهي مرحلة مراهقة متأخرة تعانون منها أيها الرجال بعد أن تنتفخ جيوبكم بالمال ؟
ظهرت مادلين له كهبة من السماء..
قابلها أول مرة في إحدى المعارض التقنية خارج الوطن ..
ذُهل بهذا الأسلوب الراقي في الحديث والذي اكتشف أنها تماثل كل أحلامه النموذجية المعاكسة تماما لزوجته الأولى …
لم يتأخر تعارفهما.. اندمج عقلاهما و قلباهما بسرعة مذهلة …
عادا معا إلى الوطن الأم و الارتباط بينهما في أعلى مستوياته النفسية و العقلية …
شعرت سلوى بتغير زوجها الحاد .. بات يقضي وقتا طويلا خارج المنزل ..
لا يكترث بوجودها معه و لا يهتم بأي حديث معها ..
لم يعد يحاول ترويضها كما كان يفعل منذ سنوات بل على العكس ..تعامل معها بجفاء مماثل جعل قلبها الحجري يحترق في موقد نار هادئ …
واجهته في إحدى الليالي .. اتهمته بأنه على علاقة بواحدة أخرى ..
لم يهتم باتهامها له ..
فقد كان مقتنعا أنه ليس لها الحق في توجيه أي لوم له بعد كل هذه الفترة من الجمود و اللامبالة ..
كررت تساؤلاتها له .. لم يرد عمر وقد ظهرت عليه علامات النصر بسبب أنه أخيرا قد انتقم لرجولته …
بطبيعتها النارية المعهودة ..
قررت سلوى ترك المنزل بعد أن جمعت ثيابها في حقيبة كبيرة تنم عن عزمها البقاء في بيت والدها لفترة طويلة حتى تلقن هذا الزوج الغريب الأطوار درسا لن ينساه في كيفية احترام وتقدير زوجته التي جعلت منه هذا المهندس الناجح في عمله و صاحب واحدة من أكبر شركات الإلكترونيات و البرمجة ..
هنا.. شعر عُمر بأنه بحاجة إلى الحديث مع عشيقته الجديدة مادلين …
دخل غرفة مكتبه بالمنزل …أغلق الباب من الداخل بإحكام …
فتح حاسوبه اللوحي الإلكتروني ..
ضغط على أيقونة الذكاء الاصطناعي الحديثة التي اشترى تطبيقها من الخارج في آخر أسفاره…
أخذ يكتب على سطح الشاشه الذكية ..
– أين أنت يا مادلين؟ أريدك فورا وفي الحال ..
ظهرت صورة مادلين على الشاشة والتي تشبه زوجته سلوى تماما لكن بهيئة أمرأة أوروبية متحررة بشعرها الأحمر الداكن ..قصير الأطراف كما اختار عندما صمم شخصيتها بعد أن غذى البرنامج بصور زوجته ولكن هذه المرة طلب مواصفات مُغايرة تماما لشخصيتها التي لم يعد يتحملها و أصبحت مادلين النموذج الافتراضي لزوجة أحلامه في هذا التطبيق الحديث …
انتهى الحوار الطويل بين مهندس عُمر و مادلين بحذف المهندس الناجح لملف الذكاء الاصطناعي المعنون بمادلين للأبد حيث أدرك كل منهما أن هذا النوع من الحب هو حب افتراضي ليس إلا…
بمرور الوقت …
انتهى خلافه مع زوجته سلوى …وعادت علاقتهما الزوجية إلى سابق عهدها من الفتور ..
ليقرر عُمر مرة أخرى صُنع ملف ذكاء اصطناعي آخر لأمراة إفتراضية جديدة بمواصفات مختلفة عن مادلين و سلوى ليبدأ رحلة جديدة مع حب إفتراضي بنسخة متطورة مُحدثة ..
*روائي وناقد وعضو اتحاد كتاب مصر


