المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

“حدائق شائكة” في إرم ذات العماد، لصبحي فحماوي

عبد المجيد صديقي 

تحتفي رواية” حدائق شائكة”، للروائي العربي الكبير” صبحي فحماوي”، بشعرية المنفى والتهجير والاضطهاد وإثبات الذات، والحق في العودة والحلم بغد أفضل، بل وبالسير نحوه. فتزهر، روائيا، شتلاتها ونباتاتها التي تزين حدائق وواجهات وفضاءات الفنادق والأبناك والفلات وملتقيات طرق مدينة” إرم ذات العماد” الواقعة على طريق الحرير/ التحرير الجديد. وهي مدينة مهنية مصطنعة ـ غرستها مخيلة السارد طبعا ـ فوق رمال الصحراء العربية الكبرى لتعرض حالة مهندس حدائق فلسطيني مهجر، يدعى” جبريل عرسال”، تم ترحيله ضمن من تم ترحيلهم من الفلسطينيين تعذيبا وتنكيلا وتقتيلا، إلى المنطقة الصحراوية الشرقية لـ”إرم ذات العماد”. ورغبة منه، يقول السارد، في تحقيق” مستوى معيشي يحفظ كرامة أهلي القاعدين في انتظار العودة إلى فلسطين”()، قرر ركوب مغامرة إنشاء مشروع مؤسسة متخصصة في هندسة الحدائق في مدينة” إرم ذات العماد”. وإذا كان ـ أي السارد ـ وهو يصف كيف بنيت” إرم ذات العماد”، قد حاول إيهام القارئ بواقعية ما يسرد، فقد وسمها، كما هو الحال في واقعنا المعيش، بـ”تعيين الانتهازيين من مهجريها ليعيشوا حضارة مدنية راح الناس يصنعونها بأنفسهم فوق هذه الرمال العبقة بالتاريخ المجهول، وأما فقراؤهم، فراحوا يتناثرون على طريق الحرير، ويتجمعون في مخيمات كثيرة، في متاهات الصحاري البعيدة.. ولكن بعضهم راح يتجه للانتقام، وذلك بمقاومة نوعية تدمي أعين المحتلين”().

غير أن طموح السارد إلى طرح” فكرة الأرض” وروايتها من خلال إثارة العلاقة الحميمة التي تربطها بفكرة الوطن، وعرضها أمام القارئ وفق أصالة ارتباطه ـ أي السارد ـ بـ”فكرة الطبيعة”، بالنظر إلى أن عظمة الوطن تعد نوعا من الامتداد الطبيعي للحيوية المنسوبة إلى الأرض، وعبر قناعته بأهمية أن نجهر بهذا التواشج السببي، والعميق عندنا، القائم على” أرض جميلة ـ وطن عظيم”(). فالغوص في دوامة العلاقات الفاسدة والأنوثة والحب والجمال والشهوات الفائرة في العالم الجديد لمدينة” إرم ذات العماد” لا تبني، بالنسبة للسارد وهو المهجر عن أرضه والغريب فيها معا، وطنا. إن هدفه هو العودة إلى أرض فلسطين، ومن أجل ذلك قرر منذ البداية، يقول:” التركيز على القرشين، اللذين لا أريد أن أضيعهما على دروب النساء.. فالناس مهاجرة هجرة بعد هجرة، تتابعت الهجرات والغربة واحدة. ومن يملك قرشا، يساوي قرشا، ومن لا يملك، لا يساوي شيئا). هكذا قال لي أبي قبل أن يتوفى على شتات الهجرة”().

صدرت رواية” حدائق شائكة” عن دار الأهلية للنشر في 177 صفحة من الحجم المتوسط، يتزين غلافها الخارجي بلوحة تشكيلية من تصميم الفنان ـ المؤلف صبحي فحماوي، وتعرض أمام مشاهدها نبتة شوكية، تنبثق منها زهرة ذات أربع ورقات بنفسجية اللون، تجتمع عند” تويج” تعلوه” سداة” تتألف من” متك” تتفاوت ألوان قرونه بين الأحمر الغامق والأصفر الفاتح، ومن” كربلة” صفراء اللون تتوسط مركز الزهرة. كما تحلق فوقها نحلة تنتأ نقطتان حمراوتان دقيقتان أسفل مخلبيها، قد تكونان معا حبتا لقاح أو قطرتا دم. وإذا كانت هذه الزهرة الشوكية تبدو، في اعتقادي، استعارة من المؤلف لـ” زهرة المدائن”/ القدس الشريف ومن خلاله أرض فلسطين المطوقة احتلالا، فالواضح، في سياقنا هذا، أن هذه النحلة ستصير أسراب طائرات مسيرة و”درونات” وكوابيس”()، تنطلق من شمال فلسطين المحتلة ومن جنوبها معا، لتتساقط نيرانا على العدو المحتل، وتتبرعم أزهارا فواحة العطر تزكي المقاومة وتنير طريق التحرير.

تتوزع أحداث الرواية على سبعة عشر فصلا معنونا، تنطوي على موضوعات/ تيمات مكانية ( إرم ذات العماد ـ هونج كونغ ـ فندق مارشال ـ فندق مالتوس ـ حديقة بيت الرئيس)، وآدمية ( رمزية العلي ـ حلمي باشا الملاح ـ كريستين مارتن ـ عبد الودود ـ فارس الغبيري ـ المنهدس سليم عفانة ـ جريس زعرور ـ رجب الصافي ـ رئيس مجلس اللوردات)، إضافة إلى فصل يحمل اسم مؤسسة ( بنك الرخاء الكبير)، وآخر، يشير إلى لحظة حميمة، اختتم به الرواية وعنونه بـ( اجتماع مع امرأتي). فضلا عن عتبات ثلاث استهل بها الرواية، وإهداء خص به” الأشجار التي تتساقط أوراقها الخريفية دنانيرا ذهبية تفر من البنان”.

إنها عناوين فصول بقدر ما تعكس، في اعتقادي، طبيعة التشتت والتفكك والتشظي التي تسم الواقع المعيش، بقدر ما يربط بين أحداثها سارد بضمير الغائب سرعان ما يسلم السرد لـ”جبريل عرسال” ليسرد بضمير المتكلم، فيفرد جل المقاطع السردية الأخيرة من الفصول لإطلاع القارئ على ما يطالعه من أخبار ومعلومات على شاشة جهازه الخلوي، من خلال وضع علامات مطبعية تفصلها عن ما سبقها من مقاطع سردية، في إشارة منه إلى الدور الفعال الذي باتت التدفقات الإعلامية الدولية تنجزه في تماسك الدول أو في تفسخها، بقدر ما يطرح ، تبعا لذلك، أمام القارئ، رحابة التكامل الذي تم بين كل من شبكات الاتصال العالمية وشبكات الإعلام الدولية في عمليات النقل الآني والبث المباشر للأحداث. ففي ظل انفتاح سكان الكرة الأرضية على” مدينة الشبكات المعلوماتية” وعلى فضاء العالم الافتراضي الموازي الذي أحدثته الثورة التكنولوجية الجديدة، حيث صارت الأفضية عبر شبكة الاتصالات العالمية/ الإنترنت تتخذ شكلا جديدا مغايرا للفضاءات الجغرافية المألوفة بأبعادها الثلاثة، وغدا ـ أي الإنترنت الذي أنهى الحدود الجغرافية وساهم في انهيار المسافة بين الأمكنة على الرقعة الجغرافية للأرض ـ بات يمنح السواد الأعظم من الناس فسحة شاسعة للتفاعل والتنافس، مثلما صار يستلزم منا، أكثر من أي وقت مضى، استثماره ومواكبته وتطوير خرائط جديدة له.

والحالة هذه، وفق ما يبدو، أمام سارد ذي رؤية (ستيغانوغرافية) مسكونة بزرع الروائع وإخفائها معا.فـ(الستيغانوغرافيا) ـ حسب ما يوضح بيروالد ـ هي فن العرض الساذج لما يكون تصوره ميسورا ويخفي، مع ذلك، تحت ملامح مظهره المكثفة، موضوعات مختلفة تماما عما يبدو مقترحا، كما يمارس في الرسم حين يجري إبراز منظر أو مظهر أو صورة أخرى تخفي مع ذلك تحتها وجها آخر يميزه المرء حين ينظر من مكان ما حدده المعلم. وهي تمارس أيضا كتابة حين يطيل الناس الكلام بصورة واسعة على موضوعات مستساغة تتضمن بعض الرهافات الأخرى التي لا تتم معرفتها إلا حين تتم القراءة من المكان السري الذي يكشف الروائع الخفية ذات المظهر الشائع”().

ولأجل ذلك، فقد بدا لي أن محاولة استبطان بعض من هذه العوالم/ الروائع الخفية في رواية” حدائق شائكة”، وملامسة” رابطها السري” الذي تتشكل وفقه متوالية أحداثها وتتحرك في فضائه شخصياتها، يضعنا أمام فكرة” إرادة تمتع” السارد المعنى من حب هندسة الحدائق ومن الفرح والانتشاء والاعتناء بإنجاز كل تفاصيلها، في مراحل نمو براعمها الشبيه بفرحه بنمو أطفاله أمامه، مقابل كرهه لها إذا كانت حدائق شائكة. يقول السارد:” أجدني أحب هندسة الحدائق.. وأستمتع بتصميمها وتنسيقها.. وزراعتها ورعايتها كرعاية أطفالي، وأفرح بنموها كما كنت أتخيلها.. ولكنني أكره كونها حدائق شائكة().

ولأنه كذلك، فهو لا يكتفي بمنح القارئ قشعريرة معنى الإحساس بالمكان إلى إحساس جسدي، بل يبدع نقل شعوره المركب والنابع من” الدم والأرض”، ليس عبر وصفه” في صور مجازية جسدية، من الوطن الأب أو الوطن الأ”م أو يمنحه شخصية، ولكن لينقل معه” المأساة الوحيدة”، مأساة الإنسان المهجر والمرحل والمنفي، في عصر المدن الرأسمالية المتوحشة، وتجسيد فكرة العودة إلى جنان أرضه وفردوسها وحدائقها الغناء. وعليه، فكيف يكتب السارد، العليم بكل شيء، فكرته الرئيسة ويجسد رؤيته لها بصورة خالصة في فن هندسة الحدائق؟، وما الرابط السري بين كابوسها وفردوسها الذي يخفيه ـ السارد ـ بين رسومات ومخططات وتصاميم سيناريو حدثها السري والرهيب معا؟.

السارد وفكرة العودة:

تطالعنا رواية” حدائق شائكة” والسارد يستنبت، مدينة” إرم ذات العماد”، على طريق الحرير الجديد الذي يعبر رمال الصحراء العربية الكبرى نحو غزة الأبية، بعدما” تراكمت الجيوش المعتدية والمتعادية في مضيق هرمز، وذلك تناغما مع تصادم أخرى مثلها عند باب المندب، قبالة عدن، فأغلقت المضيقين.. وتعقدت الأمور، لدرجة استحال معها مرور السفن بمختلف حمولاتها من وإلى البحر الأحمر، فصارت مضطرة – لرجاء- رأس الرجاء الصالح، كي تمر من – جنوب – الجنوب”().

فيعرضها، أي “إرم ذات العماد” بصفتها نموذجا لمدن عالم هجين، عالم تنتصر فيه الرأسمالية في توجيه المجتمعات نحو اقتصاد السوق، وتتفنن في التسلط على هويات وانتماءات وأصول أهلها الجغرافية والتاريخية والثقافية، مثلما تقضم أوطانهم وتضطهدهم بالتقتيل والتهجير والترحيل والسلب والنهب والتدجين، وبشتى أشكال حكمها المتوحشة. ولأنها كذلك، فهي مدينة تعكس التطورات التي يشهدها العالم المعاصر بقيادة الدول الغربية الاستعمارية التي تملك أدوات ومفاتيح التقدم العلمي والتكنولوجي، وتسوقه من خلال صور وأشكال جديدة ترسخ الهيمنة الاقتصادية والثقافية المفروضة على الدول المستعمرة. إنها صورة للمدنية/ المدينة الجديدة التي تعد مستثمريها وقاطنيها، معا، بحياة الفردوس وحياة الرفاهية والعيش الرغيد، وتطوقهم بدوائر السوق العالمي وقيمه الجديدة.

لهذا، نلاحظ أن السارد وهو يروم عرض أصداء من واقع حال الأوضاع الثائرة في المنطقة العربية، وحال” الجفاف الاجتماعي الذي يهمين على قاطني هذه المدينة المصطنعة، وحاله مع”الأعمال المتاشبكة والحدائق الشائكة” التي تكاد تخنقه، يعمد ـ أي السارد ـ إلى التعبير عن هويته وعن عمق انتمائه وامتدادته الضاربة جذورهما معا في أعماق الأرض والتاريخ معا، من خلال إثارة جدلية التأثير المتبادل بين المجتمعات البشرية والمكان والفضاء الذي يعيشون فيه”، وعبر خلق جسر من فضاءات التوازي والتناغم والتواصل بين واقع حال كل من السارد والمنطقة معا. فيفتح أمام القارئ، تبعا لذلك، فضاء جديدا للمقاومة النوعية، مقاومة يستطيع المناضلون أثناءها أن يمارسوا أعمالهم الجمعوية، وأن يفعلوا التنسيق في ما بينهم في مسارهم النضالي، كما يمنحهم آفاقا رحبة في التنافس أوالتواصل عبر الكرة الأرضية دون وسطاء.

وفي كل ذلك، يعرض السارد حالة” جبريل عرسال” مهندس الحدائق، وواحد من ملايين الفلسطينيين المهجرين مرات عديدة” تحت إرهاب الاحتلال الغربي الصهيوني ليحتموا حول أعمدة” إرم ذات العماد” الأثرية، والمعلقة أهدابهم بعقدة العودة إلى وطنهم فلسطين. عاش تجربة حياتية حبلى بالعزيمة وبالصبر والكد والجد والتحدي والمثابرة والإصرار، فالتقى خلالها نماذج بشرية مختلفة، كما صادف فيها مواقف وحالات متضاربة. ولأنه يحمل مشروعا كبيرا، فلم يغره سحر المال الفاسد، أو تثر شهوته مفاتن النساء وبهاؤهن، أو حتى أن تستهويه الصفقات والامتيازات التي يعد بها أصحاب الأيادي القذرة، أو تزعزع مبادئه الثابتة في مشروعية رفضه التعامل مع مؤسسات المحتل الصهيوني الإسرائيلي، بل، لا يتوانى في الجهر بحقه في مواجهته ومقاومته حتى تتحرر أرضه الحبيبة فلسطين. لذلك، رفض، إغراءات المال والجاه والسلطة، فيكون واجهة فاسدة لمن سلبوه أرضه وقتلوا وهجروا أهله، فكد واجتهد وثابر حتى أحسن الدراسة والهندسة والتخطيط.

هكذا يجيب أحدَ الممثلين التجاريين لإحدى الشركات، التي تستقطب المناضلين الشرفاء” جبريل عرسال” الذي أرادت منه أن يكون واجهة لها، بعدما سأله:” أية شركة أنتم؟”.” (نخن) شركة اسرائيلية تعمل هنا في منطقة قريبة من” إرم ذات العماد”، ونريد واجهة لنا في المنطقة.. هل ترغب أن تكون أنت واجهة لأحد مشاريعنا؟”. قلت:” ما معنى واجهة؟”..” معناها أن يكون مشروعنا الكبير مسجلا باسمك بصفتك المدير صوريا، وأن تكون الملكية الفعلية والتصرف لنا (نخن) الاسرائيليين”.(…) وأضاف يقول:” كثيرون هنا يعملون معنا بمسمى (واجهة)”(…) صدمت بتلك الواجهة سلوى.. خاصة وأنها زوجة أخ الرجل الوطني النظيف، صديقي صادق الغبيري.. وأنها فلسطينية”().

فيستطرد الممثل التجاري بقوله للسارد:” لو كنت عضوا في واحدة من هذه الجمعيات، لكنا التقينا أكثر، وتعارفنا أكثر، ولكنت منحتك كثيرا من الوكالات الحدائقية التجارية، بصفتي المفوض عن اتحاد هذه الجمعيات لولاية” إرم ذات العماد”. قلت له:” أنا رجل يحب الحرية، لم أدخل في حياتي أي حزب أو تنظيم أو جمعية غير جمعية المهندسين الزراعيين بصفتها هي التي تمنحني لقب مهندس”().

بهذا المنظور، أقدم” جبريل عرسال” على مغامرة الاستقالة من وظيفته العمومية حيث كان يعمل” في وظيفة رئيس الإعلام الزراعي”، وباقتراض بنكي، شرع في مباشرة أشغال تصميم وتنسيق الحدائق وصيانتها حتى أنجح مشروع مؤسسته الخاصة والمتخصصة في فن الحدائق في مدينة” إرم ذات العماد”، التي أثبتت الحفريات التاريخية، التي تم العثور عليها في مناطق أثرية في رمالها الممتدة، جذورها العربية التي تعود إلى عشرة آلاف سنة.

يتكفل السارد من خلال كتابة روائية تعبر عن حالة كاتب ومهندس ومناضل فلسطيني منفي من أرضه السخية ويحن بشوق كبير، شأنه في ذلك كل الكتاب المنفيين، إلى الرجوع إليها.

إن مغزى هذا الشوق يتناغم مع توجيه انتباه القارئ نحو فهم أعمق للثقافة الفنية في طرح معاني الأرض والمأوى والوطن، ودعوته، تبعا لذلك، إلى تقدير أهمية المشاركة في تشييد عوالم إبداعية، يستعاض بها عن ضعف المؤسسات وعن التخلف المادي الذي نرزح تحته، وقصد مواجهة تدفقات المحتل الصهيوني الإسرائيلي لبلادنا، وهو مدجج بقوة الناتو الذي أنشأه الغرب لتزييف التاريخ وصباغته وتلوينه باستنبات” الفايكنج” في بلاد العرب، وتدعيمهم، من أجل ذلك، بكل ما يستجد من أسلحة قاتلة وطاحنة ومبيدة، مثلما لا تتوقف عن تشريد من بقي منهم، فيفر من القتل والإبادة والتنكيل نحو رمال صحاري” إرم ذات العماد”. وهنا، يقول السارد:”فهمت أن القوي هو الذي يخطط التاريخ كما يشاء، ثم ينفذه حسب المخطط قائلا له:” كن فيكون”. تماما كما نضع مخطط حديقة، ثم ننفذها حسب المواصفات التي وضعناها”(). لهذه الغاية، يتطلب التقدم نحو الهدف، حتما من السارد، قدرا ضخما من المعاناة التي ما تفتأ تصير حقيقة واقعة تفسر للقارئ، لماذا يجب أن” يختفي هذا الواقع البغيض”؟، واقع التهجير والتقتيل والاحتلال، وكيف يتعين علينا أن نغير قواعد المقاومة والاشتباك حتى نؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة؟.

نحن هنا أمام أكثر من نقطة مضيئة، يجب أن نلتفت إليها، حيث يندس التاريخ والأسطورة وتدمج التقاليد بالحداثة، وحيث أسئلة اليومي وتفاصيلها المعقدة تكسب الكتابة الروائية عند صبحي فحماوي فرادتها الفنية في عرض تلك الصلة الوطيدة التي يجسدها حب الارتباط بالأرض وبقداستها وأموميتها من خلال عرض سلسلة من المواقف والحالات التي ترصد شبكة متشابكة من العلاقات التي نسجها السارد وشخصيات” حدائق شائكة”. فالاجتهاد بصبرٍ وتفانٍ، منذ البداية، لم يولد عند السارد ألفة هواية التمتع ـ والاستمتاع ـ بفن جميل من فنون الثقافات الإنسانية، هو فن وعلم” هندسة الحدائق”، وحسب، بل عده، أيضا، مفتاحا أساسا من مفاتيح الانتشاء بفن كتابة حكاية الذات على صفحة الوجود، بل، ولإدراك كنه هذا الفن والتسامي في حضرته.