المجلة الثقافية الجزائرية

راعية النجوم

شعر: آدم دانيال هومه.

أحسُّ يا راعيةَ النجومِ

أنَّ همساتِكِ الشفيفةَ تتسرّبُ إلى أعماقِ روحي

كما يتسرّبُ عبيرُ الربيعِ إلى حدائقَ أرهقها الشتاء

وأشعرُ برنّاتِ صوتكِ وهي تعبرُ دهاليزَ القلبِ الموصدة

فتوقظُ في زواياهُ النائيةِ أسراباً من الذكرياتِ النائمة

وحينَ تنادينني من وراءِ غلالةِ الضوء

أرى الطرقاتِ القديمةَ تستعيدُ أسماءها

وتنهضُ المدنُ الغارقةُ في النسيانِ من سباتها الطويل

فتفتحُ لي أبوابَها المصنوعةَ من الحنين

وتدعوني إلى التجوالِ بين أروقتها

حيثُ لا يزالُ صدى الأجدادِ عالقاً على الجدران

ولا تزالُ خطى الأنبياءِ تلمعُ فوقَ حجارةِ الأزمنة

أقفُ أمامَ أسوارِ نينوى

وأحدّقُ في وجوهِ الثيرانِ المجنّحةِ الحارسةِ للأسرار

وأتساءلُ بمرارةِ المحاربِ الذي أنهكتهُ الحروب:

متى تنكسرُ سيوفُ الطغاة؟

ومتى تتداعى ممالكُ النارِ والحديد؟

ومتى ينهضُ دوموزي من تحتِ رمادِ الموتِ والخراب

حاملاً في كفّيهِ سنابلَ الخصبِ وأغاني المطر؟

متى يعودُ الفراتُ ليغسلَ جراحَ المدنِ المذبوحة؟

وتعودُ دجلةُ لتُزيّنَ ضفّتيها بأكاليلِ الياسمين؟

ومتى تتطهّرُ أرضُ الرافدينَ من دخانِ الكراهية

لتنبتَ فيها أشجارُ المحبّةِ من جديد؟

أراهُ قادماً من أقاصي الأسطورة

مكلّلاً بأزهارِ الخلود

وقد التفّت حولَ جبينهِ هالةُ الفجر

فيحطّمُ أبوابَ الظلام

ويُطلقُ أسرى الأحزان

ويرشُّ شوارعَ بغدادَ بعطورِ السلام

ويعلّمُ الأطفالَ كيف يصنعون من ضوءِ الشمسِ أجنحةً للأحلام.

******

أنا الشاعرُ الذي رافقَ عرائسَ الرعودِ والبروق

وسارَ خلفَ مواكبِ الغيومِ في الليالي العاصفة

ورأى السماواتِ وهي تلدُ أنهاراً من الضوء.

*****

رأيتهنَّ يرقصنَ عارياتٍ في مرايا المطر

تتدلّى من شعورهنَّ جدائلُ البرق

وتتفتّحُ تحتَ أقدامهنَّ زنابقُ الماء.

كنَّ يهبطنَ إلى المقابرِ المنسيّة

فينثرنَ على القبورِ حفناتٍ من ضوءِ القمر

ويوقظنَ الأرواحَ المتعبةَ من سباتها الطويل

فتخرجُ من عتمةِ التراب

وترفعُ وجوهها نحو السماء.

وكانت الأشجارُ تنحني إجلالاً لمرورهن

وتتوقّفُ الرياحُ عن العويل

وتصغي الجبالُ إلى تراتيلهنَّ الخفيّة

كما يُصغي الطفلُ إلى حكاياتِ أمّهِ قبل النوم.

أما أنا

فكنتُ أتبعُ آثارَ خطاهنَّ المضيئة

وأدوّنُ على ألواحِ القلبِ

ما تعجزُ الكتبُ عن تدوينه.

*******

وحينَ تبتسمينَ لي من وراءِ الشفق

أشعرُ أنَّ الشمسَ كلَّها تذوبُ بين أضلعي

وأنَّ أنهاراً من النورِ تتدفّقُ في عروقي.

تتلاشى المسافاتُ بين الأرضِ والسماء

وتنحني الأزمنةُ أمامَ سطوةِ الجمال

فأرى الكونَ يتحوّلُ إلى معبدٍ هائلٍ من الضياء.

تمسحينَ بأصابعِكِ النورانيةِ جراحَ روحي

فتتساقطُ عنها قشورُ الألم

وتنفتحُ فيها نوافذُ الرجاء.

عندئذٍ أرى أجدادي الأوائلَ ينهضونَ من قبورهم

لا يحملونَ الحزنَ ولا الخوف

بل يحملونَ مشاعلَ الحكمةِ التي خبّأوها في أعماقِ التاريخ.

أراهم يسيرونَ في مواكبَ مهيبة

تتقدّمهم تراتيلُ المعابدِ القديمة

وترافقهم أجنحةُ الملائكة.

يحملونَ حجارةَ المعابدِ المقدّسة

ويواصلونَ البناءَ الذي توقّفَ منذ آلافِ السنين

ليبقى اسمُ الإنسانِ منقوشاً على ألواحِ الخلود.

وفي أعلى القمّة

أرى الإلهَ (آشور) الجالسَ على عرشِ الأبدية

يحيطُ به نورٌ لا ينطفئ

وتدورُ حوله الكواكبُ كما تدورُ الفراشاتُ حولَ قنديلٍ سماوي.

******

وفي أوجِ سطوعِ الموت

حينَ تتكاثرُ الغربانُ فوقَ أسطحِ المدن

وحينَ تتعبُ الأرصفةُ من حملِ خطى الحزانى

أشعرُ بأنَّ دمي يتوهّجُ بجيناتِ الآلهة.

أشعرُ بأنَّ آلافَ السنينِ تسكنُ في عروقي

وأنَّ أصواتَ الأنبياءِ والشهداءِ والحكماءِ

تتردّدُ في أعماقي كأنها تراتيلُ معبدٍ أبدي.

أشعرُ أنَّ گلگامشَ لا يزالُ يبحثُ عن عشبةِ الخلود

وأنَّ أنكيدو لا يزالُ يرفعُ راياتِ الكبرياء

وأنَّ جميعَ الذين أحبّوا الحقيقةَ حتى الموت

يسكنونَ في قطرةٍ واحدةٍ من دمي.

ولهذا لا أخافُ الظلام

ولا ترتجفُ روحي أمامَ العواصف

ففي داخلي شعلةٌ أزلية

ورثتُها عن أولئك الذين علّموا الشمسَ كيف تشرق.

******

يا راعيةَ النجوم

ابقَي قريبةً من نوافذِ قلبي

فالعالمُ يزدادُ وحشةً كلّما ابتعدَ الضوء.

ابقَي فوقَ تلالِ الحلم

تنثرينَ على دروبِ المسافرينَ حفناتٍ من النجوم

كي لا يضلّوا الطريق.

وإذا ما تعبتُ من حملِ هذا الزمنِ الثقيل

فخذي بيدي إلى مراعي القمر

حيثُ تنامُ الأنهارُ في أحضانِ الضياء

وحيثُ تتصافحُ الأرواحُ بلا خوفٍ ولا حدود.

هناك

تحتَ شجرةِ الحياةِ الأبدية

سأكتبُ آخرَ أناشيدي

وأعلّقُها على أهدابِ الفجر

لتبقى شاهدةً أنَّ الحبَّ أقوى من الموت

وأنَّ النورَ، مهما طالَ حصارُه

لا بدَّ أن ينتصر.

،،،،،،،،،،،