المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

سلسلة قراءة ثقافية في: تبريرات الوجود: الكيان الإسرائيلي والنظرية الكولونيالية الغربية

الجزء الأول

أ.د محمد كريم الساعدي

في ظل التوجهات السياسية والثقافية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط في ظاهرها وباطنها، وما تحمله من تطورات تؤثر على شكل الخارطة الجديدة للمنطقة العربية وما حولها، وفي ظل الصراعات الدولية التي تتناول تشكيل الصور الجديدة بعد الاستعمار وآلته الحربية ووسائله المتعددة التي أرادت أن تجعل من الشعوب خاضعة لتصوراته لشكل المنطقة العربية عامة، والجانب الذي يخص إنشاء كيان إسرائيلي (صهيوني) قائم على كونه نواة تشق وحدة هذه الشعوب بلغتها وتاريخها المشترك، مستندة بذلك النظرية الاستعمارية على أن هذه المنطقة ليست ملكاً لشعوبها، بل هي من حق شعوب أخرى سكنتها سابقاً، وفقاً لوعد (بلفور). ومن خلال ذلك جعلت هذه النظرة الاستعمارية قواعد جديدة تبرر ما تريد فعله في هذه المنطقة، ومن هذه المبررات ما يأتي:

1. التبرير التاريخي:

ترى القوى الاستعمارية القديمة، وبالأخص بريطانيا، أن التاريخ هو أداة لشرعنة الوجود وغايته الطبيعية؛ كون التاريخ يقول –حسب وجهة النظر الاستعمارية– إن من حق اليهود أن يعودوا إلى وطنهم الأم الذي سكنوه منذ آلاف السنين في أرض فلسطين وما حولها، ابتداءً من سيناء غرباً إلى الفرات في العراق شرقاً، ومن شمال المملكة العربية السعودية جنوباً إلى أجزاء من سوريا شمالاً. وهذا التبرير التاريخي قائم على تكهنات لا عقلانية في ظاهرها تهدف إلى زرع جسم جديد في جسد هذه المنطقة، ولكنه عقلاني من وجهة النظر البريطانية كونه يسهم في تحقيق النظرية الاستعمارية مستقبلاً.

ففي المجال الأول (التصور اللاعقلاني الظاهري) يعطي هذا التصور الحق لكل من سكن في أي أرض ليعود بعدها ويدعي أنها أرضه ودولته، ومن ثم يرجع أبناء كل الحضارات السابقة الذين هاجروا من أرضهم تحت ظرف ما ويدّعون بأنها ملكهم، ويعاد من جديد توزيع كل الأراضي في العالم إلى شعوب مضت، بل وهذا المبرر يعطي الحق للشعوب التي سكنت بريطانيا نفسها في السابق للمطالبة ذاتها، ولا بد أن يعيد هذا التصور اللاعقلاني كل الأشياء بعكس مجرى التاريخ. لكن هذه الرؤية رغم لا عقلانيتها طُبقت في فلسطين بقوة السلاح والهيمنة البريطانية، ودُعمت من قبل الحضارة الغربية وماكنتها الحربية.

أما التصور الثاني (العقلاني/ الباطني) فهو قائم على نوايا أخرى لم تقم على التصور الأول، بل قائمة على مبدأ أوجدته السياسة البريطانية وهو مبدأ “فرق تسد”، ويتم تطبيقه عبر إيجاد كيان جديد في داخل المنطقة تكون مرجعياته الثقافية والأخلاقية غربية، وقوته مستمدة من هذا التوجه الجديد للمستعمر صاحب السيطرة على المنطقة ومالكها الجديد بقوة السلاح؛ فهذه النظرة هي أكثر تصديقاً للقارئ وتبريراً لما يرى في الأحداث التي تقع في منطقتنا العربية، ولهذا السبب أتت تسمية العقلانية واللاعقلانية في هذا المبرر الأول.

2. التبرير الديني:

على الرغم من الاختلاف الديني بين المستعمر البريطاني وكيانه الجديد في منطقة الشرق الأوسط، توجد هناك مصالح مشتركة بين العقلية اليهودية من جهة، والعقلية التي تدعي انتماءها إلى المجال الديني المسيحي من جهة أخرى؛ كون أن هذه المصلحة قائمة على البعد التوراتي وما تدعيه بعض الكنائس المتصهينة في مسألة علو اليهودية من أجل أن يظهر “المخلص” في الديانة المسيحية. وهذا التبرير لعبت عليه الحركة اليهودية بشكل خفي في توجيه الرؤى التي تساند هذا الرأي في الديانة المسيحية المسيطرة في بريطانيا وأمريكا، كون هذه الكنيسة المتصهينة لها نفوذها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها في تشكيل “لوبي” ضاغط في السياسة البريطانية في فترة ازدهارها، ومن ثم انتقلت إلى السياسة الأمريكية فيما بعد حتى أصبحت من مبررات الدعم لهذا الكيان وبقوة في الأوساط الأمريكية في الوقت الحاضر.

وهذا التبرير استخدمته الحركة اليهودية جيداً في توجيه الأنظار إلى هذه المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية (العثمانية/ الإسلامية) التي لم تجعل لليهود مكانة تحقق رغباتهم في أرض فلسطين، وهذا ما جعل الحركة اليهودية العالمية تنسق المواقف سياسياً ودينياً مع المستعمر البريطاني والفرنسي لهذه المنطقة دون اعتراض أي قوة إسلامية في ذلك الوقت، بل لم يكن للقوة الإسلامية وجود قوي يقاوم هذه المخططات للحركة اليهودية العالمية وعلاقاتها مع القوى الاستعمارية القديمة والجديدة.

3. التبرير (الثقافي/ الحضاري):

رأت القوى الاستعمارية في مجال إيجاد كيان في هذه المنطقة يحمل تطلعاتها الثقافية فيما بعد الاستعمار العسكري، وكيفية توجيه المنطقة وفق النموذج الجديد الذي دعمته بكل الوسائل الممكنة (عسكرياً وسياسياً واقتصادياً) حتى يظهر بالمظهر العربي المراد إيجاده في هذه المنطقة. فالصراع ليس صراع مصالح وينتهي مع الشرق الأوسط، بل هو صراع حضاري وثقافي كما نظّر له (صمويل هنتنغتون) في كتابه (صدام الحضارات).

ويعتقد الاستعمار أن وجود دولة أو كيان مسيحي مباشر –وهو ما حلمت به الممالك في أوروبا خلال الحروب الصليبية– سيكون من الصعب إيجاده كون الديانة المسيحية اتخذت من روما عاصمة لها ولا يستطيعون تشتيت الصف المسيحي إلى مراكز قرار متعددة، علماً أن الحضارة الغربية لا تعتقد بالديانة المسيحية الشرقية كمنافس لها، بل تعتقد أن كل الطوائف المسيحية في العالم الغربي ترجع إلى تصور واحد لا غير قائم على هدف واحد. لذا كان من الأجدر البحث عن كيان من الممكن أن يصمد أمام شعوب المنطقة عقائدياً وحضارياً وثقافياً، ومن الممكن أن يستقطب أبناءه من كل بقاع العالم من أجل تأسيس كيان قوي. لذا كان البحث عن كيان جديد بمواصفات معينة هو الهدف الأفضل للمستعمر البريطاني، ووجد في الحركة اليهودية وإمكاناتها خير ممثل ثقافي وحضاري للغرب، وتحت المبررات السابقة من جهة، وتحت مبدأ أن الإسلام أشد خطراً على الغرب من الديانات الأخرى ومنهم اليهودية، فكان لا بد من وجود هذا الكيان وجعله عنواناً جديداً حضارياً وثقافياً للمستعمر.

4. التبرير الاقتصادي:

بحثت القوى الاستعمارية ومنذ انطلاق حملاتها الأولى في بقاع الأرض المختلفة في الشرق والجنوب والشمال وغيرها من المناطق التي سعت لاستعمارها، عن السيطرة الاقتصادية عالمياً من أجل إخضاع الآخر والسيطرة عليه، فوجدت في منطقة الشرق الأوسط مكاناً مهماً في المجال الاقتصادي بما يمتلكه من ثروات طبيعية وأراضٍ صالحة لوفرة الإمكانات الاقتصادية فيها. لكن ما كان يؤرق هذه الدول المستعمرة هو مديات السيطرة الاقتصادية والإخضاع الاقتصادي لشعوب المنطقة العربية، فعملت هذه القوى على مجالين أساسيين:

الأول: هو تحويل هذه الأرض المشتركة في اللغة والقومية والديانة إلى دول مقسمة حسب الرؤية الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، وتأسيس حكومات فيها خاضعة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة اقتصادياً للمستعمر، في كل المديات القصيرة والمتوسطة والطويلة من أجل ربطها اقتصادياً مع سياسات المستعمر عالمياً.

الثاني: إيجاد مركز للهيمنة الاقتصادية على المنطقة يكون مركزاً متقدماً لهذه القوة الاستعمارية، كون هذا المركز الجديد في المنطقة سينفذ عملياً المخططات الاستعمارية اقتصادياً في داخل هذه المنطقة من خلال إخضاع دولها إلى سياسات تطبيعية شرطها الأساس هو الاستمرار في السيطرة الاقتصادية، وهذه السيطرة لها دلائلها الآن في منطقتنا العربية بطريقة ظاهرية وأخرى غير ظاهرية، وهو ما يجعل هذا الكيان في الخط الأول للهيمنة الاقتصادية الغربية في المنطقة.

من هذه التبريرات الأربعة نرى أن الكيان الإسرائيلي ذات الأثر الواضح في المنطقة العربية يمكن أن نقرأها وفق منظور الحركة الكولونيالية، التي يمكن أن نقارب بينها وبين الحركة الإسرائيلية. ومن ثم فإن هاتين الحركتين المتقاربتين في السياسات والأيديولوجيات وما يمكن أن يشكلاه من حاجز في توحيد أهداف هذه الأمة، يمكن أن نراهما من منظور آخر، وهو منظور ما بعد الإسرائيلية، وآثارها المختلفة وما ستكون عليه هذه الآثار الثقافية والحضارية والسياسية وحتى العسكرية في المنطقة . وهذا ما سنتناوله في الأجزاء القادمة في هذه السلسلة التي سننشرها على شكل مقالات متتالية أن شاء الله .