محمد زبير*
نسمي الاعجاز العلمي، تلك الطروحات التي تبحث عن الأفكار والنظريات العلمية في الدين : وذلك من خلال الانطلاق من الحقائق والاكتشافات العلمية أولا، ثم البحث عن شبيهها في النصوص الدينية من حيث اللغة المباشرة أوالايحاءات الرمزية والتأويل .
ولعل هذا المنهج قديم، حيث نجد له جذورا لدي الحضارات القديمة من خلال محاولات رجال الدين وكهنة المعابد اظفاء المشروعية على الدين السائد وتبريره بطرق عدة من خلال القصص والواقع والخيال والترهيب … فكان كل فكر أو علم خادم للدين السائد، ولم تكن هناك أية حقيقة الا تلك التي تنبني على أسس دينية وتلقى مباركة حراس الدين والمعبد …
لكن التطور العلمي الذي عرفته الانسانية منذ عصر النهضة في أروبا، بدأ يفصل الحقائق عن بعضها، خاصة الحقيقة العلمية عن الحقيقة الدينية: حيث بدأ العديد من المفكرين والباحثين في مجال الطبيعة والفلك والجغرافيا وغيرها من المجالات في ايثار البحث النظري العقلاني والرياضي الحر، وكذلك البحث التجريبي – بشكل تدريجي – بعيدا عن المفاهيم والمقدمات الدينية التي كانت تشكل براديغما مؤطرا يصعب تجاوزه. سيما وأن هذا البراديغم يمثل رقابة صارمة ووسيلة من المؤسسة الدينية لتوجيه العلم كخادم للدين. وتمثل الكنيسة مثالا ورمزا لهذه الرقابة منذ نشأتها في بداية القرون الوسطى الى حدود نهاية القرن الثامن عشر .
ويمكن ايراد نموذج ما يسمى في تاريخ العلم ب \” الثورة الكوبرنيكية \” لتوضيح هذا الأمر بشكل موجز : لما كتب العالم الايطالي \” نيكولاس كوبرنيكوس\” كتابا سماه \” حول دوران الأفلاك السماوية \” سنة 1533 وأشار فيه الى فكرة \” مركزية الشمس \” بدل الفكرة السائدة أنذاك \” مركزية الأرض \”
. لكن ما علاقة ذلك بقضية الاعجاز العلمي ؟
ان الكنيسة من خلال مشروعية سلطتها الدينية ، جعلت العلم خادما لسلطتها ، فحاول رجال الدين جاهدين اخضاع كل النظريات العلمية السائدة للديانة المسيحية، خاصة الأفكار العلمية اليونانية، فكان ارسطو مرجعا أساسيا وأولا . ويعرف هذا في التاريخ بمحاولة \” تنصير الأرسطية \’\’ كما حاول المسلمين قبل ذلك \” أسلمتها \” .
لقد كان البراديغم الأرسطي في مركزية الأرض والذي طوره بطلميوس بعده ، أساسا للعلم ولتصورات الانسان عن ذاته وعن الكون ، فالأرض مركز العالم وكل الأفلاك والكواكب تدور حول هذه الارض دورة دائرية منتظمة ومنظمة … وقد أضافت الكنيسة في اطار \”الاعجاز العلمي\” تأويلات دينية من الكتاب المقدس على هذا البراديغم : فمادامت الأرض هي المركز والانسان هو الأعلى مرتبة في هذه الأرض ، فهذا الكون كله مسخر من أجله وهو خليفة الله . وحتى الحركة الدائرية مقدسة وتحكم هذا الكون المحدود ، حيث لا وجود لشيء خارج هذا الفلك الذي تشكل الأرض مركزه … ان كل الكواكب والشمس والنجوم في خدمة المركز أي في خدمة الأرض والانسان ، فما أسعده بموقعه وبمكانته التي جعله الله عليها .
هكذا حاولت الكنيسة أن تبين مدى صحة الحقائق الدينية المتضمنة في الكتاب المقدس من خلال تزكيتها بعلم الفلك والفيزياء الأرسطيين ، فأصبح ارسطو ناطقا رسميا باسم الكنيسة وحجة ما بعدها حجة ضد المشككين -ان وجدوا- ، لكن ماذا تغير بعد ذلك ؟
ان فكرة \”كوبرنيك\” والتي ستصبح فيما بعد نظرية علمية وبراديغما جديدا ، شكلت خطرا على الكنيسة وعلى مشروعيتها الدينية بل وعلى الدين نفسه . فالتشكيك في مركزية الأرض ليس فقط مسألة عابرة ، أو تغييرا لموقع الأرض بالشمس ، بل زعزعة وتخريبا لأساس كل ماهو موجود أنذاك : للسياسة والعلم والأخلاق والدين والميتافيزيقا … فاذا هدمنا أساس البنيان انهدم كل البنيان .
هنا ستتدخل الكنيسة من خلال رجال الدين ، في محاولة للحفاظ على الأمور كما هي ، سيما وان هذه \” الهرطقة\” الجديدة أي دوران الأرض ومركزية الشمس بدأت تنتشر. فالمسألة ليست مجرد نقد علمي لنظرية أرسطو الفلكية ، بل نقدا للخلط بين الدين والعلم الذي تبنته الكنيسة ، فأرسطو والدين والكنيسة فكرة واحدة ،وهذا صنيعها . لذلك بات العلم الذي احتوته لمدة واحتضنته كخادم يشكل خطرا عليها، لأنه بدأ يثور ويعبر عن حركته وتغيره بعد أن اعتبرته تابثا واعتبرت الحقيقة تابثة أزلية الهية ومطلقة . كما وجد العلماء أنفسهم في حرج ، فكلما شككوا في مسالة علمية ما الا ووجدوا أنفسهم أمام الدين ورجال الدين ، لأنه لا يوجد فصل بين المجالين ، بل كان أغلب هؤلاء العلماء نظرا لتكوينهم رجال دين في الوقت نفسه ، كما هو الحال كذلك بالنسبة ل \” كوبرنيك \” صاحب الشرارة الأولى للثورة .
ويشهد التاريخ قسوة الكنيسة وممثليها من حراس الدين على كل من خولت له نفسه القول ب \” دوران الأرض ومركزية الشمس \” حيث عقدت محاكمات ونفذت عقوبات ضد الزنادقة والمهرطقين \’\’ جاليليو نموذجا \” وراقبت حركة العلماء وسكناتهم ، وحاصرت الفكرة الجديدة والمستحدثة التي تشكل كفرا بآيات الله ودينه حسب زعمها .
لقد كانت الثورة الكوبرنيكية تلك الشرارة الأولى وذلك الاعلان الصريح عن نهاية سلطة الكنيسة ومشروعيتها وسلطتها المطلقة ، حيث انتصر العلم اخيرا وبصعوبة وتمكن من الاستقلال عن استبداد رجال الدين ، ووجدت الحقيقة العلمية متنفسها في التعبير عن تغيرها الدائم وتجددها المستمر ضد المطلق الأزلي والديني . ولن تعتدر الكنيسية عن ذلك الا في بداية القرن العشرين .
فما الدرس الذي نستفيذه من هذا التاريخ ؟
قد يقول البعض أن هذا تاريخ يخص أروبا، لكن في الحقيقة هذا التاريخ يعيد نفسه بعدة أشكال في مجتمعنا المعاصر، فبالطريقة نفسها التي كان رجال الدين في أروبا يدمجون بين الدين والعلم –ولا يزالون في حالات شاذة- نجد بعض الفقهاء عندنا أو من يحسبون على المجال الديني عموما ، يرددون هذه المفاهيم بشكل دائم ، وعددهم في ازدياد واضح ، بل ويتنافسون في تحقيق السبق والفتوحات في هذا المجال ، بشكل يجعلنا نتحدث عن ظاهرة \”الاعجاز العلمي\’\’ .
فالى ماذا يسعى \”الاعجازي\” أي متبني هذه الظاهرة ؟
يمكن أن نربط تفشي هذه الظاهرة في المجتمعات العربية الاسلامية المعاصرة بعدة أسباب نجملها فيما يلي :
– الاحساس بالدونية وبالنقص الوجودي الذي يعيشه المسلمون اليوم مقارنة مع التطور الكبير الذي يعرفه الغرب .
– صدمة الحداثة والتحديث من خلال عدم القدرة على مسايرة التطور العلمي والتقني المعاصر .
– الغزو الثقافي والاقتصادي والسياسي والعسكري الذي تعرضت له المجتمعات العربية وعدم قدرتها على المواجهة والاستقلال .
ان هذه الأسباب وغيرها جعلت ظاهرة \’\’ الاعجاز العلمي \’\’ مجرد ردة فعل يائسة بالعودة الى الماضي والتماس تكيف بديل، وراحة مؤقتة للوعي، وهروب من واقع النقص والدونية ، وتوهم بامتلاك العلم والقوة : فيحاول الاعجازي مراقبة المستجدات العلمية رغم عدم تخصصه، والبحث في النصوص الدينية عن مرادفات ومصطلحات مباشرة تشبهها لكي يبرهن –حسب زعمه- على سبق دينه الى هذه الحقيقة العلمية الجديدة . ولما لا يجد تشابها ، يحاول جاهدا تأويل الآيات والأحاديث لاضفاء المشروعية العلمية عليها ، فيعد الآيات عدا مثلا لاستخراج رقم معين يصادف حقيقة علمية أو واقعة وحدثا معاصرا ليؤكد على معجزة التنبؤ والسبق في دينه ، نصرة له ولنفسه وتنقيصا من الأخر .
ولعل كتب الاعجاز وقصصه كثيرة جدا، وتكاد تنبهر في أول الأمر بذلك التطابق الموجود بينها وبين العلم، كمسألة تكون الجنين وامتداد الظل وتعلق الألم بالجلد وغرق الفرعون … لكن في الحقيقة هذا مجرد انبهار عاطفي مبني على التمني ، فكم وددنا لو كان الأمر حقيقة ، لكنه مجرد وهم من الأوهام . كيف ذلك ؟
ان الحقيقة العلمية حسب تاريخها قائمة على الأخطاء كما يقول \’\’غاستون باشلار \’\’ وخاضعة للثوراة والانقلابات العلمية بتعبير \’\’ طومس كوهن \’\’ ، بمعنى أن نتائج العلم لا تبقى على حال ، بل دائمة التغير . فحقيقة اليوم هي خطأ الغد ، وهكذا يتطور العلم ويتقدم عبر التاريخ، وهذه سنته والقانون الذي يحكمه . فلا مجال للحقيقة الأزلية والمطلقة في العلم ، والا خرج عن كونه علما .
أما الدين فتابث وأزلي ، وحقائقه خالدة ومطلقة وغير قابلة للتغيير : فكيف اذن نجمع بين متناقضين ؟ بين حقيقة علمية نسبية ومتغيرة باستمرار وقابلة للخطأ وبين حقيقة دينية مطلقة ومقدسة وخالدة ؟ وكيف نبني ما هو تابث من ما هو متغير ، وماهو متغير من ما هو تابث؟
ان الاعجاز العلمي هنا يشكل خطرا كبيرا على الدين، ربما لا يحس به الاعجازي، فبدل أن يدافع عن الدين بالعلم سيصل به الأمر الى تشكيك الناس في الدين ، فاذا اعتبرنا جدلا أن حقيقة علمية جديدة موجودة قبلا في الدين كبعض المسائل التي ذكرناها سابقا ، فهذا لا يعني أن هذه الحقيقة نهائية وخالدة . فمادام العلم في تقدم مستمر ، بل ولايزال في طفولته ، فان هذه الحقيقة قد تصبح خطأ وينتقل العلم الى حقيقة أخرى اكثر دقة ووضوحا . فكيف سيكون موقفنا من ذلك النص الديني الذي اعتقدنا أنه يصابقها ؟ هل نغيره ؟ أم نمنع العلم من التغير ؟ هذا السؤال بالضبط انما يعيد نفسه ، فقد حاول الاعجازيون الأروبيون من ممثلي الكنيسة كما أشرنا في بداية هذا المقال أن يوقفوا تطور العلم لكي يبقى متطابقا مع الدين ، وعبثا حاولو لأنهم جعلوا الناس بعد ذلك يشككون في الدين وينفرون منه لأنه ظهر وكأنه اوهام وأخطاء
فما العمل اذن ؟
ان النصوص الدينية ليست كتبا في الفيزياء اوالطب او الفلك …بل هي نصوص لهداية الروح وارشادها الى الايمان ووجود الله ، وبالتالي لا يجب تحميلها ما لا تحتمل والتلاعب بها خارج سياقها والغاية من وجودها ، لذلك يجب احترام هذه النصوص والحفاظ على قدسيتها لدى المؤمنين بها . ومما يزكي كلامنا أنه لم يحدث قط أن تم اكتشاف حقيقة علمية واحدة من النصوص الدينية مباشرة وابتداء ، رغم أن الاعجازي يطلع دوما على هذه النصوص ويرددها وربما يحفظها ، ولما يحدث ذلك –ولن يحدث- سنغير رأينا بكل تأكيد ، لكن كيف لشخص خارج مجال الفيزياء مثلا ولا يعرف حتى مبادئها أن يتحدث عنها وفي نصوص دينية ؟؟
*أستاذ الفلسفة – المغرب





