أجرى الحوار: ميخائيل جاكوب
ترجمة: الحسن علاج
ميكائيل جاكوب: عندما نقرؤكم، السيد سيوران، يتكون لدينا انطباع أنكم لاتؤمنون بالحوار، وقد قلتم أن كل مقابلة هي بالنسبة لكم بمثابة عذاب أليم… أنا واع بالصعوبة التي يمكن أن يمثلها لقاء معكم ، لكن على أية حال فأنا هنا من أجل المحاولة . لو بدأنا بطفولتكم برومانيا ؟ هل لا تزال طفولتكم حاضرة جدا لديكم ؟
سيوران : نعم ، بصورة حاضرة بامتياز . لقد ولدت برازيناري ، وهي قرية توجد في سلسلة جبال الكارنات ، في الجبل ، تبعد باثني عشر كيلومترا عن سيبيو ـ هرمانستادت . أحببت هذه القرية حبا جما ؛ غادرتها وأنا أبلغ من العمر عشر سنوات للالتحاق بثانوية سيبيو ولن أنسى ذلك اليوم أبدا ، أو بالأحرى الساعة ، التي اصطحبني فيها والدي إلى هناك . استأجرنا عربة يجرها حصان وبكيت ، كنت أبكي طيلة الوقت ، لأنه كان لدي إحساس داخلي مفاده أن الفردوس كان قد انتهى . لقد شكلت هذه القرية الجبلية ، بالنسبة لي وأنا طفل ، فائدة كبرى : بعد تناول الفطور ، كان بمستطاعي الاختفاء حتى منتصف النهار ، أعود إلى المنزل ، وبعد ساعة ، كنت أختفي من جديد في أي مكان في الجبال . دام هذا إلى حدود العاشرة من عمري . فيما بعد ، ثمة “فائدة ” أخرى للسكن في الطابق العلوي : أثناء الحرب العالمية الأولى ، تم ترحيل والديّ ـ باعتبارهما رومانيين ـ من قبل الهنغاريين ، وبقيت أنا وأخي وأختي مع جدتنا ، وخلاصة القول لقد كنا أحرارا تماما ! لقد كانت فترة مثلى ! أحببت المزارعين كثيرا وأكثر بكثير أحببت الرعاة : كان لدي إزاءهم نوع من التقديس . حينما كان ينبغي علي مغادرة هذا العالم ، كان لدي إحساس داخلي أن شيئا ما تهشم بالنسبة إلي وإلى الأبد . بكيت وبكيت وسوف لن أنسى ذلك ما حييت .
ميخائيل جاكوب : وأنا أستمع إليكم وأنتم تتكلمون يبدو أنكم اقتلعتم اقتلاعا من أرض مسقط الرأس !
سيوران : انتزعت من الأرض ومن هذا العالم البدائي الذي أحببته كثيرا ، مع الشعور بالحرية الذي ترتب عن ذلك . وهكذا وجدت نفسي بسيبيو ، مدينة ذات أهمية بالغة بالنمسا ـ المجر ، نوع من مدينة حدودية مع عدد ضخم من العساكر . تتعايش فيها ثلاثة أعراق ، بدون مأساة ، لا بد من قول ذلك : الألمان ، الرومانيين والهنغاريين . قد يبدو ذلك غريبا ، على أن ذلك قد ترك لدي انطباعا بقية حياتي : لا أستطيع العيش في مدينة حيث لا يتم الحديث سوى بلغة واحدة ، إني أصاب بالملل فورا . أحببت تماما تنوع تلك الثقافات الثلاث ، والثقافة الحقيقية هي بالطبع الألمانية ؛ لقد شكل كل من الهنغاريين والرومانيين نوعا من العبيد الذين كانوا يسعون إلى تحرير أنفسهم . لقد كان بمدينة سيبيو مكتبة ألمانية كانت لها أهمية بالغة بالنسبة لي . وفي جميع الأحوال ، فبعد قرية مسقط رأسي وباريس ، سيبيو ( سيبيو ـ هرمانستادت ) هي المدينة التي أحبها أكثر في العالم ، والتي أحببتها أكثر في العالم . فإذا كان لعبارة نوستالجيا من معنى ، فإنه على أي حال التحسر على كوني اضطررت إلى مغادرة مدينة مثل هذه وحتى كوني اضطررت مغادرة قريتي . في الواقع ، إن العالم الحقيقي الوحيد هو العالم البدائي حيث كل شيء يكون ممكنا ولا شيء يكون محيّنا .
ميخائيل جاكوب : في واقع الأمر ، فقد كنت مستأصلا في مناسبات عدة؟
سيوران : نعم ، مرات عديدة . ثمة أولا ، حقيقة كوني تخليت عن طفولتي . وفيما بعد حياتي بسيبيو . لماذا تعتبر سيبيو ذات أهمية بالنسبة لي ؟ لأن هاهنا عانيت أكبر مأساة في حياتي ، مأساة دامت لسنوات عدة والتي ميزتني فيما يخص ما تبقى من حياتي . إن كل ما كتبته ، وكل ما فكرت فيه ، كل ما أنجزته ، كل هذياناتي تجد مصدرها في هذه المأساة . فقد فقدت النوم حوالي العشرين من عمري واعتبر ذلك مثل أكبر مأساة يمكن أن تحدث . أتذكر إنني كنت أتجول لساعات في وسط المدينة ـ تعتبر سيبيو مدينة غاية في الجمال ، مدينة ألمانية ، يعود تاريخها إلى القرون الوسطى . كنت أخرج في منتصف الليل ، وأتجول بكل بساطة في الأزقة ، لم يكن هناك سوى بعض العاهرات وأنا في مدينة خالية ، الصمت المطبق ، الإقليم . كنت أجوب الأزقة لساعات مثل شبح وكل ما كتبته فيما بعد تمت صياغته أثناء تلك الليالي . ويعود كتابي الأول على مرتفعات اليأس إلى تلك الحقبة ، كتبته وأنا في الثانية والعشرين من عمري ، نوع من الوصية لأنني كنت أعتقد بأنني سوف أنتحر بعد ذلك . إلا إنني بقيت على قيد الحياة . وهو إنني لم أمتهن أي مهنة ويكتسي ذلك أهمية بالغة . وربما إنني في واقع الأمر لم أذق طعم النوم طيلة الليل والتجول في المدينة ، فقد كنت عديم الفائدة أثناء النهار ، لم تكن لدي قدرة على ممارسة أي مهنة . كانت في حوزتي شهادة إجازة ، أتممت دراساتي في الفلسفة ببوخارست ، إلخ ، لكني كنت عاجزا عن أن أكون أستاذا ، لأنه لم تكن لدي القدرة على ذلك ، بعد السهر الليل كله ، أقوم بالتهريج أمام التلاميذ ، الحديث عن أمور لاتهمهم في شيء . توجد ليالي سيبيو تلك في صلب رؤيتي للعالم .
ميخائيل جاكوب: لكن تلك الليالي سمحت لكم أيضا باكتشاف فضاء من الروعة بمكان ، شيء منفتح ، مذهل…
سيوران : بالتأكيد . لكن ثمة في حالتي سوابق فيما يخص رؤيتي للأمور . كانت في حوزتي تلك الرؤية للأمور قبل ذلك بكثير ، على أنه ابتداء من العشرين من عمري فهمت ذلك بشكل منهجي . علي أن أوضح بادئ ذي بدء أن والدي كان قسا ، لكن والدتي لم تكن مؤمنة ، فقد كانت بشكل غريب أو بسبب ذلك ، مستقلة عقليا أكثر من والدي . كنت أبلغ من العمر عشرين سنة ويوما واحدا ـ كانت الساعة الثانية بعد الظهر ، أتذكر ذلك تماما ـ في حضور أمي كنت متمددا على أريكة فقلت : ” لم تعد لي طاقة للتحمل أكثر . ” أجابتني والدتي : ” لو كانت لي معرفة سابقة بذلك ، لقمت بإجهاض نفسي . ” ترك لدي ذلك انطباعا رائعا لكن ليس انطباعا سلبيا إطلاقا . وعوض أن تثور ثائرتي أتذكر أن ثغري افتر عن ابتسامة ، وقد كان ذلك أشبه بإلهام ؛ ثمرة صدفة ، من دون أي ضرورة ، وقد شكل ذلك نوعا من التحرر . إلا أن ذلك ترك لدي أثرا في ما تبقى من حياتي . والغريب في الأمر أن والدتي وبعد أن اطلعت على الأمور التي كتبتها بالرومانية ( كانت لا تجيد الفرنسية ) ، فقد سلمت بها بدرجة أو بأخرى . وخلافا لذلك ، فقد كان والدي غير راض عن ذلك ؛ كان مؤمنا من دون أن يكون متزمتا ، إنها مهنته كقس ؛ ومن طبيعة الحال فإن كل ما كتبته كان يشكل له مصدر إزعاج ، ولم يكن يعرف كيف يتصرف ـ وحددها أمي كانت تتفهمني . والأمر الأكثر غرابة هو إنني احتقرتها في البداية ، وذات يوم قالت لي : ” بالنسبة لي لا يوجد إلا باخ . ” منذ تلك اللحظة فهمت أنني كنت أشبهها ، وقد ورثت عنها بالفعل عددا لا بأس به من العيوب ، لكن أيضا بعض المميزات . إنها كشوفات وسمت حياتي . ومن ثم فقد حدث شيء ما ، كما تعلمون ، لقد كتبت كتابا ـ كتابي الثاني أو الثالث ـ تحت عنوان دموع وقديسون . إنه كتاب كتبته في وقت لاحق وظهر برومانيا عام 1937 . وقد تم تلقي هذا الكتاب بشكل سيء للغاية ؛ أولا الناشر ـ كان الكتاب شبه جاهز ـ لقد كان ببوخارست وكنت في ذلك العهد ببراشوف ، رن هاتفي ليخبرني أنه لن يقوم بنشر الكتاب ، لأنه لم يقم بقراءته وأثناء ظهور الكتاب قيل له : ” هل قرأت هذا الكتاب ؟ ” قرأه وقتئذ ثم قال لي : ” لقد كونت ثروتي بمعونة الله ولا أستطيع نشر كتابك . ” (ضحك) هذا شيء بلقاني . وقلت له : ” لكنه كتاب ديني للغاية . ” ردّ : ” ربما ، لكنني لا أرغب في ذلك . ” إنها السنة التي أتيت فيها إلى فرنسا . قلت له : ” علي مغادرة البلد ، ينبغي علي الذهاب إلى باريس خلال شهر . ـ شيء ممكن ، لكني لا أرغب في كتابك . ” هذا كان كل جوابه ! ففي هذا الوقت بالذات قصدت مقهى ، كنت محبطا ، وقلت في نفسي : ” ماذا أنا فاعله ؟ ” أحببت هذا الكتاب إلى حد كبير لأنه كان ثمرة أزمة دينية وفي آخر المطاف عثرت على ناشر أو بالأحرى على منضد حروف ، عامل مطبعة قائلا لي : ” سأعمل على نشره . ” تركت آنذاك رومانيا وحللت بفرنسا ، ظهر الكتاب أثناء غيابي سنة 1937 وقد تم تلقيه بشكل سيء للغاية ؛ كتب إلياد على سبيل المثال مقالا عنيفا ضد هذا الكتاب . لقد وجد والديّ نفسهما في وضع محرج للغاية ؛ كتب والدتي وأنا بباريس : ” أتفهم كتابك إلخ . على أنه ما كان ينبغي عليك نشره في حياتنا ونحن أحياء لأنك وضعت والدك في وضع صعب جدا وأنا باعتباري رئيسة للنساء الأرثوذكسيات … ففي المدينة تتم السخرية مني . ” ومن ثم فقد طلبا مني خدمة أن أقوم بسحب هذا الكتاب ؛ لكن الكتاب تم نشره بدون ناشر ، لم يكتب له إذن الانتشار . إنها ظاهرة بلقانية بامتياز ، من الصعوبة بمكان تقديم تفسير لها في الغرب ، حيث تحدث الأمور بطريقة مغايرة . لم يتم توزيعه ، لا أعرف إطلاقا كيف كان مصيره ، يحتمل أنه تم إتلافه ، على الأقل غالبية النسخ . فهمت والدتي هذا الكتاب ؛ وقالت لي : ” يُلاحظ لديك قطيعة داخلية ، التجديف من جهة ، والنوستالجيا من جهة أخرى . ” ( من السخافة أن يتحدث المرء عن أبويه ، على أنه لهذا معنى في نهاية الأمر . ” يشكل هذا الكتاب حصيلة لأزمة دامت سبع سنوات ، أزمة لم أذق طعم النوم أثناءها . ولهذا السبب فإني لطالما ازدريت الأشخاص الذين يستطيعون النوم ، وهو شيء سخيف تماما ، لأنه لم تكن لدي سوى رغبة واحدة : النوم . ومع ذلك فقد فهمت شيئا واحدا : تمتلك الليالي البيضاء أهمية بالغة !
ميخائيل جاكوب : إنها الليالي البيضاء حيث ننتج …
سيوران : ليس ذلك فقط ، بل حيث يفهم المرء ، قبل كل شيء . لاحظوا ، إن الحياة بسيطة جدا : يستيقظ الناس ، يقضون النهار يعملون ، يشعرون بالإعياء ، ثم ينامون ، يستيقظون ثم يستأنفون يوما آخر . إن الظاهرة المدهشة للأرق كانت تضمن عدم وجود أي انقطاع . يوقف النوم صيرورة . لكن الأرق يكون صافي الذهن في منتصف الليل ، في أي وقت مهما يكن ، ليس ثمة اختلاف بين النهار والليل . إنه نوع من الزمن الذي لا نهاية له .
ميخائيل جاكوب : هل يعيش الأرق في زمنية أخرى ؟
سيوران : بتاتا ؛ إنه زمن آخر وعالم آخر ، بما أن الحياة ليست محتملة إلا بسبب الانقطاع . وفي واقع الأمر ، لماذا ينام البشر ؟ فليس من أجل أخذ قسط من الراحة ، بل بغاية النسيان .
إن الشخص الذي يستيقظ صباحا ، بعد ليلة من النوم ، يخالطه الوهم بالشروع في شيء ما . لكن لو أنكم سهرتم طوال الليل ، فلن تشرعوا في أي شيء . ففي الثامنة صباحا تكونون في نفس الحالة كما هو الحال في الثامنة ليلا والرؤية برمتها بخصوص الأشياء التي تتغير بالضرورة . أعتقد إنني لو لم أكن مؤمنا أبدا بالتقدم ، إذا لم أكن مغفلا مطلقا من جراء هذا التضليل ، فبسبب هذا .
ميخائيل جاكوب : هل يتعلق الأمر بزمن حيث ينظر إلى العالم نظرة سلبية ؟
سيوران : طبعا ، نظرة سلبية أو إيجابية ، كما يشاء المرء ، لكن المرء يمتلك إحساسا مغايرا للزمن . فليس الزمن الذي يمضي ، بل هو الزمن الذي لا يمضي . ثم إن هذا يغير حياتكم . وهذا هو السبب الذي يجعلني أعتقد بأن الليالي البيضاء تعتبر تجربة غاية في الأهمية التي يمكن للمرء أن يقوم بها في الحياة ، إنها تميزكم عن بقية تجربتكم . يفهم المرء جيدا لماذا كان التعذيب فيما مضى ـ أعتقد أن هذا لم يعد موجودا في الوقت الحالي ـ يكمن في منع المتهمين من النوم : ففي غضون ليال معينة يعترفون بكل شيء ! إن سر الإنسان ، سر الحياة هو النوم . فهذا هو ما يجعل الحياة ممكنة . لقد اقتنعت تماما أنه إذا ما تم حرمان البشرية من الهجوع إلى النوم ، فسوف تكون هناك مجازر لا سابق لها ، كان سينتهي التاريخ . لقد فتحت هذه الظاهرة عينيّ بصفة دائمة ، إذا جاز التعبير . إن رؤيتي للأمور هي حصيلة لتلك اليقظات ، أجرؤ على القول ” يقظات الروح ” ، إن ذلك ينم عن غرور ، لكنه في آخر المطاف أقرب إلى الحقيقة . ثم عن إعجابي بالفلسفة يعتبر ظاهرة غريبة ، من أجل اللغة الفلسفية ـ فقد كنت مغرما بالمصطلح الفلسفي ـ حسنا ، إن هذا المعتقد الخرافي ، لأنها خرافة واحدة ، قد تم كنسه بواسطة ليالي الأرق . لأني لاحظت أن هذا لن يستطيع مساعدتي ، لم يكن ليجعلني أتحمل الحياة ، لاسيما في الليالي . وهكذا فقدت إيماني بالفلسفة .
ميخائيل جاكوب : لكنكم وجدتم أصدقاء كثر في الآداب …
سيوران : نعم ، تماما . لقد حدث هذا في الوقت الذي لاحظت فيه أن الفلسفة لا تستطيع مساعدتي ، وأن الفلاسفة ليس لديهم ما يقولونه لي . وفي جميع الأحوال فإني أفضل الكُتّاب ؛ وبالنسبة لي ، فإن دوستويفسكي يعتبر أعظم العباقرة ، أعظم روائي ، من كل ما يرغب المرء ، كل أسماء التفضيل . لقد قرأت الكُتّاب الروس بشكل مكثف ، تشيخوف بالطبع .
ميخائي جاكوب : متى شرعتم في قراءة دوستويفسكي ؟
سيوران : لقد قرأته طوال الوقت . لكني فهمته في وقت متأخر إلى حد ما . فأثناء فترة الليالي البيضاء فهمت رواية الممسوسون . وفي جميع الأحوال ، فأنا لا أحب إلا كبار المرضى ، الحقيقة أقول أنه بالنسبة لي أن كاتبا ليس مريضا ، يظل من الدرجة الثانية بشكل شبه آلي .
ميخائيل جاكوب : إن كتابكم عن الدموع والقديسين هو كتاب دوستويفسكيٌّ بامتياز مع هذا التصور للمرأة بغي وقديسة في نفس الوقت …
سيوران : نعم ، فعلا . سوف أحكي لكم ما الذي جعل هذا الكتاب يكتسي أهمية معينة في حياتي . فقد كتب في مدينة براشوف وشكلت أول سنة أشتغلت فيها … كنت أشتغل أستاذ فلسفة بالثانوية ، إلا أنه سرعان ما تبدت لي تلك المهنة مهنة مستحيلة ؛ لم تكن في حوزتي سوى فكرة واحدة : تركها والذهاب إلى فرنسا من أجل الفرار من هذا الوضع . لقد شكل انتقالي إلى ثانوية براشوف كارثة حقيقية ، فقد كانت لي قصص مع تلامذتي ، الأساتذة ، ناظر المدرسة … باختصار ، مع الجميع . لقد نجحت في آخر المطاف في الهجرة إلى باريس ، لكن كما قلت لكم في وقت سابق ـ عندما ظهر كتابي حول القديسين ، الكل تكتل ضدي . باستثناء شابة أرمنية تبلغ من العمر سبعة عشر عاما، كتبت لي رسالة مؤثرة . شكل ذلك خيبة أمل بالنسبة لي ، جعلني أفهم تماما أنه لو كان لدي قلق ديني ، ما كنت لأؤمن أبدا . وفي الحقيقة فقد فقدت وهما أساسيا …لقد أعدت قراءة المتصوفة ، لكن ما أعشقه لديهم هو جانب المغالاة ولاسيما كون أنهم كانوا يتكلمون مع الله رجلا لرجل ، إذا جاز لي قول ذلك … وبالنسبة لي فقد حاولت عبثا تعذيب نفسي ، ومع ذلك فقد ظل الإيمان شيئا مستحيلا . وحتى في الوقت الحالي ليس بإمكاني القول بأني روح ديني تماما ، فما ألاحظه هو استحالة الإيمان . إن الاعتقاد هبة . بطبيعة الحال ثمة كم هائل من الناس يعمل على الحفاظ على هذا الالتباس بخصوص هذا الموضوع ، على أنه بالنسبة لي يعتبر شيئا مستحيلا .
ميخائيل جاكوب : لذلك فقد كان الفلاسفة المتصوفون في تلك الفترة بالذات ، بالنسبة لكم أكثر أهمية من هيغل أو كانط …
سيوران : غاية في الأهمية . لقد لعبت القديسة تريزا الأفيلية دورا هاما في حياتي ؛ لقد ارتج كياني أيما ارتجاج بقراءة سيرة إديت شتاين Edith Stein) ( … هل تعلمون كيف اهتدت إلى المسيحية ؟ ذهبت في يوم من الأيام عند صديقة فيلسوفة ، وبما أن هذه الأخيرة تركت لها رسالة بأنها سوف تعود بعد ساعة لاحقا ، عثرت إديت شتاين بالصدفة ، أثناء الانتظار ، على حياة القديسة تيريزا الأفيلية فوقعت أسيرة لذلك تماما … لقد كان ذلك أصل اهتدائها . وعلى الرغم من ذلك ، ففي كافة المقالات حول إديت شتاين ، فإن المرء يصاب بالدهشة ويجد أن ذلك أكثر غرابة ، لكن الأمر ليس كذلك : تمتلك تيريزا أسلوبا يرج كيانكم بالفعل … وبطبيعة الحال فأنا لم أهتد ، لأني ليست لدي رسالة دينية ؛ فقد تعلمت من القديسة تيريزا الشيء الكثير ، فقد تأثرت ” من وجهة النظر الأدبية ” ، لكن المرء يولد مع الإيمان … بإمكاني المرور بكافة الأزمات ، ماعدا الإيمان الذي يعتبر أزمة أيضا ، لكنها شكل من أشكال الأزمة التي ليست أزمتي . بمعنى أنني أستطيع معرفة المرور بأزمة ، لكني لا أستطيع تعرف الإيمان . إني معجب بتيريزا الأفيلية إعجابا لا حدود له ، لحرارتها ، للجانب ” المعدي ” . لكني لم أخلق لكي أكون مؤمنا ؛ يظل الإيمان بالنسبة لي واحدا من الذهنيات الأكثر جاذبية ؛ لقد جعلت من نفسي أضحوكة ، لأنه في ذلك العهد لم أكن أتكلم إلا عنه في كل مكان وحيثما ذهبت .
ميخائيل جاكوب : هاهو ذا إنسان لا يخفي أهواءه …
سيوران : طبعا ، بالتأكيد . لكن فبدلا من شخص شغوف ، فأنا شخص مهووس . لابد لي من استنزاف هذا . فلا يمكن أن تُغير وجهة نظري بواسطة البراهين ، بل فقط بالإنهاك ، باستنزاف استحواذ ما . لهذا ارتباطات مع الإيمان . لكني أعتقد أن ما يعتبر ذا أهمية في الحياة هي اللقاءات ، الأمور الصغيرة ظاهريا . لطالما كنت مفرط الحساسية ، لطالما تحدثت إلى مجهولين وقد تعلمت منهم الكثير من خلال تلك اللقاءات : فهذا هو الأهم . ولاسيما فأنا لدي نقطة ضعف تجاه النماذج المزعجة إلى حد ما . لقد تعرفت في رومانيا ، من بين سكان سبيو الذين يبلغ تعدادهم ستين ألف نسمة ، كافة النماذج المختلة عقليا إلى حد ما .
ميخائيل جاكوب : والشعراء أيضا …
سيوران : الشعراء أيضا ، إنهم يشكلون جزءا لا يتجزأ من ذلك … من ثم هناك تلك الظاهرة البلقانية جدا : المخفق ، بمعنى شخص موهوب جدا لا يحقق ذاته ، ذلك الذي يعد الكل دون أن يفي بوعوده . إن كبار أصدقائي برومانيا لم يكونوا كتابا في شيء ، بل الفاشلين . لاسيما ثمة رجل أثر في تأثيرا كبيرا ، شخص قام بدراسة اللاهوت والذي كان يتوجب عليه أن يصبح قسيسا ؛ فقط كان يتوجب عليه أن يعقد قرانا من أجل هذا . وغداة الزواج ، بينما الجميع كان في انتظاره ، فقد قال في نفسه أن ذلك كان جنونا ثم اختفى . تم انتظاره طيلة يوم بكامله بالكنيسة ، لكنه بكل بساطة اختفى ولم يظهر له وجود منذ شهور . لقد مارس علي تأثيرا كبيرا . لم تكن له أي موهبة ، لم يكن قادرا على الكتابة وكان يقرأ النزر القليل ، لكن معرفته بالطبيعة البشرية ، سيكولوجيته الفطرية كانتا رائعتين بكل بساطة . لم ألاحظ أبدا أنه خطأ في حق أي شخص . كان يتمتع بصفاء ذهني إجرامي وعدواني . كنت أخالطه بانتظام ، ومن بين الذكريات الأكثر تميزا في حياتي ليلة قضيناها معا في مدينة براشوف ، إلى حدود الساعة الخامسة صباحا ، في الشارع . تسكعنا طيلة ليلة بكاملها ، وفي غضون ذلك النقاش شعرت بالدوار لأننا قمنا بتهشيم كل شيء معا ، كل شيء تماما . فقد كان أقوى مني في الإنكار ، أقوى بكثير . أيضا لقد روى لي كما هائلا من أسرار حياته خلال تلك المحاورة الليلية ، أمورا لم يكشفها إلى أي أحد . لا أرغب في القول إني أدين له مباشرة بالكثير ، لكن على أي حال فقد كان محاورا غاية في الأهمية بالنسبة لي ، فمعه فهمت إلى أي مدى يمكننا الذهاب . ففي الإنكار ، فقد ذهب حقا إلى النهاية .
ميخائيل جاكوب : واستمرار إنكاركم في الكتب ؟
سيوران : تواصل في الكتب ، على سبيل المثال لا الحصر . وفي كل الأحوال فإن هذا الرجل كان يمثل بالنسبة لي حالة ميؤوسا منها وخطيرة من نفاذ البصيرة . وفي الواقع فإن نفاذ البصيرة ليس متطابقا بالضرورة مع الحياة بأي حال من الأحوال . إن هذا النوع من النفي يمكن أن يذهب إلى أبعد من الانتحار ، لإنه العدم حقا ، يتم الوصول إلى الوعي المطلق بالعدم . وهذا الشيء ليس منسجما تماما مع الوجود ، لابد من قول ذلك . ففي تلك الظروف ليس من اختيار أمام المرء إلا اختيار الانتحار أو أن يصبح متدينا أو أن يفعل لا أدري ماذا ؛ إنه حد أقصى بلغته مرات عديدة في حياتي ، لكن أبدا مع حدة هذا الرجل . إن ما كان يعتبر غريبا جدا ، هو أنه كان رجلا بدينا جدا ، يعطي الانطباع بأنه أكثر رخاء وأكثر هدوءا . لقد دمر كل العالم من أجلي ، كل أصدقائنا المشتركين ، كل شيء لم يكن شريرا ، لم يكن وغدا ، بل كان عاجزا على التوفر على أدنى وهم بخصوص أي شيء مها يكن . ثم إن هذا يمثل شكلا من المعرفة لأنه في الأساس ، ماهي المعرفة ، إن لم تكن نسف شيء ما ؟
ميخائيل جاكوب :هل المعرفة عليلة ؟
سيوران : ليست المعرفة عليلة فقط ؛ إن كل معرفة يدفع بها إلى أقصى الحدود تكون خطيرة وعليلة ، لأن ـ أتحدث عن الحياة ذاتها وليس عن المعارف المسماة فلسفية ـ تكون محتملة فقط لأن المرء لايذهب إلى أقصى الحدود . إن مشروعا لايكون ممكنا إلا في حالة امتلاك المرء لحد أدنى من الأوهام ، وإلا سيكون غير ممكن ، والصداقة أيضا . إن التبصر التام هو العدم . سوف أعطيكم مثلا لكي أبرز لكم الجانب الشيطاني لصديقي . وذات يوم أغرمت بفتاة . فقد لاحظ بأن تلك الفتاة فتنتني غاية الافتتان ثم قال لي : ” هذا مناف للعقل تماما . ” لقد التقيتها مؤخرا ، فقد كان حبا من النظرة الأولى ، كان يعرف ذلك لكنه واصل : ” هل شاهدت رقبتها ؟ ” أجبت بأني لم أبدأ بذلك . ” لاحظ جيدا ” ، قال لي ، فوجدت أن ذلك يشكل حماقة كاملة ، حقارة لا مثيل لها ، ومع ذلك فقد قمت بذلك ، نظرت واكتشفت زرا على عنقها : لقد أفسد علي كل شيء . لقد أثر في ذلك بشكل رهيب ، ذلك الشيطان الموجود بداخله . ومن السخافة أن هذا الشخص أصبح قسيسا وكان عليه أن يشعر بذلك بشكل لاواع كي يرحل يوم زواجه . لقد كانت له رؤية سلبية عن الحياة ، لكن الرؤية السلبية للحياة ليست بالضرورة معرفة خاطئة ، إنها شكل لا ينسجم مع الحياة ذاتها .
ميخائيل جاكوب :الم يكن هذا الشخص نتاجا خالصا للعالم البلقاني ؟
سيوران : شيء بديهي بسبب افتقاره إلى معيار . تجاوز الحدود المعقولة . الغرب ، الحضارة الفرنسية ، فكرة الكياسة برمتها ـ ماذا يعني هذا ؟ إنها حدود يتم القبول بها بسبب التفكير . لا ينبغي الذهاب إلى أبعد الحدود ـ لا يستحق ذلك هذا العناء ـ إنه شيء مبتذل . على أنه لا يمكننا الحديث عن حضارة في البلقان ؛ لا توجد معايير لذلك . يتم حث المرء على الإفراط ، والعالم الروسي ، الأدب الروسي إلى حد ما . فأنا على سبيل المثال لدي حساسية مفرطة تجاه ظاهرة السأم .سئمت طيلة حياتي ـ كما أن الأدب الروسي يدور حول السأم ، إنه استمرار العدم . أنا نفسي عشت ظاهرة الملل ربما بطريقة مَرَضية ، لكني كنت أقوم به لأني كنت أرغب في إضجار نفسي . الإشكال هو حينما تصاب بالملل في كل مكان ، انتهى كل شيء ، أليس كذلك ؟
ميخائيل جاكوب : هل يشكل السأم بهذا المعنى جزءا لا يتجزأ من مقولة الزمنية التي هي مغايرة ، مختلفة ؟
سيوران : طبعا ، تماما ، لأن السأم هو في آخر المطاف يكون مركزا على الزمن ، هول الزمن ، الخوف من الزمن ، كشف الزمن ، الوعي بالزمن . فأولئك الذين لا يمتلكون وعيا بالزمن لا يتسلل الملل إليهم ؛ إن الحياة لا تكون قابلة للتحمل إلا حينما لا نكون واعين بكل لحظة تمر وإلا كنا في وضع ميؤوس منه .
ميخائيل جاكوب : أود أن ألتمس منكم قبل أن تتكلموا لي عن مجيئكم إلى فرنسا ـ رواية بعض الأمور بخصوص تجربة مغايرة غاية في الأهمية عيشت برومانيا : الاحتلال المجري وما سببه من معاناة لطفل روماني ، مثل شخصية الدركي المجري …
سيوران : كنت أقيم ، كما سبق لي قول ذلك ، في قرية صغيرة ثم إن هذا الشرطي الذي كان يمثل السلطة كان يرعبنا . لا يمت هذا بصلة إلى القومية ، كنت طفلا في ذلك العهد ؛ لكن هذا الشخص بالزي الرسمي لم يكن يتكلم اللغة الرومانية شكل حضورا غريبا في قرية جبلية . لم يكن هذا ينسجم في شيء مع مشاعر أبويّ اللذين درسا باللغة المجرية . لم تكن النزعة الوطنية تمتلك النسب التي ستعرفها فيما بعد ، بما أنه كان ثمة شيء في الإمبراطورية النمساوية المجرية كنت سأسميه خرافة الشرعية . مبدئيا كان ثمة خطب ما ، لكن ضمن الروتين اليومي ، فعلى الرغم من ذلك كان ثمة احترام للآخر . لم يكن ذلك في واقع الأمر استبدادا ، إنه شيء آخر ؛ وهو كون أن وجود ستة شعوب كانت تسكن في نفس الإقليم فتحول أحدها إلى سلطة ـ هذا هو الإشكال ، ولم يكن يمت هذا بأي صلة إلى الكراهية . إن ذلك أكثر تعقيدا من صورة الدركي المجري الذي كان يزرع الخوف في طفل صغير . يظل إقليم ترنسلفانيا ظاهرة فريدة في رومانيا . فلما أقمت به فقد شكل ذلك جزءا لا يتجزأ من إمبراطورية لم تكن أكثر سوءا من هذا !
ميخائيل جاكوب : هل كانت لكم في فترتكم الرومانية قراءات باللغة الرومانية ؟ أطرح عليكم هذا السؤال لأننا تحدثنا عنه قبل الشروع في حوارنا ، عن جورج باكوفيا …
سيوران : شخصيا ، لا أهتم كثيرا بالأدب الروماني ؛ طبعا لدي اهتمام بباكوفيا ، لأنه كان معروفا جدا . وفي جميع الأحوال ، فلم يكن هناك ما هو أصيل سوى الشعر . وأنا نفسي قرأت في ذلك العهد وبشكل خاص الفلاسفة .
ميخائيل جاكوب : هل قمتم في تلك الفترة بالذات بالتعرف على مرسيا إلياد ؟
سيوران : نعم ، أتذكر أنه عاد لتوه من الهند . لقد كان الروماني الوحيد الذي ذهب إلى هناك وجلب معه شيئا جديدا تماما من أجلنا ، شيئا مهما للغاية . لقد كنا صديقين في تلك الفترة ، أكثر بكثير من الفترة اللاحقة . كان بيننا ثمة صراع علني خطير جدا بسبب امرأة . الآن وقد وافته المنية ، بإمكاني سرد ذلك ، ما المانع من ذلك ؟ لقد كان هناك ممثلة ميتافيزيقية ، شيء نادر في رومانيا ، امرأة عاطفية جدا وممثلة بارعة جدا . سقطت في غرام إلياد الذي كان يافعا ، سيعود من الهند … إنها نادرة ، لكن لهذا معنى ، على الرغم من ذلك . تعرفت عليها في بوخارست وأصبحنا صديقين ؛ لم أعشقها جسديا مطلقا ، لقد كانت أكثر ريفية بالنسبة لي ، ريفية روسية مولدافية ، كانت ذات رأس ريفية روسية ، لكنها كانت امرأة مثيرة للاهتمام إلى حد بعيد ومثقفة . كانت مجنونة بحب إلياد وقد التقيا بسيبيو . حلت بقرية سيبيو قبل عشرة أيام ، وهكذا تلقيت برقية من إلياد قائلا لي أنه أنه لن يأتي . أغمي عليها في حضوري وخلت أنها على وشك الموت . لقد تخلى عنها إلياد وفعل ذلك بطريقة بلقانية . بعد ذلك كتبت مقالا عنيفا جدا ضد إلياد ولا أحد فهم مغزاه ، كان نوعا من الإعدام .
ميخائيل جاكوب : لكن هل فهم إلياد المقال جيدا ؟
سيوران : قطعا ، كان ذلك هو سبب المقال نفسه . لم أعمل على إعادة نشر هذا النص ، لكني لمحت إليه في كتابي تمارين في الإعجاب وفيه تطرقت أيضا إلى إلياد . لقد خلق ذلك بيننا شيئا لم يكن مجرد قطيعة ، بل شيئا خطيرا للغاية . لقد أدليت بدلوي في موضوع دقيق للغاية وتجاهل مقالي إلى حد كبير عمله وشخصه ، كل شيء .
ميخائيل جاكوب : إن ماهو أعمق في هذه النادرة ، هو أنها تبرز إلى أي درجة أن الكتابة تقنع صوتا دفينا …
سيوران : ثمة أمور سفلية لكافة أفعالنا ، وهذا هو ما يعتبر مهما بشكل سيكولوجي ، فنحن لا نعرف إلا ما هو سطحي ، الجانب السطحي . يتم الولوج إلى المصرح به ، إلا أن ما هو أهم ، هو ما لم يتم الإفصاح عنه ، ما هو ضمني ، سر موقف أو كلام . فلهذا السبب أن كل أحكامنا حول الآخرين لكن أيضا حول أنفسنا تعتبر أحكاما خاطئة جزئيا . يظل الجانب الوضيع مموها ، لكن الجانب التافه يكون عميقا وسأقول أن ما يعتبر أكثر عمقا لدى الناس هو ما يتعذر علينا بلوغه . فلهذا السبب نجد أن الروايات هي نوع من التمويه ، نوع من العرض دون التصريح . والكتاب الكبار هم أولئك الذين لهم إحساس ب”تلك الجوانب السفلية ” ، ودوستويفسكي خاصة . إنه يكشف عما هو أعمق وتافه ظاهريا ، بل أكثر مما هو تافه ، بل ما هو أكثر مأسوية ؛ هؤلاء هم السيكولوجيون الحقيقيون . أعرف الكثير من الأشخاص الذين كتبوا روايات لكنهم أصيبوا بخيبة أمل ـ وحتى مرسيا إلياد كتب روايات عديدة وأخفق ـ لماذا ؟ لأنهم لا يعبرون إلا عن الظواهر السطحية وليس عن أصل الأحاسيس . من الصعوبة بمكان الإمساك بأصل إحساس ما ، لكن هذا هو ما يكتسي أهمية أكثر ويصدق على كل ظاهرة : لكل ظاهرة : بالنسبة للإيمان الديني ، إلخ . كيف بدأ هذا ؟ لماذا استمر ؟ ـ هذا هو الرهان وهو وحده من يستطيع التنبؤ من أين يأتي ذلك . ولا يتأتى هذا من التفكير .
ميخائيل جاكوب : وفي قراءاتكم هل تبذلون قصارى جهدكم لاكتشاف ذلك ” الأصل ” ؟
سيوران : طبعا ، وفي حياتي أيضا . إن ما هو معبر عنه ما هو إلا جزء من الفكر ؛ ينفلت منا جزؤه الحقيقي في غالب الأحيان ، وبصفة دائمة تقريبا . ولهذا السبب ثمة أيضا قلة من الروائيين الحقيقيين ؛ يستطيع كل واحد كتابة رواية ، لكن لا يتعلق الأمر فقط بكتابة ذلك . ويعتبر دوستويفسكي من وجهة نظري الوحيد الذي ذهب حتى أصول الأفعال ؛ يُلاحظ جيدا أن شخصياته تقوم بفعل هذا أو ذاك ، إلا أننا لا نرى ذلك مباشرة . إن موقفي لا يمت بصلة إلى التحليل النفسي ، لاشيء على الإطلاق ، لأن هذا الأخير يرغب في الإشفاء ، لكن ليس هذا هو الأهم . إنه الشيطان الذي يسكن الكائنات هو الذي يهم ـ لكن كيف إدراك ذلك ؟
ميخائيل جاكوب : وكيف تقرؤون الشعر ؟ انطلاقا من هذا النوع من المسلمات ؟
سيوران : بالتأكيد . ما الذي يجعل شخصا ما شاعرا جيدا وآخر لا ؟ في حين أن الآخر يكون أكثر براعة ؟ ما الذي يجعل شعره لا يصمد ؟ فلأن ما يصنع أصل الأفعال ، ما هو أعمق ، لا يحدث ؛ إنه شيء رائع ، جدير بالاهتمام ، شعري ، ولكن من دون إضافة أي شيء . ما الذي يجعل شخصا آخر لديه موهبة أقل شاعرا كبيرا جدا ؟ لماذا يكون شخص ما عبقريا ، بمعنى أكثر من موهبة ؟ لأنه نجح في نقل شيء ما ينفلت منا ، والذي ينفلت منه هو ذاته . إنها ظاهرة تظل إذن ملغزة . ثمة في الوقت الراهن العديد من الأشخاص الذين يكتبون أقوالا مأثورة ، تحول ذلك إلى موضة في فرنسا . فإذا قرأتم ، فليس أكثر سوءا من هذا ، إلا أن ذلك يستنفد في صيغ القول ، فليس لهذا امتداد . فليس المرء في حاجة إلى تعميق ذلك ، ليس هناك ما يمكن عمله ، إنه اعتراف بدون أسرار . لا يخفى هذا شيئا ، بالرغم من أن كل شيء تمت صياغته صياغة جيدة ، يمتلك معنى من المعاني ، إلا أن ذلك يظل بدون مستقبل . إن ما يشكل سر كائن ما ، لا ندركه في ذاته . وهذا هو ما يصنع أهمية للحياة ، التجارة بين الأشخاص وإلا انتهى بنا المطاف في حوار عبثي .
ميخائيل جاكوب : لكن هذا يزداد تعقيدا في حالتكم ، مع التسليم إدراككم هذه الحقيقة مع الكثير من بعد النظر . كيف نكتب ، كيف نقول شيئا ما كي لا نقوله ؟
سيوران : لا نقول في معظم الأحوال إلا جزءا مما نرغب في قوله . إنها النغمة الأكثر أهمية . لدينا نغمة ، ليس فقط مثل موسيقى ، لكن بشكل عام ، من أجل كل ما نقوم بفعله . في معظم الأحيان ثمة نقص في النغمة ، لكن النغمة غير موجودة بكل بساطة . ثم إن هذا ملغز للغاية حقا ، لأننا لا نستطيع تعريفه ، نستطيع الإحساس به فقط . فعلى سبيل المثال تفتحون كتابا ، تقرؤون صفحة منه في غاية الأهمية بالرغم من ذلك ، لماذا لا يقول لكم هذا شيئا ؟ ومع ذلك فإن الأمر لا يخلو من فائدة ، لكننا لا نحس فيه بالامتدادات .
لا نعرف من أين تنبثق تلك النغمة الملغزة جدا ، ثمة نوع من اللاواقعية ، ضمن كل ما يعتبر أدبا . وهو ما يسمى نقص الضرورة ـ لكن لماذا نقص الضرورة هذا ؟ ففي التجارة اليومية مع الناس نفس الشيء . تلتقون شخصا لم ترونه منذ مدة طويلة ؛ تتحدثون لساعات ، لكنه العدم . تلتقون شخصا آخر ، تتحدثون إلى بعضكم البعض ثم تعودون إلى البيت مكدري الذهن . فهذا هو الأصالة الحقيقية للبشر ، ما يخفون والذي يتم اختراقه على الرغم من ذلك فيما يقولون .
ميخائيل جاكوب : إن ذلك أشبه بالموسيقى ؟
سيوران : مثل الموسيقى تماما . وبالنسبة لي إن الناس الذين يقولون : ” لا تعني الموسيقى بالنسبة لي أي شيء ” ، أعتقد أن الأمر قد حسم فيه ، لست في حاجة إلى الاستمرار ، إنه شيء بالغ الخطورة ، لأن الموسيقى تلامس تحديدا ذلك ، ما هو أكثر حميمية لدى بعضهم . ليس لدي أي قاسم مشترك مع ذلك الذي لا يتذوق الموسيقى ، إنها جاذبية بلا اسم ونوع من اللعنة التي لا يدركها المرء .
ميخائيل جاكوب : عند الحديث عن الموسيقى لا بد من التفكير مباشرة في باخ ضمن حالتكم ، باخ الذي استحضرتموه سلفا …
سيوران : يعتبر باخ إلها في تصوري . من غير المعقول تصور أناس لا يفهمون باخ ، ومع ذلك فإن هذا موجود . وفي حقيقة الأمر فأنا أعتقد أن الموسيقى هي الفن الوحيد القادر على خلق تواطؤ عميق بين كائنين . ليس الشعر ، وحدها الموسيقى . إن من لا تؤثر فيه الموسيقى يعاني من عجز كبير . شيء لا يصدق أن أحدا لا يتأثر بشومان أو باخ ، في حين إنني أقر جيدا بأن شخصا ما يستطيع إثبات عدم رغبته في الشعر . على أنه في حالة الموسيقى فإن الأمر مختلف ، إنه شيء في غاية الخطورة .
ميخائيل جاكوب : متى تستمعون إلى الموسيقى ؟
سيوران : في كل وقت وحين ، ولاسيما في الوقت الراهن ، فأنا لم أعد أكتب . فقد توقفت عن الكتابة ، وأعتقد أنه لا جدوى في الاستمرار ، لكن هذا الجفاف يتم ملؤه بالموسيقى . إن الحياة بدون موسيقى هي في حقيقة الأمر حماقة بالنسبة لي . على أن المرء ليس بحاجة للكتابة مع التسليم بأنه لا يمكن التعبير بعبارات عن إحساس من طراز موسيقي .
إذن فلا شيء مما يصنع معنى الموسيقى يمر إلى الكتابة . ولماذا الكتابة في تلك الظروف ؟ وفي كل الأحوال لماذا الكتابة بشكل عام ؟ لماذا مضاعفة الكتب ، يرغب المرء بأي ثمن أن يكون كاتبا ؟ علاوة على ذلك فإن الجميع يكتب أكثر مما ينبغي ـ إنها المأساة منذ أمد بعيد ، فائض الإنتاج عديم الفائدة هذا وعديم الجدوى ، الكل يكتب ، وخصوصا في باريس ؛ لكن لماذا ؟ أنا شخصيا ، اعتقدت إنني سوف أتوقف عن الكتابة أو أكتب النزر القليل ، على أي لن أستسلم للعبة . الآن قد فهمت أنني لم أعد أرغب أبدا في الاستمرار في هذه المهزلة . قبل ذلك لم تكن مهزلة لأن فعل الكتابة كان يتطابق ، مع ذلك ، مع نوع من الضرورة . لقد كانت طريقة في التخلص من نفسي . لابد من القول أن الطريقة الوحيدة لتبسيط كل شيء هي التعبير . فحالما تكتبون شيئا ما ، فإن ذلك يفقد على الفور لغزه ، لقد انتهى الأمر ؛ إنكم قتلتم الشيء وقتلتم أنفسكم . يقوم هذا بملء وظيفة لدي ولكن ليس بعد الآن . لاحظت أن الأشخاص الذين لا يكتبون لديهم أكثر من الموارد ما ليس لمن يكتبون ، لأنهم يمتلكون كل شيء بداخلهم . لكن كون أن يكتب المرء ، هو أن تخرجوا من داخلكم ما كان يعتبر غاية في الأهمية . إذن إن من يكتب هو شخص يفرغ نفسه . وفي نهاية حياة ما يكون العدم وهذا ما يجعل الكتاب يتمتعون بأهمية أقل . أتصور ذلك بجد ، إنهم أفرغوا أنفسهم بأنفسهم ولاتزال هناك بقايا منهم تستمر ، إنهم دمىً . أعرف عددا لا بأس به من الكتاب وما أقوله لكم يطابق تماما الحقيقة . إنهم كائنات أكثر تألقا ، لكن لم يعد لهم وجود بعد؟
ميخائيل جاكوب : وشخص مثل بيكيت ؟ كيف تصنفونه بين الكتاب الذين تترددون عليهم ؟
سيوران : تعرفون أننا لا يرى بعضنا بعضا إلا لماما في الوقت الحالي . لكن بيكيت هو شخص ثاقب الذهن دائما تماما ، والذي لم يتصرف ككاتب . هذه القضية لا تطرح لديه ـ إن ما هو أجمل في حالته ـ لأنه لم يسبق له أن تفاعل مثل كاتب . إنه ليس ” متحمسا ” في شيء إطلاقا مثلنا ، نحن جميعنا ” متحمسين ” ، أما هو فيوجد فوق ذلك ، له أسلوب حياة ، إنها حالة استثنائية تماما . لكن بصفة عامة ، فقد لاحظت أن الأشخاص الذين أنتجوا بإفراط في بعض المجالات أيا كانت هم دمى ، في غضون زمن معين . ولهذا السبب نجد أن الحضور القوي هم في غالب الأحيان اشخاص لم ينتجوا شيئا ، أشخاص راكموا كل شيء .
ميخائيل جاكوب : هل قررتم قبل مجيئكم إلى فرنسا عدم العمل في هذا البلد ؟
سوران : طبعا ، لقد فهمت أنه ينبغي القبول بأي إذلال مهما يكن أو معاناة من أجل رفض ممارسة مهنة ما ، للقيام بأمور لا نحبها ولا يمكننا محبتها ، لممارسة كل عمل لا شخصي . فقط بعمل مادي . سوف أقبل بكنس الأزقة ، أي شيء ، لكن ليس الكتابة ، أو ممارسة الصحافة ! كان يتوجب القيام بكل شيء لتجنب كسب لقمة العيش . لكي نكون أحرارا لابد من تحمل أي إذلال مهما يكن لقد كان ذلك برنامجي تقريبا في حياتي . ففي باريس نظمت جيدا حياتي ، إلا أن الأمور لم تسر كما توقعتها . تسجلت بجامعة السوربون وخلال سنوات ، إلى حدود أربعين سنة ، كنت أتناول وجبة الأكل بالجامعة بوصفي طالبا . ولكن للأسف فعند بلوغي أربعين عاما تم استدعائي وقيل لي : ” سيدي ، الآن كل شيء انتهى ، ثمة حدود للسن ، لقد تم تحديد ذلك في السابعة والعشرين سنة . ” وفجأة انهارت كافة مشاريعي في الحرية . أتذكر أنني كنت نزيلا بفندق قريب جدا من هنا ، علية رائعة لطالما أحببتها وقلت في نفسي : الآن الوضع خطير جدا . حتى الآن تم حل المشكل تلقائيا : كل كنت أحتاجه هو التسجيل بجامعة السوربون لتناول وجبة الطعام مجانا تقريبا في مسكن الطلاب . ما العمل ؟ كانت تعوزني الوسائل لتناول الطعام في المطعم أو العيش بشكل طبيعي . ربما لم يسجل هذا منعطفا في حياتي ، لكنه كان قلقا استثنائيا . ومع ذلك ، مثلما قررت القبول بكل شيء ، ماعدا فعل ما لا نرغب فيه ، لقد عقد ذلك حياتي إلى حد كبير . ولحسن الحظ ثمة غرفة كانت لا تزال بالفندق كان يؤدى عنها شهريا لا تكلف شيئا تقريبا . كنت معجبا حقيقة بتلك العلية الرائعة التي توجد على مسافة قريبة جدا من هنا ، شارع السيد لوبرانس . وفجأة لاحظت أنه كان يتم طرد الأشخاص الذين لا يؤدون سومة الكراء شهريا مثلي ، مع استثنائي من ذلك . كنت أعرف المسؤول ولم يجرؤ ، لكني قلت في نفسي : سوف يأتي يوم ، لابد إذن من إيجاد شيء آخر ، لأنه خلافا لذلك سوف تكون نهايتي . ففي عام 1960 قمت بنشر كتاب تحت عنوان تاريخ ويوتوبيا وكنت أعرف سيدة كانت تهتم بالشقق . أرسلت لها كتابي ، ووعدتني بتقديم المساعدة وبعد مضي أيام ثلاثة حصلت على هذه الشقة بثمن زهيد ، كان يتعلق الأمر بإيجار قديم . من غير الممكن رفع سومة الكراء وكوني أشد رعبا من الشيخوخة فقد أفدت من ذلك ، وإن كنت أعتقد أن ذلك ظلم كبير بالنسبة لمالك العقار . وهكذا توصلت إلى حل مشكلتي وكل هذا كان ضروريا من أجل العيش دون ممارسة أي مهنة . لكن كل هذا انتهى ، ولم تعد تلك الإمكانية متاحة لشباب اليوم . ثمة شباب قاموا بزيارتي قائلين لي إنهم يرغبون في حياة مثلي . لكن لقد فات الأوان .
عندما حللت بباريس ، ثمة غرف كانت تؤجر شهريا وبالإمكان استئجارها تبعا للمدة التي يرغب فيها المكتري ، لكن هذا اختفى ، ولم يعد ممكنا الآن .
ميخائيل جاكوب : لكنكم واصلتم الاشتغال ، الكتابة بالرغم من ذلك ، ونشرتم الكثير في المجلة الفرنسية الجديدة ؟
سيوران : طبعا ، هذا صحيح . من غير الممكن بتاتا العيش في الفردوس ـ ليس في الجنة ، أن تعيش عالة على غيرك ، لقد فهمت أنه كان لابد من الكتابة ثم إن هذا يتماشى بالتأكيد مع حاجة ما . نشرت أول كتاب لي بالفرنسية ، رسالة في التحلل بعد ذلك كانت لدي مقاصد مبهمة وتساءلت مع نفسي في ذلك العهد ما جدوى مضاعفة الكتب . لماذا ؟ وفي كل الأحوال ، فما يتبقى من شخص ما هو بضع جمل ، أليس كذلك ؟ على أنه ينبغي القول أن الأيام طويلة جدا ، وبالتالي فقد كان بالتأكيد ثمة شكل حيوي على المحك ، حاجة إلى البروز . لقد كنت غير معروف تماما منذ ثلاثين سنة ، لم يتم بيع كتبي بتاتا . لطالما قبلت بهذا الوضع والذي كان يتطابق مع رؤيتي للأشياء ، حتى اللحظة التي توصلت فيها إلى كتب الجيب . وشخصيا ، فأنا مع كتب الجيب ، قد يبدو هذا متناقضا ، لكني أجد أنها الطريقة الوحيدة للتأثير حقا في القراء الذين يهتمون بإخلاص بكم . ثم إنها آلية لكل مهنة أدبية ؛ إلا أن السنوات الوحيدة التي اكتسبت أهمية هي سنوات الهوية المجهولة . فأن تكون غير معروف لهو نوع من التلذذ ؛ ولقد كان لذلك جوانب أليمة أحيانا ، لكنها حالة رائعة . فقد كان يتم تقديمي خلال سنوات في الصالونات الأدبية ـ لأنها كانت فترة كنت أعشق فيها شرب الكثير من الويسكي وكما إنني لم أكن قادرا على شراء ذلك فقد كنت أذهب إلى حفلات الاستقبال ـ وكان يتم تقديمي دائما باعتباري صديقا ليونسكو وبيكيت . لكنني كنت أفضل كثيرا ذلك الشرط ، ولم لا ؟ لماذا يكون المرء معروفا ؟
ميخائيل جاكوب : لماذا قررتم فجأة الكتابة بالفرنسية ؟
سيوران : أسوق لك سبب ذلك . اتخذت القرار ألا أعود إلى رومانيا . لقد انتهى الأمر بالنسبة لي ، كل ذلك كان يبدو لي أصبح من الماضي فعلا بالمعنى الشامل للكلمة . كنت على مقربة من مدينة دياب Dieppe) ( ، في البحر ، في صيف 1947 ، في قرية ، وحاولت ترجمة مالارميه باللغة الرومانية . وفجأة قلت في نفسي : ” لست مؤهلا لذلك ” ، وبشكل مفاجئ اتخذت القرار بضرورة الكتابة بالفرنسية . حتى ذلك الحين قمت بشكل غريب ، بتهميش الفرنسية ، بينما درست بشكل مكثف الإنجليزية كما تابعت دروس شهادة التبريز في اللغة الإنجليزية بالسوربون . إن عزمي باتخاذ اللغة الفرنسية لغة كتابة ـ هو قرار اتخذ في لحظة تبين أنه كان غاية في الصعوبة في تحققه أكثر مما كنت أعتقد . لقد كان ذلك بمثابة ألم مبرح ؛ ليس أول مسودة ، بل إعادة كتابة الكتاب . ثم إني كتبته مرات أربع ، كتابي الأول ، فقد جعلني ذلك أشمئز من الكتابة . بعد كتابة رسالة في التحلل ، قلت في نفسي لاجدوى من مواصلة تعذيب نفسي . ثم قمت بنشر كتاب القياسات المنطقية للمرارة بسبب الإرهاق . لاجدوى من صياغة جمل ، إلخ . وعلى الرغم من ذلك فقد تواصل المسلسل ولابد من القول أيضا أن جان بولهان (Jean Paulhan) التمس مني طيلة الوقت بهدف المساهمة في المجلة الفرنسية الجديدة . عقب ذلك قطعت عهدا على نفسي بذلك ، كي أعذب نفسي للقيام بذلك ، كنت بعدئذ أرغب في الوفاء بعهدي وهكذا وجدت نفسي داخل سلسلة من الأحداث المعقدة . أقررت تماما إنني كنت أتواجد على الهامش ، كنت مغمورا جدا ، إلا أن ذلك ليس مزعجا في آخر المطاف . وتلك هي أعوام حياة كاتب ما ، الكاتب بدون قارئ ـ مع معرفة بقلة من الأشخاص وهذا كل شيء ـ ؛ إن لهذا جوانب قبيحة على مستوى الممارسة ، لكن هذه هي فترة الكتابة الحقيقية ، إذ إنكم تشعرون أنكم تكتبون لأنفسكم .
ميخائيل جاكوب : هل كان ثمة دافع سياسي يدفعكم إلى الانفصال عن اللغة الرومانية ، عن رومانيا ؟
سيوران : ماذا تريدون أن أصنع من لغتي الرومانية بباريس ؟ لقد قطعت الصلة برومانيا : فهي لم تعد موجودة أبدا بالنسبة لي . فقد قطعت عهدا على نفسي برومانيا لإنجاز أطروحة ـ وهو ما لم أقم بفعله أبدا . وفي كل الأحوال ، فإن رومانيا لم تكن تمثل بالنسبة إلي إلا الماضي . فما جدوى الكتابة بالرومانية إذن ؟ ومن أجل من ؟ ثم إن ما كنت أكتبه لم يكن ليحظى بأي حال من الأحوال بالقبول أبدا من قبل النظام . وفي الوقت الراهن ، فإنهم يقومون بذلك ، كتاباتي تحظى بالقبول لديهم وينشرون مقالاتي باستمرار في مجلات . سوف ينشرون عما قريب كتابا يضم العديد من كتاباتي ، لكن ثمة دائما نصوص لم يكتب لها الظهور برومانيا . ثمة شكل من أشكال السخرية ـ فهم من يسمون ذلك هكذا ـ لا يستطيعون القبول بذلك . فلو قلتم إن الوجود عبث ـ يقبلون بذلك ؛ لكن لو قلتم بأن كل شكل اجتماعي هو عبث ، فلا قدرة لهم على القبول بذلك . أنتم أحرار على المستوى الميتافيزيقي وبإمكانكم تدمير كل شيء ماعدا في ما يتعلق بالحياة الاجتماعية . إن مأساة تلك الأنظمة في وجود تفاؤلية إجبارية . فهي ترفض ما يتعذر إيجاد حل له ؛ ثمة أمور ينبغي إيجاد حل لها ، تتقيد بجوهر الإنسان وبعار التاريخ . بإمكانكم قول كل ما تودون قوله ، طالما أنكم لا تحشرون أنفكم في المجتمع ، التاريخ .
ميخائيل جاكوب : هل صحيح أنكم كنتم متعصبون ومعادون للديموقراطية جهارا في نهاية الأربعينات ؟
سيوران : اسمع ، ثمة شيء آخر ، تعرف أن الديموقراطية في رومانيا ليست ديموقراطية حقيقية . كنت معاديا للديموقراطية ، لأن الديموقراطية لم تكن تعرف الدفاع عن النفس . قاومت الديموقراطية بسبب وهنها . لقد كان نظاما لا يؤتمن ، لأنه لم يكن يمتلك غريزة الحفاظ على الذات . كما هاجمت شخصا كنت أكن له كثيرا من الاحترام ، إنه جوليو مانيو ، زعيم الديموقراطيين الرومانيين . قمت بكتابة مقال قلت فيه أن مانيو الذي يعد أكبر ديموقراطي في العالم ، كان ينبغي عليه أن يكون زعيما لحزب بالسويد ، في بلدان الشمال . لكن ليس في بلد مثل رومانيا . على الديموقراطية أن تدافع عن نفسها بكل الوسائل وأن تبرهن عن طاقة وحيوية . لكن مانيوManu) ( لم يكن يقاوم سوى بمفاهيم تجريدية ولم تكن المفاهيم محظوظة في البلقان . كانت الديموقراطية في رومانيا تشكو من ضعف كبير ، ولم تكن في مستوى الوضع التاريخي . من غير الممكن السير على هدى أشخاص من هذا النوع ، إنها اليوتوبيا وقد تجسدت في البلقان . ثمة ديموقراطية ومنها حزب مانيو الليبرالي برومانيا ، على أنه في الأوضاع الصعبة لا يصمد هذا النوع من الأحزاب ، فسرعان ما تصبح متجاوزة تاريخيا .
ميخائيل جاكوب : وماذا عن الديموقراطية الغربية ؟
سيوران : ثمة نوع من التلقائية في الغرب ، لأن الديموقراطية نشأت هنا ، بإمكانها الصمود في مواجهة المحن . لسنا على دراية بذلك ، بإمكان ذلك أن يتحطم ، ليس ذلك مؤكدا إطلاقا . إن مأساة الليبرالية والديموقراطية أنه في أوقات عصيبة تكونان في وضع ميؤوس منه ! لقد تأكدنا من ذلك . إن مسار هتلر السياسي ، الديكتاتور ، هو حصيلة الوهن الديموقراطي ، هذا كل شيء . يتميز تاريخ هتلر ببساطة شديدة .
ميخائيل جاكوب : هل شكلت تلك الأفكار المتعلقة بالديموقراطية نقطة انطلاق لمفهومكم لليوتوبيا ؟
سيوران : طبعا ، إن الكتاب الذي كتبته حول التاريخ واليوتوبيا هو أيضا تفكير حول أعطاب الديموقراطية . فقد قلت في ذلك الكتاب بأن المستقبل ينتمي إلى روسيا ؛ والمعجز في ذلك أن روسيا لم تستولي على كافة أوروبا ، لكن التاريخ لم ينته بعد . مع كامل الأسف فالتاريخ ليس سوى استمرار للقوى العظمى ، هذا هو التاريخ . إن روسيا مهددة تاريخيا بنجاحاتها ، وهذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن ينقذ باقي أوروبا ، البلدان الحرة لغرب أوروبا .
ميخائيل جاكوب : تتحدثون عن الإنقاذ ، على أنه بالرغم من ذلك فإن منظوركم الشامل للتاريخ يعتبر منظورا سلبيا ، إنها رؤية للتاريخ باعتباره انحطاطا ؟
سيوران : تماما . أعتقد شخصيا أن الغرب لا يمكن غوثه إلا إذا أصبحت الصين قوة عظمى تخشاها روسيا . على أنه لو استمر هذا على هذا النحو ، فإن الغرب سوف يخضع للضغط الروسي . فلو كان ثمة منطق للتاريخ ، منطق سفيه ، فإنه بالتأكيد يتوجب على روسيا أن تصبح سيدة أوروبا . ومع ذلك فإن ثمة استثناءات في التاريخ كما أن صحوة آسيا بإمكانها إنقاذ أوروبا .
ميخائيل جاكوب : ماهي نقطة العبور في فكركم بين الفرد والتاريخ ، بالنظر إلى أن الأنا تظل مقياسا لكل شيء ، لكنها توجد مغمورة بالتاريخ ذاته ؟ لا يبدو أنه ثمة رابط حقيقي بين الفرد والمجتمع ، لو حاولنا مجاراتكم . فكيف يتم بناء ذلك الرابط ؟
سيوران : إنه يبنى بناء سيئا ، يبنى عبر الاستياء . لا وجود لجسر ، ثم إن الأشياء تتحول إلى ” حل ” ، هذا أكيد .
بإمكان المرء أن يكون صافي الذهن باعتباره فردا مع علمه أن الإفراط في هذا الصفاء الذهني يجعل الحياة لا تطاق . لا تكون الحياة قابلة للتحمل إلا إذا لم يقم المرء باستخلاص العبر الأخيرة .
ميخائيل جاكوب : هل تغلغل الفكر الديني في فكركم إذا صح التعبير ؟ النرفانا التي لطالما تحدثتم عنها … عملكم هل يشير إلى عدول فيما يتعلق بالوضوح والحنين إلى فلسفة للنوم ؟
سيوران : لقد تجاوزت ذلك أيضا ، إلا أن ذلك قام فعلا بدور هام جدا ، خلال عشرات العقود ، تلك الحماسة البوذية . لطالما كنت بوذيا إلى حد ما ، لو شاء المرء أن يكون ذلك بشكل ما . والحقيقة أقول لكم : لو كان لدي الاختيار ، لو كان يتوجب الاختيار بين ديانة من بين ديانات أخرى ، لاخترت أن أكون بوذيا . مع وضع جانبا أمور أخرى ، تبدو لي البوذية مقبولة ومريحة حتى .
ميخائيل جاكوب : لكن هل بالإمكان اختيار ديانة بشكل جلي ؟
سيوران : إنه عبر ألفة سرية وعلى الرغم من كل شيء ، فإن ذلك الاختيار لن تقوم له قائمة ، ثمة نقاط محددة جدا مثل رؤية المعاناة التي أقبل بها ؛ لكن تناسخ الأرواح أو مظاهر بوذية أخرى ـ كيف يمكن القبول بها ؟ لابد من الانتماء إلى تقليد ما ، لكي يتمكن المرء من الانضواء تحت هذا النوع من الأمور ، ينبغي تقاسم أسلوب فكري معين ، تصور معين للعالم .
كيف يمكن الإيمان بالحلولية ، مراحل الحياة ، على سبيل المثال ؟ المعتقدات ليست مقبولة ، لكن الروح يتم القبول بها تماما . كل ما تقره البوذية حول الألم ، الموت ، إلخ . ويعتبر الجانب السلبي مقبولا . فهذا الجانب هو الذي قاد بوذا إلى الزهد في الحياة . ومع ذلك فإن الدين الذي يتطلب قليلا من الإيمان . تستلزم المسيحية أو اليهودية أمورا محددة للغاية ، فإذا أنتم رفضتم الإيمان بها فالويل لكم ، تلك هي نهايتكم ؛ البوذية لا ، فهي تقبل بحل توافقي . إن الأسباب التي حملت بوذا على الزهد في الدنيا ، بالإمكان القبول بها بدون أي صعوبة تذكر ، بشرط التحلي بالشجاعة باستخلاص النتائج النهائية . لا تطلب منكم البوذية أي إقرار ، أي اعتراف ؛ وهذا هو ما يجعل أن البوذية في طريقها إلى أن تحل محل المسيحية . قد يكون ذلك ممكن الحدوث ، لاسيما بفرنسا ، حيث أصبت بالاندهاش بالعدد المتنامي من الأشخاص الذين كنت أصادفهم والذين لا يدينون إلا بالبوذية . وسوف يتواصل ذلك .
ميخائيل جاكوب : ما أن يتعرف المرء على عملكم إلا ووجد صعوبة في تصور أنكم كنتم تسافرون . هل أنا خاطئ ؟
سيوران : أنتم على صواب : لقد سافرت أقل . لقد تعرفت بعض البلدان ولاسيما في الوقت الراهن لا أسافر أبدا . آخر مرة قمت فيها بالسفر إلى اليونان ، دعيت فقبلت الدعوة ، طالما أنه تم أداء تكاليف السفر . لابد من القول إني رغم ذلك سافرت كثيرا على متن الدراجة الهوائية ـ كان لدي شغف كبير بالدراجة الهوائية ـ وحتى إنني ذهبت إلى إنجلترا على متن دراجة . كنت يافعا ساعتئذ . منحتني الدراجة الهوائية إمكانية رائعة أن أكون في الخارج ؛ أنتم في بلد ثم تجدون أنفسكم في حالة تنقل في نفس الوقت . لطالما تحدثت مع الأشخاص أثناء رحلاتي بالدراجة . لقد جبت كافة فرنسا على ظهر الدراجة الهوائية والتقيت عددا هائلا من الناس ، الشعب وليس المثقفين . لقد شكل ذلك مصدر سعادة بالنسبة لي . لطالما تأثرت بشكل عميق بالناس الذين لم يسبق لهم أن فتحوا كتابا واحدا في حياتهم أبدا .
ميخائيل جاكوب : هل تتجولون كثيرا بصفة دائمة ؟
سيوران : نعم ، بطبيعة الحال .
ميخائيل جاكوب : كما أنكم تذهبون في الغالب إلى الجبانات ؟
سيوران : ليس هذا فحسب . أشعر بانجذاب إلى الجبانات ، هذا صحيح ، لكن في الوقت الحاضر لم تعد المقابر جميلة ، فقد أصبحت مكتظة . عندما أشاهد اصدقاء ، ومجهولين أيضا يمرون بظروف عصيبة ، بأس ، لم يكن في حوزتي سوى نصيحة واحدة أقدمها لهم : ” اقضوا عشرين دقيقة في مقبرة وسوف تلاحظون أن كدركم سيخفت بالتأكيد ، لكن تتم مجاوزته إلى حد ما . ” وفي اليوم الآخر صادفت فتاة كنت على معرفة بها ، فتاة يائسة جراء نكسة غرامية ، فقلت لها : ” اسمعي ، لست بعيدة عن حي مونبارناس ، اذهبي إلى هناك وتنزهي نصف ساعة وسوف ترين أن تعاستك سوف تبدو لك قابلة للتحمل . ” هذا أفضل بكثير من عرض نفسك على طبيب ؛ فليس ثمة عقار ضد هذا النوع من الألم ، لكن جولة في مقبرة تعتبر بمثابة درس في الحكمة ، جولة تلقائية إلى حد ما . أنا نفسي مارست أساليب مماثلة ؛ قد يبدو هذا عملَ هاوٍ ، لكنه ذو فعالية نسبيا . ما الذي ترغبون في قوله لشخص يعيش حالة إحباط عميقة ؟ لا شيء أو لا شيء إلى حد ما . لكننا ندرك عماذا يتعلق الأمر . فأنا كثير التعاطف ، حتى ولو كان هذا يبدو مضحكا ، شديد الحساسية تُجاه الناس المحبطين . لطالما قدمت يد المساعدة للناس ، أكثر بكثير مما يمكن اعتقاده . إن من لم يكن متعودا على الإحباط يجد نفسه فجأة في وضع كارثي وغير مألوف تماما لا يفهمه ولا يستطيع التعبير عنه . وفيما يخصني ، فقد داومت على تقديم نصائح ، لكن نصائح عملية تمنح إمكانية تغيير الرؤية تماما . إن الطريقة الوحيدة لتحمل هذا النوع من الخواء ، هي امتلاك الوعي بالعدم ، خلافا لذلك فإن الحياة لا يمكن تحملها . لكن لو كنتم على وعي بالعدم ، فإن كل ما يحدث لكم يحتفظ بأبعاده الطبيعية ولن يتناول الأبعاد المفرطة التي تميز المبالغة في الإحباط .
ميخائيل جاكوب : إنه نوع من الحل ال” تطهيري ” الذي تنصحون به ؟
سيوران : بالتأكيد . إن المرء في حاجة إلى أن يدرك من يكون . لقد تعرفت مثلا على العديد من الكُتّاب الشباب لم يحققوا أي نجاح يذكر ، وكانوا يرغبون في الانتحار ، وهو ما أفهمه كحل أخير . على أنه يصبح من الصعب جدا تهدئة روع شخص ما يصل إلى هذه النقطة . إن ما هو مروع في الحياة هو الفشل ، وهناك عدد لا بأس به لدى الجميع . فهذا هو ما يحتفظ به أكثرعن الأشخاص الذين تكون للمرء معرفة بهم . إن معظم الناس الذين يأتون لزيارتي يعانون من حالة إحباط قصوى بسبب الإخفاق .
ميخائيل جاكوب : لكن هل بإمكان المرء استخلاص شيئا ما من الفشل ؟ عندما يظل على قيد الحياة …
سيوران : … إنه درس رائع ، لكن ثمة العديد من الناس لا يطيقونه ، وهذا على كل المستويات ، لدى الخدم كما هو الحال لدى الأشخاص ” ذوي الأهمية ” . وفي نهاية المطاف ، فإن تجربة الحياة ، هي الفشل . ولاسيما الطموحون ، أولئك الذين يحددون أهدافهم عن وعي ، الذين يفكرون في المستقبل . فهذا هو السبب الذي يدفعني إلى بعث الأشخاص إلى زيارة المقبرة ولا يعتبر هذا خاطئا تمام الخطأ ؛ ينبغي ملاحظة النتائج . إنها الطريقة الوحيدة للتقليل من شأن وضع تراجيدي ، هذا بديهي …
ميخائيل جاكوب :وليس الأدب أو الشعر ؟
سيوران : ذلك أيضا ، لكن بدرجة أقل . لابد من الذهاب أمام قبر صديق ؛ وهناك يفهم المرء . إنه يتعلم كل شيء في الحياة ، باستثناء كيفية تجاوز تجربة من هذا النوع ، لاسيما أن الوسط الأدبي يتميز بالعديد من الخيبات .
ميخائيل جاكوب : توقعت وأنت يافعا لا تزال تلك الظواهر ، بالتفكير في الموت ، الفشل ، الإحباط …
سيوران : هذا أكيد ثم إن كتابي على مرتفعات اليأس تصدى بالفعل لتلك الأمور ؛ إن كل ما كتبته لاحقا تمت الإشارة إليه سابقا في الكتاب . لقد أعيد طبعه في رومانيا ، إلا أنه كتاب كتب بطريقة سيئة ، بدون أسلوب ، كتاب مجنون ، بيد أنه يتضمن كافة أفكاري . من غير الممكن ترجمته ، لأنه لا وجود للصرامة ، إنه الأسلوب الروماني ، لاشيء يبعث على الارتياح ؛ لكن هوس الانتحار ماثل فيه فعلا . كل مأساتي ماثلة فيه ، ليالي الأرق ، إلخ .
ميخائيل جاكوب : شكل هذا الكتاب تفجرا لجرح مفتوح والذي كان ذلك السهر الطويل الذي سنقوم بالحديث بخصوصه . في أي ظرف زمني تمكنتم بتجاوز ذلك الوضع ؟
سيوران : بعد مرور سبع أو ثماني سنوات بدأ ذلك ثم القيام بعبور فرنسا بواسطة الدراجة الهوائية هو ما منحني شفاء . خلال شهور وأنا أجوب فرنسا ، كنت أنام في دور الشباب ، كما أن الجهد البدني ، مائة كيلو متر التي كنت أقطعها يوميا ، ساعدني على تجاوز الأزمة . فعندما تقطعون كل تلك الكيلومترات يوميا ، فلابد لكم من الهجوع إلى النوم ليلا ، ليس ثمة اختيار ، وإلا لن تتمكنوا من مواصلة الطريق . فليست التأملات الفلسفية هي التي أشفتني ، بل هو المجهود البدني الذي كان يدخل علي السرور في نفس الوقت . كنت طوال الوقت في الخارج ، وهو ما جعلني أفهم فرنسا وأنا أتحدث مع أناس بسطاء ، مع العمال والمزارعين . لقد كانت تجربة خصبة جدا بالنسبة لي .
ميخائيل جاكوب : لكن رؤيتكم للعالم كانت قد تشكلت بالفعل منذ الآن ؟
سيوران : نعم ، لكن الأساس المرضي قد تقلص ؛ لقد تشكلت رؤيتي ، بالتأكيد ، لكنها تمكنت من فقدان خاصيتها السقيمة الصرف ، لأنه حالما كنت أتمكن من النوم ، أغمض عيني لبعض الساعات ، لم يكن النور ذاته بعد . كان لابد لهذا التوتر أن يتقلص ، لأن الحياة مكثفة للغاية لا يمكن تحملها على المدى الطويل .
ميخائيل جاكوب : لم تكونوا أبدا بحاجة إلى مخدر لامتلاك تجارب “قوية ” ، مثل ميشو ، على سبيل المثال ؟
سيوران : لا إطلاقا . لا أفهم أبدا لماذا استعمل ميشو مواد كيماوية للحصول على ” كشوفاته ” . لم أكن أبدا متفقا معه بهذا الشأن ؛ لاسيما الأخذ بعين الاعتبار كون أن تجارب ميشو كانت حكيمة إلى حد بعيد ومن دون خطورة تذكر ، تجارب تم القيام بها فقط من أجل وصفها . لا جدوى من ذلك وأظن أن الأمر يتعلق هناك بجانب قابل للتلف لعمله ؛ لم يسبق لي قول ذلك أبدا لأننا كنا صديقين ولم أكن أود الإساءة إليه . فإما أننا كنا نعرف هذا النوع من المراحل من خلال نوع من الحتمية وإما لا وجود لشيء يُقال ؛ ثمة شيء مختلف تماما في تلك الإجراءات وقد كان لدى ميشو بداخله ما يجعله طبيبا ، جانب علمي واضح جدا . غالبا ما كان يذهب لمشاهدة أفلام علمية مثيرة للسخط بشكل مروع . ففي الفترة التي كان يصطحبني فيها في الغالب لمشاهدة أفلام سينمائية عن أي شيء مهما يكن ، كانت تسبب لي مللا قاتلا . كان يمتلك تلك الطية العلمية ، شيئا ما من عالم كيميائي كبير أو طبيب كبير . إلا أن شاعرا ليس في حاجة إلى وسائل علمية .
ميخائيل جاكوب : قلتم إنكم لا تكتبون في اللحظة الراهنة . هل تعتقدون أن هذا سيطول ؟
سيوران : لا أعرف شيئا عن ذلك ، على أنه من المحتمل جدا أنني لن أكتب أبدا . ينتابني الرعب وأنا أرى كل تلك الكتب التي تطبع … أولئك المؤلفين الذين ينشرون على الأقل كتابا سنويا … ذلك أمر غير صحي ، ليس جيدا . أعتقد أنه لا ينبغي الكتابة بعد ، لابد من معرفة الكف . وفي الوقت الراهن فإن ذلك لم يعد يسليني ، من وجهة نظر خاصة . لابد من حد أدنى من الشغف ، لابد من أن يكون توقع ما . أثناء الشروع في كتابة كتاب ، ثمة نوع من التواطؤ ، كما لو أنه خارج عنكم ، إنه شكل من المكيدة بين شخصين ، وفي الوقت الحالي ، لا أجد في ذلك فائدة تذكر . أقول لنفسي لطالما أظهرت عدم الرضا ضد العالم وضد الله ، الأمر لا يستحق .
ميخائيل جاكوب : لكنكم تظهرون عدم الرضا في الفكر بصفة دائمة ؟
سيوران :بدرجة أقل حتما . ثمة نوع من الاستسلام الذي هو ثمرة السن والوهن يعتبر في الوقت الراهن حالة غاية في الواقعية ، لابد من أخذها بعين الاعتبار . بالإمكان الكتابة بصفة دائمة وقول كل شيء ، لكن تحديدا : لا ينبغي قول كل شيء . وفي كل الأحوال ، فلا يتبقى من كاتب ما إلا بعض الصفحات . بالإمكان الكتابة بشكل دائم ، على أنه إذا لم يكن هذا الفعل مطابقا بعد لضرورة داخلية ، هذا هو الأدب . وهو ما لا أرغب فيه ، ربما لأنني لطالما اعتقدت أن جانبي البسيط ـ فيما كنت أكتبه ؛ ليس ذلك جيد وحتى أنه في تناقض مع رؤيتي للأمور ، شيء لا يهم في واقع الأمر . لا ينبغي الغش ، لكن من الناحية النظرية ماذا يعني هذا إذا ما قام المرء بالغش ؟
بإمكاننا امتلاك الوعي بالعدم ، لكننا لا نستطيع استخلاص العبر من ذلك . من الواضح أنه لو امتلكنا الوعي بالعدم ، تكون كتابة كتاب عديمة الجدوى ، وسخيفة حتى . لماذا الكتابة ولمن ؟ لكن ثمة ضرورات داخلية تنفلت من تلك الرؤية ، إنها من طبيعة مغايرة ، أكثر خصوصية وأكثر غموضا ، لاعقلانية . إن الوعي بالعدم الذي تم الدفع به إلى أقصاه ليس متساوقا مع أي شيء ، مع أي فعل ؛ فكرة الإخلاص ، الأصالة ، إلخ . كل شيء ينهار . لكن وبالرغم من ذلك فإن ثمة تلك الحيوية السرية التي تدفعكم إلى فعل شيء ما . ومن المحتمل أن هذه هي الحياة ، من دون الرغبة إلى توظيف كلمات كبيرة ، ذلك هو ما يفعله بالأمور التي تلتف حولها من دون الإيمان بها ، نعم ، إلى حد ما ذلك .
ــ
ـ حوار أُجري باللغة الفرنسية ، نشرلأول مرة بالألمانية في مؤلف ميخائيل جاكوب Michael Jakob) (:
Aussichten des Denkens,Wilhelm Fink Verlag,Munchen,1994.
مصدر النص : كتاب سيوران لقاءات دور نشر غاليمار 1995 .


