المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مجرى الحياة: ماذا لو عاد الزمان إلى الوراء؟

سعيد بوخليط

عبارتان قويتان للغاية، تختزلان حقيقة جلّ معطيات الحمولة اللغوية،التي يمكن للإنسان أن يؤوِّل بها ويصيغ ارتساماته بخصوص الحياة، فيعيد غالبا طرحهما ضمن مباغتة السؤال، المنطوية عليه بحدَّة، نفض الغبار عن الرتابة الوجودية، الناجمة عن امتثال الإنسان سلبيا لوقائع الوجود.

الإشارة الأولى: هل أنت سعيد في حياتكَ؟

الإشارة الثانية: ماذا لو عاد بكَ الزمان ثانية إلى الماضي؟

غالبا، ما يأخذ الجواب عنهما، برهة قصد إيجاد الكلمات المناسبة أو مساحة عميقة من الصمت، ربما تأملا أو استحضارا لأقصى درجات بلاغة الإقناع؛ مادام الصمت تضمينا افتراضا وقوَّة لكل اللغات الموحية.

تتشكَّل على طريقتها، إيماءات وجه الشخص المقصود بالسؤال، تنخفض نبرة كلامه، ثم يغيِّر وضعية جلسته السابقة بحيث ينمُّ وضعه عن مختلف معاني المباغتة وسمات عدم الانتظار.

إذن، سؤالان حاسمان، بمثابة حَدَّين أساسين لمصير الإنسان وموقفه من الوجود، تتفرع على ضوئهما باقي الأسئلة الأخرى.

رغم، أنَّ هندسة نموذجهما تبدو كذلك، أي باعتبارهما مقولتين متقابلتين بذات الكثافة والنوع، لكن في اعتقادي يعتبر سؤال عودة الزمان نحو الخلف أكثر عمومية من السؤال الثاني المتعلق بمعرفة الجواب عن اختبار تجربة السعادة، الذي يبقى مجاله في نهاية المطاف مجرد جزئية ضمن شمولية رغبة الشخص بخصوص ارتداد زمنه وجهة الوراء، لأنها لحظة مفصلية، تبلور رمزيا بداية أخرى للحياة، وفق صيغة مقصودة هذه المرة إراديا، متوخَّاة بالمطلق، مأمولة بشغف و حرية، وجودها عين ماهيتها، هويتها غير منفصلة عن تحققاتها. حياة، يريدها الإنسان حقا من ذاته ولذاته.

الجواب عن سؤال سعادتكَ من شقائكَ، لا يكون في أغلب الأحيان صادقا أو يؤطِّره جواب غير قابل كثيرا للصمود، يتضمن عوامل تهافته من الوهلة الأولى ويتضاعف مستوى ذلك، حينما يأتي وفق صيغة مباشرة: ”نعم أنا سعيد!”. يعكس،هذا الوضوح المطلق التباسا وصعوبة على مستوى التقدير، ثم مجرد تحايل لغوي يلتفُّ ضمنيا على الذات.

أعتقد، بأنَّ أفضل سياق معرفي يتيح للإنسان الجواب بطريقة مركَّبة ومتداخلة عن جواب السعادة، يتمثل في استلهامات السؤال التالي: ”ماذا لو عاد بكَ الزمان مرة أخرى؟ هل ستصمم حياتكَ بذات حلقات المشهد نفسه؟ أم حسب مسار مغاير؟فقط المبادرة إلى طرح السؤال، يتيح مكمنا فسيحا للسعادة لأنه يستعيد بداية البدايات وفق كل عذريتها، ودوامها باعتبارها فرحة الأمل، وسعادة الرجاء.

ربما، انحصرت الإجابة عن هذا السؤال، حسب ثلاثة صيغ:

سيقول إنسان، بأنه مقتنع بما صنعه بمصير حياته غاية لحظة السؤال. حياته الحالية مكتفية بنفسها، دونما حاجة أخرى لإعادة التشكيل.

إنسان ثان، يجد ملاذا كبيرا بخصوص مسألة العودة إلى بداية أخرى، ويتمنى لو اتخذت حياته منحى مغايرا.

إنسان ثالث،يبدي حيرة من دهشة السؤال، ويؤكد بأنه لايعرف حقيقة جوابا، بالتالي يظل الأمر عنده مبهما.

من الصنف الأقرب إلى الصدق؟ وقول الحقيقة؟ يصعب الإقرار وفق صيغة جازمة، مادامت آراء هذا الموضوع غير قابلة بتاتا للتجلِّي الخالص، بحيث يكتنفها فعل الارتياب في المقام الأول وتظل مزاجية مقبلة باستمرار على مسوغات شتى معاني الاحتمال.

عموما، إذا استحضرنا من جهة ثانية، معطى الإحصاء الكمِّي، ربما يتأتى لنا شيء من إمكانية بلورة تأويل أقرب نسبيا إلى الموضوعية، لذلك يمكن القول بأنَّ الأشخاص الذين يدَّعون انسجامهم التام مع مصير حياتهم ولا ضرورة للبدء بكيفية مختلفة، تبقى زمرة ذوات استثنائية تضمُّ بشرا أدركوا وعرفوا منذ البداية: ماذا يريدون؟ لماذا يريدون؟كيف يريدون؟ المرجعيات الثلاث لمصير المُمَيَّزين. أفق، يقتضي وعيا وجوديا، حرية داخلية، ثم مايكفي من الشجاعة.

بعد تلك الفئة، نجد المتلهفين صوب التخلُّص من حياتهم الجارية وإعادة البناء بكيفية مختلفة. هذه الجماعة أقرب إلى مستوى سابقتها، تواصل حياتها في خضم وعي شقي تحت كنف وَجَعٍ دفين، يجعلهم في نهاية المطاف مبدعين وخَلاّقين على طريقتهم، يحيون باستمرار صوب ماض أخطأ السبيل.

بينما تتمثَّل الفئة الأخيرة، في هوية أغلبية لاتريد من الحياة بكل تداخل ثباتها الوجودي المعقَّد للغاية سوى يوميات بسيطة تستوفي وتستجيب لرغبات حسية مباشرة، بالتالي لاتثير أذهانهم إلى حد ما،هذا النوع من الهواجس، أو ربما يفضلون أكثر انخراطهم الكلِّي في دروب حياة ”واقعية” مثلما تقدم نفسها، دون ارتياب يذكر.

طبعا، السؤال بخصوص: ماذا لو عاد الزمان إلى الوراء؟ على شاكلة الأسئلة الوجودية المفصلية، ليس بالهين ولا البسيط أو يقبل التحايل. فعلا، ماذا لو توقف الزمان صوب الأمام؟ كي ترتد حياة الشخص إلى الوراء بعيدا جدا؟ كيف سيكتب حكايته مرة أخرى؟

مَهْما تبلور الموقف من جدوى سؤال؟ يعكس، بلا شك، ضمنيا نواة أساسية للحفاظ على حيوية الحياة، ثم الحيلولة دون سقوط الكائن الذي يجدر به أن يكون حيّا، في حضن مكيدة الاطمئنان السطحي والمبتذل، الذي يحوِّل مانعتقده حياة إلى مجرد استنزاف عبثي، وأيضا دون ترقبه واقعة الموت بالكيفية التي تقتضيها حيثياتها الوجودية المفترضة.

لكن عند طرح السؤال والتطلُّع من جديد نحو بدء البداية، بكيفية مغايرة، سيتيح هذا الأرق الملحِّ صراحة أو ضمنا،أمام الإنسان إمكانية اختباره حقا، تجربتي حياته وموته، بمعنى وعيه المتوقِّد بقضية الزمان وكذا الانتباه إلى قضيتي العدم والأبدية، ثم كيفية توجيه المصير سواء جهة الانقياد نحو الأول أو بدل ذلك الانتصار إلى جهة الثاني،بمعنى ثان، النسيان أو الخلود.