بقلم عبدالقادر رالة
في غرفة مٌظلمة، وبعد أن أوصد الباب خلفه، ارتمى أيمن على السرير…
تأوّه بألم …
اختفتْ رغبته في مشاهدة التلفزيون، ولا شهية له في القراءة؛ بل إن حماسه في مطالعة الروايات والقصص انطفأ منذ زمن طويل، فهو بالكاد يُواظب على قراءة جريدته المفضلة حتى لا ينعزل عن الدنيا ومباهج الحياة، ومهازلْ السياسية، وأهازيج البطولات الكروية، ومعاناة المواطنين والمواطنات!
وهو مواطن …
ما أجمل الطفولة لأن الأب كان يستر متاعب الحياة، وليس الحياة هي البشعة وإنما الناس المغرورون، الحساد، المتكبرون، فهم الذّين يلونوها بأنانيتهم التي تملأ قلوبهم !
الأب يُصارع في الخارج من أجل لقمة العيش، وما على الطفل إلا أن يدرس كثيرا ويجتهد ويلعبَ قليلاً؛ المهم أن تكوم نتائجه الدراسية مقبولة!
على المرء أن يبذل ما في وسعه لكي يصبح إنساناً مهماً نافعاً في المستقبل؛ فهذا ما كان يسمعه من أقاربه، ومن أمه بالذّات، لكي ينفع نفسه أولاً، ويعاون والديه ثانية!
تعلم واجتهد، وانتقل من مرحلة دراسية إلى أخرى، وتخرج، ,أدى الخدمة العسكرية، وتوظف ُثم تزوج…
تغلب على كل الصعاب إلا العمل، فلم يستطع أن ينتصر عليه، إذ ألفى نفسه ينتقل من شركة إلى أخرى، ومن مدير إلى أخر، وظهر له ما يجب عليه تحمله من أجل زوجته وولده الصغير!…
غير أنه لم يستطع أن يتجلّد… يُناقش، يصرخ، يشتم، مرات عديدة يتعارك، وسرعان ما يجد نفسه خارج أسوار المؤسسة؛ وبعد كل شجار أو معركة بالأيدي مع المدير أو مسئول مصلحة يدرك أي تضحية قام بها الآباء. ومن قبل كان يعتقدُ أن التضحية التي على الأولاد احترامها هي العمل الشاق، غير أنه فهم أن تحمل أناس سفهاء زملاء أو مسئولين أشق من أي جهد عضلي أخر …
تنهد …
في زمن والدي وإن كان رئيس المصلحة سيء الطباع، شرس الأخلاق فمردُ ذلك إلى الأمية، أما اليوم فكل زملائي ماعدا البواب، الكهربائي أو السائقين، كلهم متعلمون ومتخرجون من الجامعة مثلي ورؤسائي أيضا !
تنهد …
وكلهم معجبون بأوروبا ويتفننون في انتقاد بلدهم البائس، متناسين أنهم هم من يصنع هذه الأوضاع المزرّية! فاقد الشيء لا يعطيه، لم يخطئ من قال ذلك …
يصدعون الأسماع بثرثرتهم الفارغة حول طبيعة الفرد الأوروبي الجنتلمان المُنظم ! لكنهم يفشلون أن يكونوا مثله، رغم أن الأمر بسيط وهو الاحترام بين عمال المؤسسة الواحدة، فقط الاحترام بدون كراهية وفوقية!
لكن للأسف دائما يجعلون أنفسهم الصالحين والآخرين طالحين! هم الذين يمتلكون الحقيقة والآخرون لا يفهمون …
سمعَ طرقا خفيفا على الباب، ثم ما لبثتْ أن أطلت زوجته تحمل ابنهما أسامة…
ـــ العشاء جاهز …
ـــ ليس لدي رغبة في الأكل …
ابتسمتْ ثم قالت: ـــ الأكيد أنك افتعلت الشجار في عملك الجديد…
ـــ الكلب… الكلب..
غمزّته زوجته قائلة : ـــ ألم نتفق بأن لا تفرغ سخطك أمام أسامة …
تأملّها ، ثم ثّبت نظره على ابنه، وانقلب على الجانب الأخر قائلاَ:
ـــ حسنا… حسنا اذهبي وسآتي بعد دقيقتين …


