محمّد حلمي الرّیشة*
كتیّبان من الورق الأصفر القدیم بحجم الكف،ّ ووقت تتساقط دقائقھ مثل حبّات الرّمل الأصفر،
كي أكون أمام مشھد أحسنّي فیھ، مسبقًا، مرتبكًا كفراشة بجناح منتھك الألوان، وآخر یبلّلھ ندى
القلب.
التھمت الكتیّبین الأصفرین دفعة واحدة في المرّة الأولى، فكست قلبي أعشاب مخملیّة، ثم دقّقت
النّظر في الجزء العلويّ من ساعة الرّمل، وقلت في النّفس الأمّارة بالشّعر: لا بأس.. حتّى ولو
سأكون مثل عصفور یغنّي لشجرة قطبیّة تناثر فوق عروقھا وأوراقھا قطن الثّلج، ولا تزال
جذورھا دافئة إلى الغد.
علّمتني قراءة سیر المبدعین الّتي یصنعونھا بأنفسھم ولأنفسھم وللآخرین في آن، قولاً وعملا،ً إذ
یستمدّون خاماتھا من اعتقاداتھم الإنسانیّة النّبیلة، كیف تتحوّل إلى منابع للرّؤى الصّافیة الأولى
والدّائمة الّتي تروي عطش حیواتھم من ظمئھا الحقیقيّ إلى الحقیقة العالیة. أعرف أنّھ من
الصّعب علي،ّ الآن، في ھذه المساحة، أن أسرد كثیرًا من السّلوكات الشّخصیّة والشّھادات
النّصیّة والمواقف العبقة بأھمیّة الصّدق والإیمان بالحرّیّة الإنسانیّة والعدالة الكونیّة.
أقرأ: “سیرة بوشكین ھي سِفر جلیل في تاریخ الأدب الرّوسيّ وصفحة مجیدة من التّاریخ
الرّوسيّ العام (…)، فكیفما ولّى المرء وجھھ قِبَل التّاریخ الرّوسيّ في تلك الحقبة من الزّمن،
وجد اسم بوشكین بارزًا في كلّ باب ومضمار، ومھما طالع من نظم الشّاعر ونثره، وجد التّاریخ
الرّوسي جلیًّا واضحًا. ولذا، فبوشكین مثل المتنبّي للعرب، وشكسبیر للإنكلیز، ودانتي
للإیطالیّین، وغوتھ للألمان، مع حفظ الفوارق القومیّة والذاتیّة. إنّھ منحة نادرة من منح الدّھر، لم
یعش أكثر من سبع وثلاثین سنة، لكنّھ كان وافر الإنتاج، غزیر المادّة، فترك من الآثار الشّعریّة
والأدبیّة الشّيء الكثیر ممّا یخیّل لقارئھ أنّھ كان یجرّ ذیلاً طویلاً من السّنین”.
إذن، ھي لمسة العمر السّریعة- القصیرة الّتي یحدسھا المبدع، فیأخذ بأھمیّة الوقت فوق الأرض
على الرّغم من ضیق ممرّه إلى خاتمتھ، فھو القائل: “إنّ ثروة الإنسان لا تتمثّل بالقصور
المرمریّة، ولا بصنادیق الأموال الحدیدیّة. إنّ قصر الشّاعر مؤلّف من طابقین: حجر في باطن
الأرض وكوخ فوقھا.. والشّاعر الحقّ ھو الّذي یولد عریانًا، وإلى القبر یذھب عریانًا”.
إنّ الإحساس الجادّ بالحیاة، وبعظمة النّفس البركانیّة الشّاعرة بھدوء مؤثّر، ضدّ ابتذالھا
واستغلالھا، ومع فضیحة مثالبھا، سمحت لھ بأن یرفع الإنسان فیھ إلى مصافّ الأنبیاء، ویبقى
إنسانًا في المعنى والآن نفسھا. ھكذا أخبره (ملاكٌ) أن یفعل منذ أن بدأ خطواتھ الأولى یقتفي أثر
الأنبیاء في رحلتھم الخاصّة- العامّة.
“جبتُ القفرَ القاتم متعثرًا/ وأنا تعبٌ من نفسي الظّامئة/ وعند ملتقى الطّرق ومفترقھا/ ظھر
لي ملاك بستّھ أجنحة/ مرّ بأصابعھ على عیني/ فكان لمسھ رقیقًا كالحلم/ فتحت عیني وجلا/
وكأنّني نسر بوغت في وكره“.
إنّ الأنبیاء یحمِلون، في دواخلھم أوّلا،ً طھارة المعنى الإنسانيّ كي یوصلوھا إلى الآخرین بثقة،
واللّسان مفتاح تلك الطّھارة إلى القلب. لھذا، فإنّ (ملاك) الشّاعر الّذي ظھر لھ:
“مدّ یده إلى فمي/ واستلّ لساني الخاطئ/ فمحا الخبیث والأقوال الفاسدة/ وبیده الملوّنة بالدّم/
وضع لسان الحیّة الحكیمة/ مكان ذلك اللّسان“.
ثم،ّ إنّ على (النّبيّ) الشّاعر أن یحمل الموقد (موقد المعرفة العلیا) المتوقّد في قلبھ، لیدفئ
الآخرین كي ینفضوا بذخ الاستسلام لحیاة باردة ھامدة. لھذا، فھو وحده من یتحمّل جفاف حلقھ
جرّاء تبلیغ الحقیقة، والحفاظ علیھا دائمة الوھج أو الومیض:
2
“ثمّ شقّ صدري بسیف/ ونزع منھ قلبي الخافق/ وأثبت مكانھ/ فحمة تتأجّج بالنّار!/ استلقیت
في القفر/ كأنّني جثّة ھامدة/ وسمعت صوت الله یقول: قم أیّھا النّبي،ّ راقب، وأصغ واعمل
حسب مشیئتي/ طف بالقفار والبحار/ وبكلمتي أوقد النّار في قلوب النّاس“.
تلك ھي رسالة الشاعر كما آمن وعمل بھا بوشكین، فھل ھي لا تزال رسالة الشّاعر المعاصر؟
یقال: إنّ وظیفة الشّعر الإبداعيّ أن یطرح الأسئلة، ولیست الإجابة علیھ، فھل تبدّلت ھذه
الوظیفة في عصرنا؟ لا أرى ھذا، لأنّ الشّاعر المبدع، وفي عصرنا أیضًا، لا یزال یوقد النّار
المھمّة للنّاس في قلوب النّاس، أي لا یزال وسیبقى یطرح الأسئلة ما دام الشّاعر- الشّعر.
إنّ النّار الّتي أوقدھا بوشكین في قلوب النّاس بكلمات الحقیقة، كما طلب منھ الصّوت العالي،ّ
رمتھ في سنواتھ الأخیرة بمسحة الحزن والرّغبة في العزلة والتّفكیر في نھایتھ، وعلى الرّغم من
أنّھ كان في رونق العمر، و”كتب قصائد في تمجید الحرّیّة، إلاّ أنّھ لم یعتمد الشّعر سلاحًا للقتال،
وإنّما الشّعر شعلة علویّة یجب أن یتعالى عن المنازعات الیومیّة الحقیرة، وترفع النّاس بجمالھا
ونزاھتھا”.
وبما أنّھ (النّبيّ) الذي ظھر لھ (الملاك) في القفار، والّذي “لا یجب علیھ أن یحمل المكنسة
لتنظیف الشّوارع (…)، ومتى أدّى رسالتھ، فلا تضیره آراء دھماء النّاس فیھ Plebe. ولا
یعني بلفظة النّاس ھنا الشّعب المتذوّق للجمال، وإنا یقصد النّفوس الشّرھة الطمّاعة المغرورة
من رجال المجتمع الرّاقي. وھذه اللّفظة كلّفت الشّاعر أفدح الثّمن، فكثر المتآمرون وتآلبوا علیھ
یھاجمونھ سرًّا وجھرًا، واستغلّ البعض التّبرّج البريء عند زوجتھ لیمطروھا بالمغامز الفاجرة
كذبًا وبھتانًا، وكانت الرّسائل المغلّفة تنھال علیھ بكثرة وفیھا أشنع المطاعن، وقد اضطرّ
لمبارزة البارون أنتیز الفرنسيّ في 27 كانون ثان/ ینایر ،1837 فسقط جریحًا بصورة خطرة،
ولفظ الرّوح بعد یومین عانى فیھا أفظع الآلام، ولكنّھ تحمّلھا بصبر عظیم”.
قال عنھ بلینسكي: “بوشكین ھو أوّل فنّان في روسیا، ھو سرّ الشّعر الرّوسيّ على الإطلاق”.
وقیل: “إنّ جماعة من فتیان وفتیات روسیا، بینما كانوا یطوفون متنزّھین في موسكو، وقفوا عند
تمثال لبوشكین وقد كُتب على قاعدتھ بیت من شعره قال فیھ: “مرحى أیّتھا الأجیال الفتیّة
المقبلة!”. وإذا ھم على ذلك، نفرت فتاة في السّابعة عشرة من عمرھا (…) وصرخت بصوت
بريء: مرحى بوشكین!”.
نعم.. مرحى بوشكین، ولو بعد أكثر من مائتي عام وتلك المسافة الّتي تفصل بین نابلس في
فلسطین وموسكو في روسیا، بین عصفور وشجرتھ العظیمة- البعیدة!

* محمّد حلمي الرّیشة: شاعر ومترجم وباحث فلسطیني.
إحالتان:
-1 نجاتي صدقي: بوشكین- أمیر شعراء روسیا.
-2 مارسیل أھرار: تاریخ الأدب الروسي.





