ضياء طمان
كل جدران وأبراج وتماثيل وأرصفة وأرضية وألوان الميدان الأحمر ؛ حمراء؛ عدا أفريقيا ومدغشقر و بيرلن طالب الزراعة؛ ماسح أحذية القياصرة اللامع، الذي منحني شاحنَهُ، وابتسامته الناصعة، بعد نفاد شحن موبايلي بِجُوم مُول هناك. ورغم تألق أحذيتي الدائم ؛ إلا أنني شعرت بالامتنان. كرسي الزبون– في أحد ممرات المول علنًا– عالٍ وعاجٍ وبيرلن في الأرض. 20% شحنًا تفي بالغرض. هاتَفَني الخافِضُ أن اخلع نَعْلَيك، وبالشراب تحدثنا عن مدغشقر ومصر وموسكو وماجستيره الزراعي الروسي، الذي سيحصده بعد أيام، ورغبته المميتة في البقاء الدائم مع كرسيه المؤقت. الإقامة الورقية هُنا لبيرلن وغيره من الأغراب يلزمها ظروفًا خاصة، أظرفها الزواج بالروبل، من أنثى أو خنثى روسية؛ وهيهات. فبيرلن صادق ولا يمكنه تجاهل ملامحه ومعالم ألوانه. أكثر من صورة بالموبايل داعَبَتنا بها روسيات من كل الأعمار– رغم تحفظي العابر– باعتبار أن تلميع الحذاء خارج الصورة– عندهم–عجيبة. الحذاء ساطع و يعكس صوت بيرلن وهو ينتزع الموبايل من شاحنه، ويطالبني بِنَهَم؛ بمائتي روبل؛ انفعلت. طالبته بتفسيره الخرافي؛ فاجأني بخدمة الشحن، التي لم تكن إلا خدمة مدفوعة ومرفوعة من الخدمة. عندها تأكدت من وجوب عودته حافيًا إلى مدغشقر، مشحونًا على كرسي من كراسي (مِعَسِّل) العالَم الأخير. فروسيا بكل ألوانها الحمراء والشقراء والبيضاء وخلافها؛ لا تتحمل جشع براجماتي فقير جديد غامق؛ كان من المفترض أن يسعى إلى تلميع وتحييد سواد العالم الأول بقلبٍ أبيضَ فاتحٍ قديمٍ جدًّا.
-بيبي فوت
يوميًّا مباراةٌ؛ بفريقينِ وحفيدين وكُرَةٍ خشبيةٍ -مقطوعةٍ من شجرةٍ – لا تغيبُ عن سَيَّالَةِ قَفاطِينَ الجَدِّ الحَكَمِ الأعسرِ؛ بعدَ فُقدانِ تَوْأَمِها في إحدى مبارياتِ دورِ الثمانيةِ في دَوْرِي أشبالِ العمارة. فالبيبي فوت بدونِها أُولْد فوت. الجَدُّ تنتابُه -بين مباراةٍ وأخرى وهدفٍ وآخَر- بعضَ آلامٍ في قلبيه الكبيرينِ، والحفيدانِ -بِهِما – يتنافسانِ أحيانًا ومعَه أحيانًا أخرى. لأسبابٍ معروفةٍ، وقبلَ أنْ تنتهيَ مباراةُ الليلةِ بصافِرةٍ أو يزيد؛ يسقطُ الحَكَمُ فورَ سقوطِها منْ فَمِهِ. يبدو أنَّ الجلطةِ -أخيرًا – تمكنتْ من اختزالِ رُوحِه في بدنهِ الأيسَرِ. الحالةُ تسْتَدعِي تواجُدَ الابنِ الأبِ البارِّ الدائمَ تحتَ أقدامِ أبيهِ الجَدّ. الأيامُ تمرّ والشهورُ، والشفاءُ العاجلُ يغادِرُ سقمَهُ. الابنُ الحارُّ وزوجتُه الحُرَّةُ يَتناوبانِ الألمَ مَعَهُ بِلا أمل. طبيبُ العائلةِ يُوصِي بإيداعِه فورًا في دارِ أخرى؛ تَعْفِيه مِنَ الإفراطِ و تَحمِيهما مِنَ التَّفْرِيطِ. فَيَصْطَحِبَانِهِ وكرسيِّه الحديدِيِّ والحفيدينِ -اللذينِ يُصرّانِ على اصطحابِ البيبي فوت أيضًا – في سيارةِ العائلةِ الفُوروِيلْ بآلاتِ جرِّها الأماميةِ والخلفيةِ؛ لجَرِّهِ بسرعةٍ من الدّارِ للدّارِ. وأثناءَ قيامِ الأبِ باستكمالِ اجراءاتِ الإيداعِ؛ يقومُ الحفيدانِ بجرِّ البيبي فوت نحوَ كرسيّهِ الساكنِ؛ لبدءِ مباراةِ الفاينال، بينما يُخرِجُ الجَدُّ الكرةَ بسرعةٍ–بِيُسرٍ –مِنْ سَيَّالَتِه اليُسرَى، ودموعُه تشتعلُ بدموعِهما وتَسقطُ على الصافرةِ في يدِ الأمِّ، التي تَصرخُ بهستيريا في الموبايلِ وتَركضُ والحفيدان والفريقانِ والكرة والصافرةُ والحَكَمُ بكرسيّهِ المتحركِ ناحيةَ البوابةِ، في الوقتِ الذي يُحَلِّقُ فيه الابنُ الأبُ فاتحًا ذِراعَيهِ وأبوابِ و شنطةِ الفورويل؛ استعدادّا وتمهيدًا للإقلاعِ الأخير، بسرعةٍ أخرى أخيرةٍ، من النارِ للدارِ.
-أخ أخ
بسرعةٍ، حَفَرَ حفرةً لأخيهِ؛ فَلَمْ يقعْ فيها، وبسرعةٍ رَدَمَها. من دقيقةٍ، تَمّ افتتاحُ شركةِ
(أَخّ × أَخّ) للحفرِ والردمِ السريعِ.


