حنان العسيلي
حيثُ للحواديتِ وجوهًا، وللزمنِ رائحة! يسري عبيره بين جدران الروحِ المُرهقة.
إلى الدفء والأصالة.. إلى الحضنِ الذي يحوي بداخلهِ آلاف الأحضان الصغيرة، ليدٍ تمدّ لي أيادي الطفولة ..أيادي الصبا.. فأنمو وأكبر بين ثنايا نبضها المؤمن.
لبيتٍ لا تعرف جدرانه سوى الحب والتسامح والنقاء.
لبيتٍ تطير نسمات حكاياته ما بين الضحكات المُبعثرة والأصوات المُشتاقة المُتلاحقة دومًا للمزيد من الحكي والكلام.
حيث الوطن بمعناه الحقيقي فلا برد ولا حر ولا ضجر،الوطن الذي يُرحب بأبنائه وجيرانه ،ليصير جناحًا كبيرًا يُحلق فوق الوجوهِ التي أرهقها تعب الزمن وحزن السنين!
في حكايا جدي بنينا المدن،والأوطان.. ترعرعت الأزهار والأوراق الخضراء في جدران عقولنا، فاستنشقنا منها حكايات خلدتها السنون، ونقشها الدهر على الأحجار لتحيا معنا لعمرٍ جديد كلما فتحنا خزانة الذكريات المنسية وقرأنا منها بعض الحروف.
تحملني رياح الماضي لنقف فوق عتبةِ منزلٍ، فتتركني بضفائري الطويلة وفستاني ذا الحزام الذي كانت تربطه لي أمي دومًا في شكل”الفيونكة.”
ذاك الشباك القديم والذي كان دومًا في مخيلتي جدرانًا مقدسة ليس مجرد شباكًا يُغلق ويُفتح كأي شباكٍ آخر، بل يعد بمثابة باب الدخول لعالم جدّي.. ذلك العالم اللامتناهي القدسية.. العالم العتيق الذي نستنشق أنفاسه كلما ضاقت بنا أنفاس الدنيا.
أما عن الباب.. فيكفي أن أطرقه ليفتح لي أبواب الأمان والود، لتنعم روحي بالدفء والسكون وكأني أستظل بشجرة في الهواء الطلق بعد أن أتعبتني الطرق الحارة المُشمسة في يومِ صيفٍ ساخن.
رائحة الخُبزِ في بيت جدّي أكثر جمالًا وسحرًا من رائحة زهورِ البنفسج والأوركيد!
الاستراحة التي يبحث عنها كل قلبٍ حائر ، وكلّ روحٍ مُتعبة.. كانت خلف شرفاتِ بيت جدّي.
فأحتاج.. وأشتاق.. ليومًا برائحة الطفولة، للُعبةٍ بنكهة جدّي!
كنّا صغارًا.. نعرف من المطر أن الدنيا لا زالت بخير، وبأن الكذب فعلٌ سيء.. كانت أحلامنا بسيطة، أمنياتنا بريئة، وتطلعاتنا نحو المستقبل جميلة .. مُزهرة، من لمعةِ العيون كانت الأحلام تولد في كل يومٍ، ومن دموعها كانت القلوب الضعيفة الصغيرة تتخذ قرار عزلة فتصالحها دمية أو قطعة حلوى !
كانت كلمات جدّي وحكاياته البسيطة تجمع الكثير من الصّغار، فندفء بجانب بعضنا البعض، وكلنا تطلع ولهفة لحكايةٍ جديدةٍ في كلِّ يومٍ جديد.. وكأننا ننام ونصحو لنسمع المزيد والمزيد منها فلا نكتفي ولا نملّ.
أخبرني جدّي يومًا أننا في الجنة سنُصبح سعداء، وسترسو موانيء الروح المُتعبة في الشطآنِ الهادئة النقية، وسوف نُجدِّف يومًا تلو الآخر بحرية.. دون خوف.. دون قيودٍ أو فراق، ذلك الشبح المدعو الفراق الذي يُخيف الكثير والكثير حتى يومنا هذا.. سينتهي، وستفشل كل أساطيره في أن تُسيطر على قلوبنا !
دومًا ما كانت آذاني صاغية، وعيوني مُتسعة لكل ما يخبرني به، وكأنني أود أن أحتفظ بأكثر كم من الحكايا والأقاصيص، كي أراه فيها وأستجدي حضوره تارةً تلو الأخرى ،بعد أن يمضي!
تُحدثني أقاصيص جدّي بأنه لازال هناك شيء عالق في عقولنا يربط بين ماضينا وحاضرنا.. شيء لو نسيناه ضيعنا ولو نسينا هو صرنا بلا هوية ! فاقدي ذاكرة الزمن في منتصف العمر.
شجرة أعمارنا منذ وُلدنا، وحتى اليوم هي أغلى ما تملك قلوبنا من ذكريات.
الكنز الحقيقي سيظل في أعناقِ الحكاياتِ التي لا تفنى سوى بفناءِ أعمارنا، وصعودنا للعالم المُنتظَر.
وحدها تلك الأشياء البسيطة ستظل متربعةً على عرشِ التفاصيل، على عرش تلك الأشياء الكثيرة الكبيرة المُعقدة.
لدى قبر جدّي تُنبت الحياة، وتتنفس الأشجار.. فالحياة حياة القلوب، وليست الأجساد.
ولا يحيى سوى كلِّ ذي قلبٍ سليم، فلن ينعم برضا الخالق ولن يلقاه على ما يُحب ويرضى سوى كلِّ ذي قلبٍ سليم .


