بقلم محمد بصري*
“إذا كانت الحقيقة تقتلهم فليموتوا إذن” كانط عمانويل
إن العرق والإثنية لا يمكن في أي حال أن ينظر إليها على أنها حقائق كبرى تهب الجوهر والماهية” أناماريا ريفيرا anna maria rivera كانط وافريقيا كيزيتو اوونا kisito owona .
لما تَسَلَّم ليندون جونسون Lyndon B. Johnson (1908/1973) السلطة بعد اغتيال جون كينيدي الدرامي استمر في تثبيت دعائم مشروع الحقوق الانسانية وإنهاء معضلة الميز العنصري. كرجل أبيض لم يكن واثقا منها أو مقتنعا بها على مستوى وعيه الباطني. في مروره بالسيارة الرئاسية متجها لإلقاء خطاب في مجلس الشيوخ نظر إلى تمثال ابراهام لنكولن وقال بصوت خافت “سأقوم بتنظيم وإعادة ترتيب الفوضى التي أحدتثها” وهو يقصد بدون ريب دفاع هذا الرئيس الديمقراطي المقتول عن حقوق السود العبيد وإرسائه دعائم المواطنة الأمريكية بعد المعضلة الإفريقية وتغيير وضع قانوني لثلاثة ملايين من العبيد الأفارقة المقهورين عام 1863 في القارة الامريكية التي تورط فيها تجار العبيد بالولايات غير المتحدة الامريكية.
كانط.عمانويل المتبتل والمتطهر ميتافيزيقيا لم يترك شيئا لم يتحدث فيه حتى العادة السرية ضجر منها وحذر الأولياء من أن يتركوا مراهقيهم فريسة هذا الغول الجنسي الذي يقتات على عقلهم الباطني وتوازنهم اللاشعوري وسلامة أجسادهم ووظائفهم البيولوجية.
يعتقد البعض أن كانط تأثر مذهبيا بديفيد هيوم وهو خطأ شائع.هذا الأخير كان ثقبا أسودا ضلل الأفكار الكانطية وابتلعها دون شفقة. روسو هو ملهم كانط من خلال كتاب “إميل” خاصة في العلاقات الحميمية والإنسانية يقول عن المرأة “من السهل اكتشاف الرجل أما المرأة فلا تخون أسرارها أبدا مادت هي التي قامت بتوريطنا فيها”.
في كتاب الطبيعة والجغرافيا يبدو كانط غير طبيعي ومنصف كفيلسوف أخلاقي بل غير عقلاني بالمرة يقرع نواقيس الجحيم الذي يهدد الضمير الإنساني جراء التهديد البرغماتي والذرائعي للنوايا الطيبة للبشر. كانط الأنتروبولوجي يظهر كقسيس قرنوسطي عنصري بعد الإهانات المتكررة للأجناس والأعراق الأخرى في مؤلفه ورسائله حول الطبيعة والجغرافيا.
تصنيف كانط للأعراق كان بدوافع طبيعية جغرافية وانتروبولوجية. ويظهر فيها غير دقيق ومنحاز للمركزية الغربية والثقافة الآرية التي باتت تتشكل مع البروستانتيين الجدد الثوريين والبسماركية. وهذا التصنيف كالتالي:
1- العرق الأبيض أو ذوو البشرة البيضاء الّذين لديهم كل المواهب السيكولوجية وكل السمات العقلية والقوى الحافزة على بناء الحضارة وفهم العالم عقليا.
2-العرق الآسيويّ أو ذوو اللون الأصفر، وهم يمتلكون قابلية للتعليم المجسد وليس للتعليم الفلسفي المجرد.
3-العرق الأسود، هم من أصحاب اللون السود الذين يمكن تعليمهم بوصفهم خدما.
4-العرق الأحمر، وهم السكان الأصليّون لأميركا غير القابلين للتعليم على الإطلاق.1
تأثير هيوم على كانط كان وبالا ترك فيه تحيزات إذ يعتبره أحد جغرافيي العقل البشري. لم تكن التصورات البيولوجية العرقية لكانط بمَنْأىّ عن نظريته الأخلاقية الرائجة والذائعة الصيت. يبدو أن فكرته حول التحول الجيني لا تقف عند مستوى المظهر الخارجي الفيزيولوجي للأعراق الأخرى التي تختلف عن البيض او العرق المتفرد. فالسود والهنود والمغول وأصحاب البشرة الداكنة او الحمراء ينضون تحت حلقة شعوب متخلفة والمتردية قيميا. النوع والشكل هو انعكاس لباطن مختل. فهو من دعاة التداخل بين الجيني الثقافي.كما يقول ولسن 1973 ان ثقافتنا مسجلة في خلايانا التناسلية”.
كانط لم يكن متصالحا مع إفريقيا.هذه القارة السوداء لم تكن في وعي الغرب وحفدة الجنس الهندوأوروبي من القوطيين سوى مصدر الرقيق والعبودية والمعادن لم ينظر إليها ذوو الأعين الزرقاء والصفراء والخضراء إلا كحمام روماني قديم يقذفون فيها فضلاتهم ومرحاض خلفي لحدائقهم الخاوية على عروشها يتخلصون فيها من بقايا أحشائهم. إفريقيا التي اتهمت عبر عصور وزمن ليس باليسير بعدم النضج والتخلف كون أن الانسان العاقل l’homosapiens خرج منها فهي على الأقل تمثل فجر الوعي البشري القديم جدا.
كانط كان يقول” أن يتحرر جمهور ما بنفسه فه أقرب إلى الاحتمال، بل إن ذلك حتمي شريطة أن تمنحه الحرية” الأفارقة وفق هذا النموذج الرئيوي لا يملكون شرطا مسؤليتهم وهما العقل والحرية. فهم خارج الكوسموس الكانطي أو الفضاء الكوسموبوتيقي بتعبير الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني لم يتحول الأفريقي في مساره الهووي من وضعية الذات حتى يندمج في بنية المواطنة العالمية.
يبدو غريبا اتهام صانع الأنوار وعقل الحداثة وما بعدها إيمانول كانط بالعنصرية والعداء للسامية والدعوة إلى التفوق الإثني الذي لا تمثله إلا طبقة رمادية غربية يغدو كانط هنا عرابا للمركزية الغربية والايغو ego موقفه لا يقل فداحة عن اتهام هيدغر بالترويج فلسفيا والولاء للنازية.
المركزية الغربية كانت دائما رافدا للشمولية هناك انتصاب لأنا متشددة متصلبة حول مركزيتها وظهرت كانعكاس للاوعي جماعي هيمن على الثقافة وصناع الوعي الغربي هي شبيه بفكرة المظلومية والتاريخية التي تحرك اللاوعي الجماعي اليهودي أو فكرتي الكاريزما والعصبية القبلية التي توجه اللاوعي العربي.
كانط الأخلاقي نبي الحداثة وعقلها اليسوعي كان انتروبولوجيا عنصريا فهو عند اشتغاله على أكثر الحقول الفلسفية والثقافية غرابة أي علم الاناسة أو علم الفضلات الانتروبولوجيا فهو ينتهك قواعد الواجب المخضب بالنية الطيبة. النوايا الحسنة انقلبت إلى تصنيف طبقي وعقلاني على أساس اللون والجنس. عمانويل كانط وقع في المأزق الإثني .اختار طائفته البيضاء رغم انحداره من أسرة متواضعة بسيطة أبوه كان سراجاووالدته ربة بيت بسيطة.
لكن علينا أن نميز بين كانط الإنسان وكانط الأخلاقي وكانط الانتروبولوجي كانط لم يكون رسول الإنسانية الأخير كما يرى ميشال سيريس. هذا المفكر النادر خضع لنقد مكثف لآرائه في الطبيعة والجغرافيا بناءا على عقلانية موازية هي بمثابة عنف تأويلي لأفكاره في شروطها التاريخية والبيئة الثقافية والسياسية التي عاش فيها فيلسوف مدينة كونيغسبرغ البروسية.
عندما يعلن أن السود “ليس لديهم شعور بالطبيعة”، وعندما يشدد على القول بأن الأمريكيين الأصليين ليست لديهم القدرة على التحضر كما جاء في مقال لسعد وطفة فيقول “العرق الأبيض بطبيعته يمتلك كل المواهب والدوافع، لذلك هو يستحق المعاينة والدراسة عن كثب أكثر من غيره” 1
إفريقيا في أفق التفكير الغربي والمشروع الكانطي ليست إلا جغرافيا بدائية تتضمن أكثر الطبائع البشرية تخلفا. وهنا يقر كانط “أن الفضاء العرقي l’espace ethnique يتعارض مع الفضاء الجمهوري l’espace republicain عند زنوج إفريقيا والتنوع العرقي واللغوي جعلها “أرض غير صالحة لقيم الجمهورية”” 2
المشروع الكانطي التنويري العقلاني هو ضد القارة السوداء إنه يذكر بلعنة حام التي حلت بابنه كنعان حين سَخَر من عورة أبيه النبي نوح وضحك منها حسب سفر التكوين الخطيئة الثانية تقول الآية في السفر: وَابْتَدَأَ نُوحٌ يَكُونُ فَلاَّحًا وَغَرَسَ كَرْمًا. وَشَرِبَ مِنَ الْخَمْرِ فَسَكِرَ وَتَعَرَّى دَاخِلَ خِبَائِهِ. فَأَبْصَرَ حَامٌ أَبُو كَنْعَانَ عَوْرَةَ أَبِيهِ، وَأَخْبَرَ أَخَوَيْهِ خَارِجًا. فَأَخَذَ سَامٌ وَيَافَثُ الرِّدَاءَ وَوَضَعَاهُ عَلَى أَكْتَافِهِمَا وَمَشَيَا إِلَى الْوَرَاءِ، وَسَتَرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا وَوَجْهَاهُمَا إِلَى الْوَرَاءِ. فَلَمْ يُبْصِرَا عَوْرَةَ أَبِيهِمَا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نُوحٌ مِنْ خَمْرِهِ، عَلِمَ مَا فَعَلَ بِهِ ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَقَالَ: “مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ الْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ”. وَقَالَ: “مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ سَامٍ. وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ. لِيَفْتَحِ اللهُ لِيَافَثَ فَيَسْكُنَ فِي مَسَاكِنِ سَامٍ، وَلْيَكُنْ كَنْعَانُ عَبْدًا لَهُمْ”.” ــ سفر التكوين (9: 20- 27. بغض الطرف عن التأويل النصاني الحرفي للآية التوراتية المنحولة وبعيدا عن حملة تشكيك وعنف تأويلي ضدها فقد وضعت قواعدطوطمية ودينية غير بريئة للعرق البشري. صنفت أبناء نوح يافث وحام وسام تصنيفا طبقيا وقداسيا أرهق البشر كثيرا. وجعلت اللعنة ترخي بكلكلها على حفدة حام فاللون الداكن والصفات الفيزيولوجية القاسية كانت من نصيبهم. وسيكوون هناك تفويض انتروبولوجي يضع هذه السلالة في أدنى العنقود البشري.هي لعنة ميتافيزيقية امتدت لفيلسوف الثلاثية والملكات والعقول الثلاثة الذي فك شفرة الميتافيزيقا ووضعنا مع مسافة نقدية مع الزمن الغيبي واللاهوتي.
. “الفلسفة الألمانية لاتنكر الطبقية وخطابها الثقافي عرقي يميز بين المكونات البشرية والبيولويجية ويبدو ذلك في فكر هيغل الذي أسس لما يدعى جدلية العبد والسيد.
كاط الشاب ليس هو كانط الكهل والعجوز ويجب أن نعرف انه التحق بالجامعة وعمرة 41 سنة وكان يمقت كثير من الآراء الاكاديمية المتعالية والمتغطرسة ومحبا للتواضع والزهد هذا الرجل لم يتزوج ولم يعاشر إمرأة كما تقول الأدبيات التي لاحقت حياته وخصوصيته.
تساءلت ماذا نلوم كانط؟؟ إذا كان جزء من ثقافتنا العربية الاسلامية مازال يؤمن بعقاب العبد الآبق وبعض طوائفنا الدينية تؤمن بثقافة الرقيق والجواري والسبايا والإخصاء والحريم.
كانط في أواخر حياته كما يرويها كاتب سيرته توماس ذي كوينسكي مرافقه وتلميذه ومريده الذي أحبه ودعمه حتى يوم وفاته 12فبراير 1804 يروي آخر روايات كانط في صورة درامية مثيرة وحزينة جدا جعلت جلساءه وضيوفه يذرفون الدموع كان هذا الفيلسوف شبه أصم أعمى مشلول الحركة شبه فاقد للذاكرة بعد 60 عاما من العطاء والمعرفة والتفكير. دعاه توماس للنقاش سأله عن “الموريين في الساحل البربري “1 تفاجأ الجميع بتحليل كانط لهاته العرقية والاثنية التي عاشت في شمال إفريقيا.فقد كانت هذه القارة هي آخر حورارت وأفكار كانط التي اشتغل عليها الموريون هم سكان الجزائر .بل كانت الجزائر آخر ما ناقشه وتلفظه في محاضرة قصيرة تحدث عنها وعن أعراف الشعب الجزائري وتقاليده وبيئته الاجتماعية والكيفية التي يمكن أن ننطق بها لفظة ومفهوم الجزائر. 4
لا يمكننا أن نحاكم الرجل الذي تاه في صحراء انتروبولوجية لم تتناسب مع رحلاته العلمية.لم يعرف البدائيين والشعوب الكتابية عن كثب كما فعل كلود ليفي شتراوس ومالنويفسكي لم يتعرف عن الهنود الحمر عن قرب كما فعلها كلود كلاكهون في كتاب الانسان في المرآة. كانط الذي لم تتزحزح قوائم مكتبه عن مكانها في غرفته المطلة على الحديقة مدة 40 سنة كيف يمكنه أن يدرك بيولوجيا واناسيا كل الأعراق والأجناس البشرية.
محمد بصري مفتش التربية الوطنية الجزائر
هوامـــــش
1- كانط وافريقيا كيزيتو اوونا kisito owona ترجمة محمد أمين بن جيلالي جامعة بومرداس. ص 3
2- سعد وطفة مأزق كانط الأخلاقي مقال صحيفة المثقف ساعة التصفح 10و20 يوم 19/04/2023
3- كانط وافريقيا كيزيتو اوونا kisito owona ترجمة محمد أمين بن جيلالي جامعة بومرداس. ص 11
4- انظر توماس ذي كوينسكي أيام كانط الأخيرة ص 66/67
مفتش التربية الوطنية





