محيي المسعودي
أضحت وسائل الإعلام الالكترونية العالمية ومواقع التواصل الاجتماعي، في الوقت الراهن، عصبَ الإعلام الحديث، والوسيلة الأقوى في الساحة الإعلامية، بسبب سرعة إيصالها المعلومة، والتفاعل الكبير معها، وتأثيرها على الجماهير.
وحفلت وسائل الإعلام المختلفة بالعشرات من الأخبار غير الموثوقة، منها الكاذب بالكامل ومنها ما يعرض نصف الحقيقة فقط أي ما يراد نشره فقط ، ومنها الملون أي الذي يتم التلاعب فيه بالألفاظ والمصطلحات
وفي التمهيد للحروب وفي خضمّها، تعمد أطراف النزاع إلى استغلال خدمات الإنترنت، من أجل ترويج روايتها. وتعمل على حجب المواقع المعارِضة، وفرض رقابة على المحتوى المنشور، وهذا أبسط ما يمكن أن نصفه بسلب الحق في التعبير عن الرأي وقمع الحرية، بالإضافة إلى سلب المواطنين حقَّهم في الحصول على المعلومات.
بدا هذا واضحاً من خلال تعامل الولايات المتحدة الأميركية، وشبكات التواصل الاجتماعي، التي تتخذ أميركا موطناً لها، مع عدّة حروب وأزمات، من بينها: فلسطين المحتلة، سوريا، اليمن وفنزويلا وأخيرا وروسيا.
منذ اشتعال فتيل الأزمة في أوكرانيا، اشتدّت الحرب الإعلامية الالكترونية ، وخاصة تلك المعتمِدة على منصات التواصل الاجتماعي، ضد روسيا ونشرت آلاف الصور والفيديوهات المفبركة , فمثلا تم نشر فيديو ادعى ناشروه أنه لحرائق اندلعت في محطة توليد كهرباء في منطقة لوجانسك الانفصالية في شرق أوكرانيا بعد إعلان الرئيس الروسي بدء عملية عسكرية هناك.. إلا أن الادعاء غير صحيح، لان الفيديو قديم وهو يصور حريقا في مستودع للمواد الكيميائية في الصين عام 2015.
وتداول مستخدمون صورة قيل إنها تظهر جنوداً أوكرانيين وهم يقيمون الصلاة أمام صورة للعذراء مريم، إلا أنّ الصورة منشورة قبل أكثر من أربع سنوات.
ومن بين المشاهد المفبركة أيضا والتي تم ربطها بالحرب الروسية الأوكرانية هو فيديو متداول ويظهر إسقاط طائرة روسية بصاروخ أوكراني. غير أن البحث عن أن أصل الفيديو بين انه يعود لسقوط طائرة فوق سماء مدينة بنغازي الليبيّة عام 2011
ونشر مشهد قيل انه قصف روسي لأوكرانيا لكن تبين أن الفيديو مجرد تصميم رقمي منشور قبل أشهر ويبدو خلاله ومضات وانفجارات في سماء ملتهبة ليلاً.
وتم تداول صورة أيضا تعود إلى سنة 2017 وتدعي أن الأسطول الصيني بوضعية هجومية على تايوان بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا. وهي محولة للايجاء بان حربا عالمية عالمية ثالثة قد بدأت وأن السفن الحربية الصينية في طريقها إلى تايوان لقصفها واعادتها الى الصين. وكانت هذه الصورة تعود إلى العام 2017 وهي في الأساس لحاملة طائرات صينية خلال إحدى المناورات.
وتداولت المنصات مشهدا يظهر فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مقهى يبتاع فنجان قهوة وشيئاً من الطعام وكأنه يمضي وقتاً ممتعا وهادئاً فيما قواته تقلب العالم رأساً على عقب. ولم يلتفت الكثيرون الى صورة بوتين التي بدى فيها أصغر سناً. ما يعني انها صورة قديمة
ومن الأخبار الكاذبة التي انتشرت بكثافة خبر “شبح كييف” وهي قصة اعتُبر أنها تمنح الشعب الأوكراني الشجاعة والأمل وتتحدث القصة عن مقاتل طيار أوكراني استثنائي للغاية يُقال إنه أسقط بمفرده ست طائرات روسية منذ بدء الغزو، وانتشرت صور وفيديوهات عن هذا الطيار، حتى أن بعض التغريدات حول القصة تمت مشاركتها عشرات آلاف المرات . وتبين أخيرا انها من فيديو دعائيّ يحتوي على لقطات من لعبة ، ادّعت حكومة اوكرانيا أنّها لاحد طيّاريها. وتداول العديد من الأوكرانيين لقطات هذه اللعبة معتقدين أنّها “لشبح كييف” ومن بين الناشرين الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو والسفير الأوكراني لدى الاتحاد الأوروبي، ميكولا توتشيتسكي، الذي كتب في تغريدة: “حقّق طيّار مقاتل أوكراني ستة انتصارات في يوم واحد في معارك جويّة ضدّ الروس. أطلق عليه لقب “شبح كييف”. ورغم كشف حقيقة الفيديو، لم تتراجع الصفحات الرسمية الأوكرانية عن مزاعمها بشأن “شبح كييف”، بل تروّج علناً الادّعاءات بأن الطيّار حقيقيّ، في محاولة واضحة لحشد الأمة المحاصرة وراء بطل، وتغذية الدعم للجهود الحربية الأوكرانية.
ومن التناقضات في الاعلام الغربي الذي ظل يصف المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني بالارهاب ان فبرك صورة الطفلة الفلسطينية عهد التميمي وهي تصفع الجندي الصهيوني ونشرها على انها لطفلة اوكرانية شقراء زرقاء العينين تصفع جنودا من روسيا
منذ إطلاق الرصاصة الأولى للحرب بين أوكرانيا وروسيا، سيطرت مجموعة من الصور “المزيفة” على مواقع التواصل الاجتماعي. وبحسب ما رصدته وكالة الأنباء الفرنسية فقد جرى تداول صورة للرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي بالزيّ العسكري وكأنه يخوض حربا ولكن لا علاقة لهذه الصورة بالهجوم الذي أطلقته روسيا, والصورة تم التقاطها سنة 2021 . ولعل أحد أبرز التعليقات المرافقة للصورة هو: “الرئيس الأوكراني يرتدي الزيّ العسكري بعد غزو روسيا بلاده”. ومع بداية العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، تصاعدت الضغوط على روسيا بصورة هستيرية. لاسيما التكنولوجية وشبكات التواصل الاجتماعي، بحيث فرضت شركات التكنولوجيا العملاقة حصاراً على المواطنين الروس ووسائل الإعلام الروسية.ونشر الكاتب المتخصص بشؤون التواصل الاجتماعي، بيتر سوتشيو، مقالا في “فوربس”، بعنوان “هل غزو روسيا لأوكرانيا أول حرب سوشيال ميديا؟”، جاء فيه: يمكن اعتبار أحداث “الربيع العربي” بروفة لكيفية استخدام السوشيال ميديا في تغطية الأحداث السريعة، من أجل إحداث التغيير، أو إدانة حادث ما، أو حتى إسقاط حكومات، ويضيف: أن حجم السوشيال ميديا ونطاقها تغيّرا كثيراً مقارنة مع عام 2011″.
ان حظر وسائل الإعلام الروسية، واستخدامُ السوشيال ميديا أداةً لتنفيذ سياسات الدول الغربية، ضد روسيا، حدث سابقاً، وفي اليمن بشكل خاص. فعمليات الحجب والرقابة بدأت في وقتٍ مبكّر من تاريخ حرب التحالف السعودي على هذا البلد، فنشر أي محتوى لحركة “أنصار الله” أو قياداتها، في موقع فيسبوك، يطبقون عليه حظرا وفق قوانين تسمى “ترويج لمحتوى إرهابي”. واستمر هذا الأمر حتى بعد حذف اسم الحركة من قائمة التنظيمات الإرهابية، وهذه الحال تؤدي إلى غياب كثير من الاعتداءات على الشعب اليمني والكثير أيضا من أحداث الحرب اليمنية عن هذه المنصة، التي يتابعا أكبر عدد من المشتركين عالمياً بين المنصات الأخرى. وهذه الإجراءات أو مثيلاتها تطبقها منصات أخرى، كثيرة.
أمّا وسائل الإعلام التقليدية، وخصوصاً المرئية منها، فنالت حصتها من الحظر فيما يخص اليمن، فقد حجبت شركة الأقمار الاصطناعية في مدار القمر المصري، “نايل سات”، والمستضيفة لقناة “المسيرة” اليمنية، حجبت القناة 9 مرات على التوالي حتى عام 2018. وهي القناة الرئيسة، التي تقدّم الرؤية الإعلامية المخالفة لما تحاول وسائل الاعلام السعودية تعميمه بشأن عدوانها على اليمن.
ويقول رئيس مجلس إدارة القناة اليمنية: ان هذه الإجراءات غير القانونية، وتعسفية وانها “تصعيدٌ من قوى العدوان، التي تهدف إلى كم الأفواه، والتعمية على الجرائم السعودية في اليمن”.
وتستمرّ هذه الإجراءات، سواء من الدول أو إدارات مواقع التواصل. فالولايات المتحدة أغلقت، عام 2021، مواقع إلكترونية تابعة لعدد من وسائل الإعلام في اليمن وإيران والعراق، بحيث ظهرت رسالة في الصفحات الرئيسة لهذه المواقع، تشير إلى العقوبات الأميركية مع أختام لمكتب التحقيقات الفدرالي ووزارة التجارة الأميركية. عندها، نددت قناة “المسيرة” اليمنية بما اعتبرته “قرصنة أميركية ومصادرة لحقوق النشر وحرية التعبير”.
وبيّن تقرير KeepItOn، عام 2019، أن اليمن حاز أكبر نصيب من عدد عمليات حجب الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط. وفضلاً عن هذا، وردت تقارير من عدّة مصادر موثوقة، مفادها أن العدد الحقيقي لعمليات الحجب في اليمن يتجاوز كثيراً العدد الذي تم توثيقه.
وتبنّت وسائل الإعلام الأجنبية والصحف البريطانية والأميركية، في مجملها، الرواية السعودية للحرب على اليمن. وتنبّهت مديرة معهد “شيللر” الدولي، هيلغا زيب لاروش، إلى الموقف الإعلامي في الغرب من حرب اليمن، فقالت في كلمتها، المقدَّمة إلى مؤتمر برلين الّذي عُقد في 25 شباط/فبراير 2017، تحت شعار “جرائم الحرب المنسية في اليمن”: “لم يفضح النفاق، الذي لا يُحتمل لمن يُسمى الغرب الحرَّ، شيئاً سوى الامتناع عن التغطية الإعلامية لجرائم الحرب التي تُرتكب يومياً ضد الشعب اليمني”. وفي خضمّ سيل المعلومات المتدفِّق عبر الإنترنت، وتحوُّل منصات التواصل والمواقع إلى نوافذ دعاية سياسية، فإنّ أي حظر لهذه الوسائل، أو إفراد تغطية مركّزة لموضوع من دون آخر، له في الأغلب أهداف سياسية تخدم الدول التي تموّل وتوجّه.
ويقول موقع “NPR” الأميركي إن هناك حروباً، في الحقيقة، تحظى باهتمامٍ أكثر من غيرها. واستحوذ الدخول الروسي لأوكرانيا على اهتمام الرأي العام في الغرب، بطريقة لم تفعله الحروب الأخيرة، مثل حرب اليمن، أو إثيوبيا.





