المجلة الثقافية الجزائرية

الإنسان ليس قاتلاً بطبيعته: جدلية الأخلاق والقانون والقوة العارية

د. أحمد ديركي*

 

مقدمة: تشكل علاقة الإنسان بـ”القتل”، وتحديدًا قتل الإنسان للإنسان، واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في الفلسفة السياسية والأنثروبولوجيا، إذ تتباين الإجابات بين اعتبار “القتل” غريزة فطرية بشرية، وبين رده إلى بنية اجتماعية واقتصادية طارئة.

ففي الوقت الذي تذهب فيه النظريات الواقعية، ممثلة بتوماس هوبس، إلى أن الإنسان “ذئب لأخيه الإنسان” في حالته الطبيعية، وأن الدولة بمثابة “اللفياثان” الذي يكبح جماح غريزة القتل، النابعة من حالة الحرب الكل ضد الكل، يتجلى ضبط هذه الغريزة باحتكار “العنف الشرعي”، نجد أن ثمة قراءات مغايرة تعيد النظر في هذه المسلمات. فالمعاينة التاريخية للقوانين والأخلاق تكشف عن ترابط وثيق بينهما، بحيث تصبح الأخلاق أرضيةً لتشريع القوانين، وتتحول الدولة الحديثة إلى “دولة قانون” تُقدّس الملكية الخاصة وتحتكر القوة تحت ستار الضبط الأخلاقي. غير أن هذا البناء ينهار حين نرصد تناقضاً صارخاً: كيف يمكن لدولة القانون ذاتها أن تنتهك القانون الدولي في غزوها للعراق ذريعة كاذبة، أو أن تتغاضى عن إبادة جماعية ترتكبها كيانات سياسية معترف بها، وكأنها تعيد إنتاج “قانون الغاب” تحت مسمى الحداثة والتقدم؟ يُعيد هذا التناقض طرح سؤال طبيعة الإنسان، ليس بمعزل عن سياقه، بل في صميم علاقته بوسائل الإنتاج والملكية الخاصة، إذ قد لا يكون القتل غريزة بقاء، بل نتاجاً لنمط اجتماعي يدفع الإنسان إلى العنف لحماية مكتسباته أو للبقاء في مواجهة جوع صنعه نظام اقتصادي، كما يُصوره أدب دوستويفسكي في “الجريمة والعقاب”.

من هنا، تنبثق الإشكالية المركزية، بصيغتها الأولية، لهذا المقال: إن كان الإنسان ليس قاتلاً بطبيعته، كما يقول الطرح الماركسي-اللينيني الذي يرد القتل إلى علاقات الملكية الخاصة وليس إلى غريزة فطرية، فكيف يمكن تفسير استمرار العنف والقتل في مجتمعات تُعَدّ “متقدمة” وتتمسك بدولة القانون؟ وهل يمكن القول إن سقوط الأخلاق والقوانين في زمن “القوة العارية” لا يعكس طبيعة الإنسان، بل يعكس أزمة نظام اقتصادي-سياسي يُنتج العنف كضرورة للحفاظ على التمايز الطبقي، مما يضعنا أمام تناقض عميق بين الخطاب الأخلاقي والممارسة الفعلية للسلطة؟

هكذا يتموضع القتل في العلاقة بين الأخلاق والقانون في سلمها النظري، لكن ماذا يحدث عندما تواجه هذه العلاقة اختباراً عملياً في أرض الواقع؟ هنا ننتقل من المبادئ إلى الممارسة.

علاقة الجدل والارتباط بين الأخلاق والقانون

كي نبقى ضمن حدود القتل نشير إلى ان حتى للقتل أخلاقه. للتوضيح في الديانة الاسلامية عند ذبح الذبيحة يجب الا تُعذب، أي على الجزار ان يستخدم سكين حاد جداً كي لا تتعذب، وفي كثير من التشريعات الأخلاقية لا يجوز تشويه جثة العدو بعد قتله، او تعذيبه حتى الموت. وهنا دخلت القوانين الدولية، والتي وقعت عليها كثير من الدول وامتنع البعض عن التوقيع، لتحد من هكذا اجرام بشري بحق البشر. لكن في زمن القوة العارية تسقط كل الأخلاق والقوانين البشرية.

وهذا يوضح أن الأخلاق والقوانين أمران مترابطان، لأن القوانين البشرية تُبنى على قاعدة الأخلاق. ورغم اختلاف الأخلاق من مجتمع بشري إلى آخر، إلا أن هناك أخلاقاً بشرية، في حدودها الدنيا، متفق عليها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، منذ أن عرفت معظم المجتمعات البشرية الملكية الخاصة، أصبحت سرقتها جريمة يُعاقب عليها القانون. وهنا يمكن العودة إلى قوانين حمورابي (أو تشريعاته، كما يفضل البعض)، وهي أقدم تجسيد لهذه العلاقة، حيث كانت سرقة الملكية الخاصة تستوجب عقوبات قاسية.

فالقانون، بعامة، صيغة تستخدمها السلطة من أجل عقاب “المجرم” لارتكابه “جريمة” مخالفة للأخلاق المتعارف عليها ضمن مجتمع ما. ومع تطور المجتمعات البشرية تطورت الأخلاق، فهي ليست بذاك الشيء مطلق الثبات خارج قانون التطور المجتمعي، وتطورت معها القوانين لارتباط المفهومين، لنصل اليوم إلى مفهوم الدولة الحديثة. ومن أسس هذا المصطلح، الدولة الحديثة، أي الدولة التي نشأت وتشكلت بصيغها الحالية مع تشكل نمط الإنتاج الرأسمالي، أن تكون هذه الدولة دولة تعتمد في جزء كبير من سلطتها على القانون، لذا كثر من يستخدمون راهنا مصطلح “دولة القانون” للتعبير عن الدولة الحديثة، ومدى ارتباط هذا المصطلح بالقدرة على تطبيق القانون. وبخاصة أنه حالياً أصبح تقريباً كل شيء “مقونن”، أي له صيغة قانونية تحكمه، من العلاقات الاجتماعية وصولاً إلى علاقة المجتمع بالسلطة، وعلاقة السلطة بسلطات آخرى، والمقصود هنا القانون الدولي (نستخدم صيغة المفرد تجنباً لخوض التفاصيل المتعلقة بقضايا القوانين ومنها مثلا القوانين الدولية المتعلقة بالبحار او الحروب او… وكذلك الأمر بالنسبة للقوانين الداخلية ضمن الدولة)، وما بقي متفلت إلى حد ما من سلطة القانون هو التطور المتسارع للتقنيات، مثل الذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي، أي الثورة الرقمية بعامة بكافة حقولها، من شركات مثل غوغل وصولا إلى التيك تكوك وما شباه، لكن السلطات السياسية، وغير السياسية تعمل جاهدة على صياغة قانون لمواكبة هذه التطورات. ومن لا قانون له، أي إن وجدت حادثة ما بلا قانون ناظم لها، تبقى معلقة الحكم إلى حين اصدار قانون. فعلى سبيل المثال اليوم هناك السيارات ذاتية القيادة، وهذا ما يستوجب تعديلات جذرية في قوانين السير لمواكبة هكذا أمر، وإلا اصبحت الاحكام المتعلقة بها، مثل الحوادث، أو تخطي اشارة حمراء أو… معلقة بلا حكم.

“دولة القانون”، سواء كان ما طُرح صحيحاً أم لا على أرض الواقع، تعبير، بطريقة غير مباشرة، عن مدى تطور الأخلاق في هذه الدولة، لأنه كما سبق ذكره لارتباط الأخلاق بالقانون.

تناقض ظاهر بين قانونين

في المقابل كثيراً ما نستخدم في أحاديثنا، وبخاصة لتوصيف مجريات أحداث الوقت الراهن من حروب وإبادة جماعية لمجموعات بشرية، وجرائم علنية يدينها القانون الدولي بكافة تفرعاته، ترتكبها دول وكيانات، نستخدم عبارة، أو مصطلح، “قانون الغاب”، أو كما يود توماس هوبس ان يوصفه على أنه “الحالة الطبيعية” في كتابه “اللفياثان”. وقد يكون واحداً من أبرز الادلة على مسألة “قانون الغاب”، عندما تمارسه الدولة الحديثة، لا الإنسان، هو غزو العراق من قبل الولايات المتحدة الاميركية بذريعة امتلاكه اسلحة دمار شامل، فدمرته ومن ثم قالت رسميا، أي بخطابات من أشخاص يحملون صفات رسمية، إن التقارير المخابراتية حول امتلاك العراق لهكذا اسلحة كانت كاذبة. فدمر العراق ولم تُحاسب الدولة التي دمرته، وإن قالت علنا انها دمرته لأسباب كاذب.

نستخدم “قانون الغاب” كنوع من الدلالة على انعدام الأخلاق، وهذا ما يعني ضمناً التفلت القانوني عند ارتكاب أي فعل “اجرامي” يعاقب عليه القانون المرتبط بالأخلاق، وهو مصطلح يشير أيضاً إلى مدى “تخلف” المجتمع الحيواني أو حتى البشري. فعلى سبيل المثال لا الحصر الولايات المتحدة الاميركية غزت العراق وهي الدوله التي يقال أنها من أكثر الدول “تقدما” خرقت القانون الدولي بغزوها للعراق بحجة كاذبة وتفلتت من العقاب هذا القانون، فهل هي حقاً دولة قانون، أم أنها دولة تلبس رداء القانون بينما تعمل بقانون الغاب؟”

محاولة إعادة تعريف الغريزة بين الحيوان المفترس والانسان

لنكن أكثر قرباً من أرض الواقع فعلى سبيل المثال عندما يصطاد أسد غزال ليأكله، فهو يصطاد أي غزال يمكن اصطياده، سواء كان صغيراً أُماً مرضعة، أو ذكراً أو… المهم بالنسبة له أن يصطاد ليأكل كي يبقى على قيد الحياة.

هنا لا أخلاق في صيد الأسد، ومن جهة أخرى لغياب الأخلاق غاب القانون، وبقي قانون واحد هو قانون البقاء المرتبط بشكل أساسي بغريزة البقاء. الأمر الجميل عند البشر أنهم وصفوا هذه العملية، عملية صيد الاسد للغزال، بأن هذا الحيوان “مفترس”، وصنف الإنسان الحيوانات إلى حيوانات “مفترسة”. والحيوان “المفترس” متفلت من أي قيود أخلاقية ولا يهتم، على سبيل المثال، بمشاعر أُم الغزال عندما يفترس صغيرها! أو عندما يفترس الأم من دون أن يفكر بمصير صغيرها…

ها هو “قانون الغاب”، قانون اللاقانون، بل هو قانون القوة العارية وفقاً لفهم البشر لهذا القانون. لكن عند التفكر به قليلاً، نجد أن الأسد عندما يصطاد ليأكل كي يبقى على قيد الحياة لا يصطاد ليتسلى، أو ان الصيد عنده “هواية” يمارسها في عطلته في نهاية الأسبوع أو الشهر… بل يصطاد ليأكل، فمن دون صيده يموت من الجوع، وتفنى فصيلة الأسود، كما تفنى فصيلة الغزلان، لما من علاقة بين أكل الاسد لبعض أفرادها وبقئها، وهنا يمكن العودة إلى مفهوم أساسي كثيراً ما يهمل عن قصد وهو “التوازن البيئي”، والبعض يقول “التوازن الطبيعي”، وهو قانون تحكم به الطبيعة مسيرتها.

وقد يكون أكثر من عبر عن هذه الحالة هو شوبنهاور المشهور بأقواله الساخرة اللاذعة، إذ يقول: “الإنسان هو في الواقع الحيوان الوحيد الذي يُلحق الألم بالآخرين دون هدف محدد”. ويوضح شوبنهاور في هذا السياق أن الحيوانات الأخرى لا تفعل ذلك إلا لإشباع جوعها أو في خضم الصراع، بينما الإنسان قد يفعل ذلك بدافع قسوة محضة، واصفاً إيّاه بأنه “الحيوان الخبيث بامتياز”

فها هو “الحيوان الخبيث بامتياز” على الرغم من كل هذا التوصيف البشري لمجريات الغابة، لم يستطع “الحيوان الخبيث بامتياز” أن يتفلت من وضع “قانون” للغابة. أي هناك قانون يحكم الغابة، لكنه قانون مخالف جذرياً لقانون، أو قوانين، البشر. ربما لأن البشر يطلقون على أفعالهم تسمية “أخلاق” فاعتقدوا أنهم بـ”أخلاقهم” التي ابتدعوها وطوروها وفقاً لمراحل التطور التي مر بها التاريخ البشري، هي احدى المميزات الأساسية لجنسهم ليتميزوا بها، أي الأخلاق، عن الجنس الحيواني الذي لا “أخلاق” له، أو ربما لا يعرف الأخلاق، بل يقوم بأفعال متناسقة مع غريزته، وهي غرائز البقاء، التي عندما يشاء الانسان يبررها لنفسه عندما يقوم بأفعال غرائزية لبقائه وهنا يلغى القانون. ومن ذلك مثلا ما يود البشر قوله في مسألة الدفاع عن النفس، فعندما يدافع الإنسان عن نفسه وإن قتل المُهاجم يبقى بريئاً لأنه دفاع عن النفس! وبما أن الحيوان “لا أخلاق” له فلا قانون له، بعبارة أخرى لا أخلاق لا قانون لا إنسان، ونصف الحيوان لأنه لا يملكهم، اي الأخلاق والقانون، بأنه حيوان مفترس يستخدم القوة العارية.

هل الإنسان قاتل بطبيعته؟

هنا تتحول القوة العارية، طبعا نحاول في هذا المقال حصرها في حدود القتل فقط، إلى غريزة، بالتوصيف البشري لها وعلى أساسها اطلقنا على الحيوان أنه قاتل بالغريزة. والغريزة لا يمكن التخلص منها لأنها من أسس البقاء على قيد الحياة، اي من أسس بقاء هذا الجنس أو ذاك، فنطلق على غرائز كهذه اسم “غرائز طبيعية”. وبكونها طبيعية فهي جزء لا يتجزأ من وجود هذا الجنس أو ذاك.

اعتماداً على هذه القاعدة البشرية كثيراً ما نذهب إلى مقولة ان الانسان قاتل بطبيعته، والأعم هو أنه شرير بطبعة، لأن القتل يصنفه البشر على أنه فعل شرير، بالطبع عندما يشاؤون ذلك، لأن القتل يتحول إلى فعل مديح عندما يكون في صالح فئة معينة من البشر. وهنا نقع بالاشكالية التالية:

إن كان الإنسان قاتلا بطبيعته، فهذا يعني أنه مشترك في طبيعته مع الجنس الحيواني، وتحديداً في الغرائز، ألا يعني هذا أن أصله حيوان، أو على الأقل يشترك مع الحيوان في بعض الصفات – سواء كانت بيولوجية أم غير بيولوجية – خاصة وأن القتل ليس حالة بيولوجية بالمعنى العضوي، أي ليس خلية أو نسيجاً أو عضواً قابلاً للتشريح؟ وهذا يؤكد كلام تشالز داروين، بينما نحاول التهرب منه واتهامه بشتى التهم لنخرج الجنس البشري من الاصل الحيواني. فكيف ننكر صحة نظريته في الوقت الذي نقر فيه بالغرائز المشتركة بينه وبين الحيوان، وللتاكيد هنا نحاول الانحصار في القتل فقط؟ أليس هذا تناقضاً في اقوالنا نحن البشر؟ كما ان هذا يذكرنا بما قاله شوبنهاور عن القسوة البشرية الفريدة، فهي ليست مجرد غريزة بيولوجية، بل فعلاً إرادياً يتجاوز حدود البيولوجيا إلى أخلاق وسياقات.

وإن فشل من يؤيد مسألة غريزة القتل ووجوب وجود “دولة”، أو “لفياثان”، لضبطها، يلجأ إلى الطبيعة الشريرة للإنسان. فيعيد طبيعة الإنسان الشريرة إلى “خلل” في الخلق، وفقاً للأساطير الدينية. طبعاً، المقصود بـ”الخلل” هو الإغواء الشيطاني للأكل من الشجرة المحرمة. فلو لم يكن هناك “خلل” ما في أخلاق كل من آدم وحواء، لما ربح الشيطان في لعبة “الإغواء”، وعند هبوطهما إلى الأرض وولادة قابيل وهابيل، قتل أحدهما الآخر، وسُفكت الدماء البشرية على الأرض، وما زالت تسفك حتى هذه اللحظة. وهكذا نجد أن القراءة الدينية تتقاطع مع رؤية شوبنهاور في نقطة واحدة: أن الإنسان يحمل في طبيعته شراً، لكن الدين يفسره بـ”خلل”، بينما الفلسفة تبحث عن تفسير آخر.

وهنا تتقاطع مسألة “قاتل بطبيعته” مع “الخلل الأخلاقي” و”الشر” في طبيعة الإنسان -عندما نقرأها من جهة سفك دماء البشر لبعضهم البعض- فجميع هذه القراءات تلتقي عند نقطة أن طبيعة الإنسان شريرة أو قاتلة، وتبقى النتيجة أنها تعجز عن إزالة القتل من طبيعته.

من هوبس إلى فيبر ومسألة احتكار العنف الشرعي

في “دولة القانون” هناك شبه اجماع على هذه الطبيعة البشرية، قاتل بطبيعته، لذا يحتكر استخدام العنف “الشرعي” في يد السلطة السياسية، وهو ما شدد عليه ماكس فيبر، متتبعاً ومؤكداً وجهة نظر من سبقه، وكي لا نذهب بعيداً، فنقول منذ زمن توماس هوبس وكتابه الشهير “لفياثان”. وقد وضعت كلمة “شرعي” بين هلالين لأنها إشكالية بحد ذاتها، وبخاصة إذا سألنا من يُحدد هذه “الشرعية”؟

فمن خلال تكريس فكرة أن الإنسان قاتل بطبيعته، أو بعامة شرير بطبيعته والقتل متضمن في الشر، كُرست فكرة وجوب وجود نظام سلطوي ناظم لهذه الغريزة، غريزة القتل… وبما أن هذه السلطة يجب أن تكون هي أيضاً دنيوية، أي بشرية، فهي قاتلة بطبيعتها أيضاً فكان هناك ضرورة لايجاد ناظم لها وضابط إيقاع لقتلها، طبعاً مع التأكيد على عدم النسيان أننا هنا نحاول البقاء ضمن مسألة هل القتل طبيعة بشرية؟

هنا اختلف البشر في تسمية “ضابط ايقاع قتلها”، ففي الفكر الميتافيزيقي هو ذاك الكائن فوق الطبيعيي، الله أو يشبهه، بغض النظر عمن هو هذا المخلوق البشري والذي رفعه البشر إلى ما فوق المادة، أو ما بعد المادة، وما يحمل هذا المصطلح، الميتافيزيقا من معان. ذاك المخلوق فوق الطبيعي هو مصدر “الأخلاق”، والتي على أساسها تُشرع القوانين فتحتكر السلطة السياسية حق “العنف”، وضمنا حق القتل، أي تحتكر السلطة مفهوم “القوة العارية” المنضبطة بهذه القوانين الدنيوية التنفيذ القائم على مصدرها الغيبي للأخلاق.

اما الاسم الآخر لهذا “الضابط” فهو القوانين الوضعية. وهي قوانين وإن اختلفت في الشكل عن الميتافيزيقية لكنها في الجوهر متوافقة معها، وبخاصة في مسألة ان الإنسان قاتل بطبيعته. إلا أنها ذهبت إلى إمكانية “اصلاح” هذه الطبيعة بالطريقة نفسها التي يُمكن تصلح بها الميتافيزيقية هذه الطبيعة، والأصح “تتحكم” بهذه الطبيعة.

هذه القوانين، سواء كانت ميتافيزيقية أو وضعية، تترجم عملياً في نظام العقوبات، وأبرزها السجن

السجن كوسيلة عقابية: فشل “الإصلاح” أم استمرار للقمع؟

طريقة تقوم بجوهرها على “الترهيب والترغيب”، ميتافيزيقيا في الحياة الثانية، أو الحياة الأبدية المتخيلة للإنسان، هناك جنة ونار، طبعاً ومسألة تنفيذ العقوبة على المستوى الجسدي تكون دنيوية بواسطة السلطة السياسية. اما في الوضعية فالعقوبة فقط دنيوية، والتي تقوم على مسألة “اسر الحرية” (السجن) و”الحرية” (العيش خارجه)، والسجن قد يصل إلى المؤبد أو أي حكم قضائي مواز للمؤبد بعد أن ألغيت أحكام الاعدام في كثير من دول العالم، إلا في فلسطين المحتلة حيث يعمل الاحتلال على اعادة حكم الاعدام بحق كل من يعتبره مقاوم له. والمؤبد، أو ما شابهه من أحكام، تعبير عن الفشل الدنيوي في “اصلاح” غريزة القتل لدى هذا الانسان، وفشل “الاصلاح” هنا بمعنى عدم القدرة على التحكم بهذه الغريزة. لذا يُحكم عليه بالمؤبد ليبقى منعزلاً، مسلوبا من “الحرية”، عن المجتمع البشري “السليم”، أي من هم خارج السجن، ويبقى “القاتل” مسلوبا من الحرية كعقاب له مع مجموعة مشابه له، وهو مجتمع السجن المؤبد.

هناك في تلك البقعة، بقعة انسلاب الحرية، يوجد قوانين خاصة بها وضعتها لهم السلطة السياسية وهي قوانين ترتبط بشكل اساسي بمفاهيم أخلاقية تظن السلطة السياسية انها تتوافق مع هذه البقعة، فنعود إلى إشكالية احتكار العنف، وعلاقة القوانين بالأخلاق وهل في تلك البقعة قوانين وأخلاق مغايرة لبقية البقع الاخرى؟ ومن يُحدد طبيعتها؟

محاولة بحث عن أسباب مغايرة لقتل الانسان للانسان

لكن يبقى السؤال مطروحاً لماذا يقتل الانسان انساناً آخر إن لم يكن القتل من طبيعته؟ واذا خرجنا من نطاق ان القتل غريزة، أو طبيعة بشرية، فماذا يمكن أن يكون؟

لا يمكن الجزم بإجابة واحدة حول هذه الإشكالية المعقدة، لكن يمكن القول أن هناك مقاربة مغايرة بشكل جذري عن تلك القائمة على مبدأ أن الانسان قاتل بطبيعته. انها مقاربة تقوم على قواعد الفكر الماركسي – اللينيني.

نعم تتعدد أسباب قتل الإنسان للإنسان، طبعاً بالاضافة إلى غير الإنسان كما ذُكر سابقاً الصيد كهواية وليس كغريزة بقاء، أو تدمير البيئة لإنشاء مدن أو…، وقد يكون السبب الأساسي لهذا القتل، وإن لم يكن دائماً جلي، هو “الملكية الخاصة”، بمعنى الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. فالإنسان يقتل الإنسان للاستحواذ على ما يملكه الآخر لا للبقاء على قيد الحياة فقط، بل ليزيد قيمة ما يملكه “القاتل” أيضاً.

وفي بعض الأحيان يقتل إنساناً آخر لأن مالك وسيلة الإنتاج يمنعها، أو يمنع منتجها (لأن وسيلة الإنتاج قد تكون آلة، وبهذا فهي لا تؤدي إلى وفاة إنسان آخر، بل منعُ منتج هذه الآلة هو ما قد يؤدي إلى وفاة الإنسان). فمثلاً، من يملك مخبزاً ولا يسمح لمن هو جائع أن يأخذ رغيف خبز ما لم يملك ثمنه -حتى لو مات جوعاً- وهنا الجائع الذي لا يملك ثمن الرغيف قد “يسرق” ليأكل، فيُحكم عليه، وفقاً لقوانين الدولة الحديثة القائمة على القوانين الوضعية، والتي غالباً ما تنص في دستورها على “قدسية الملكية الخاصة”، بالسرقة، أو قد يقتل مالك الفرن ليأكل، فيُحكم عليه بالسجن، وقد يصل إلى المؤبد لأنه “قاتل”. وقد تكون رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي أجمل تعبير عن هذا الواقع المعاش يومياً، لكنه مُقنع بقشور “أخلاقية” و”قوانين” تنفذها سلطات سياسية قائمة على “حماية” الملكية الخاصة، بعيداً عن الأخذ بما لامتلاك وسائل الإنتاج من نتائج تؤدي إلى موت الإنسان الآخر جوعاً، وما لهذا الامتلاك من انعكاسات على طبيعة الإنسان، ليتحول من إنسان إلى “قاتل” ومن ثم يُتهم بأنه قاتل بطبيعته.

الملكية الخاصة غريزة أم نتاج تاريخي؟

ما دام القتل ليس بغريزة بشرية، فهل هذا يقودنا إلى القول بأن “الملكية الخاصة”، بمعنى التملك، غريزة بشرية، وما هي انعكاساتها في المجتمع على مسألة القتل؟

بداية يمكن القول إنها هي أيضاً ليست بغريزة عندما نستطيع أن نتتبع تشكل هذه الغريزة عبر تاريخ البشرية. فإنتاج وسائل العيش مسألة أساسية في البقاء، وهي تتشابه مع صيد الأسد للغزال. أي على المجتمع البشري، بغض النظر عن تقدمه أو بدائيته، عليه أن ينتج وسائل عيشه. أي عليه أن يُنتج طعامه ليبقى على قيد الحياة، طبعاً بالاضافة إلى أمور أخرى، من مستلزمات البقاء على قيد الحياة مثل المسكن الحامي له من الحيوانات المفترسة أو تقلبات الطقس.

وهنا تبرز أهمية الدراسات الأنثربولوجية التي تعيد النظر في الافتراضات الغربية حول “الندرة” و”الطمع” كصفات بشرية فطرية. ففي كتابه “Stone Age Economics” (1972)، يقدم مارشال سالينز مفهوم “المجتمع الأصلي المترف” (The Original Affluent Society)، مستنداً إلى دراسات ميدانية لمجتمعات “الصيد والجمع” (أو “القطاف”، كما يصفها بعض الباحثين) في أفريقيا وأستراليا. يكشف سالينز أن هذه المجتمعات، التي غالباً ما نتصورها تعيش في فقر مدقع، كانت في الواقع تعمل بمعدل ثلاث إلى خمس ساعات يومياً فقط لتأمين احتياجاتها الأساسية، وذلك لأن “الحاجة” (want) فيها لم تكن لا محدودة كما يفترض نموذج الإنسان الاقتصادي الغربي. بل كانت احتياجاتها محدودة وقابلة للإشباع بسهولة بالوسائل المتاحة، مما يجعلها مجتمعاً “مترفاً” بمعنى أن احتياجاتها المادية كانت دوماً في متناول أيديهم.

وعليه، فإن مجتمعات الصيد والجمع، وفقاً لسالينز، لم تعرف مفهوم الملكية الخاصة بالمعنى الحديث، بل كانت تمارس أنماطاً من التبادل القائم على “المعاملة بالمثل” (reciprocity) والوصول المشاع إلى الموارد، حيث يحدد البعد الاجتماعي والقرابي طبيعة التبادل وليس منطق السوق والربح. وهذا يشير إلى أن نمط التملك والقوانين المنظمة له ليسا غريزة ثابتة، بل نتاج لتطور العلاقات الاجتماعية المرتبطة بوسائل الإنتاج.

اعتماداً على هذا، عملية الإنتاج هذه تنتج علاقات اجتماعية بين أفراد هذا المجتمع، وتكون هذه العلاقات متوافقة مع كيفية إنتاج هذا المجتمع لوسائل بقائه. وهكذا، فإن علاقات الانتاج هي التي تُحدد الأخلاق والقوانين، وطبيعة السلطة السياسية (والمقصود هنا بالسياسية مفهوم السلطة بعامة، الناظمة لهذا المجتمع). فمع تطور هذه الوسائل تتطور العلاقات، وتتطور معها الأخلاق والقوانين، أي أن الأخلاق والقوانين ليست بذاك الثابت الأبدي الذي لا يعرف أي تحول أو تغير. وما دامت متغيرة، فهذا يشير ضمناً إلى أن التملك، بكافة أشكاله، غير ثابت، لأنه يرتبط بطبيعة العلاقات التي يشكلها نمط الإنتاج. ويبقى الثابت هو غرائز البقاء الأساسية للإنسان، أما شكل تلبيتها فهو المتغير. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تشير كثير من الدراسات الأنثربولوجية إلى أن المجتمعات الأولية، أو التي لم تدخل “الحضارة” -أي ما قبل تشكل هذا المفهوم- كانت وسائل الإنتاج ملكاً للجميع، وكان إنتاج عيشها تعاونياً، والبعض يفضل استخدام مصطلح “تشاركياً” بدلاً من “تعاونياً”.

إن التملك، بمعنى الملكية الخاصة، كخلاصة أولية، ليس بغريزة بشرية، بل هو نتاج تطور وسائل الإنتاج التي يُنتجها المجتمع البشري. ولا يعني هذا العودة إلى “المشاعية البدائية”، بل استكمال تطور المجتمعات البشرية من دون إدراج تعميمات مغلوطة لهيمنة طبقة على طبقة، والقول بأن الإنسان قاتل بطبيعته. ففي هذه الحالة، تتسلم الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج زمام “القوة العارية” وتستخدمها لتمتين مواقعها الطبقية.

لا أخلاق ولا قوانين في زمن القوة العارية

وتطبيقاً على أرض الواقع -لأن الفكر انعكاس للواقع لا العكس، وكي لا نبقى كالمنظرين الذين يقبعون في “أبراجهم العاجية”، ينظرون إلى الواقع من بعيد- فهذا جزء مما نعيشه اليوم، من فلسطين إلى فنزويلا، حيث تسقط كافة القوانين والأخلاق إلا ما يتوافق مع مصلحة الطبقة المالكة لـ”القوة العارية”. وما حدث، أو يحدث، بين فنزويلا والولايات المتحدة الأميركية، حين تُصدر محكمة في دولة كبرى مذكرة توقيف بحق رئيس دولة أخرى، ويُعلن رئيسها “نفطكم هو نفطنا”، هو خير شاهد معاصر على هذه الحقيقة: ففي لحظة الحسم، تنهار كل التشريعات والمواثيق الدولية، وتُزاح كل الأقنعة الأخلاقية، ليبقى السؤال ماثلاً أمامنا: هل كان الإنسان حقاً قاتلاً بطبيعته، أم أن هذه الذريعة كانت ضرورية لإضفاء شرعية على نظام ينتج القتل، ويحتكر العنف، ويقدس الملكية الخاصة على حساب حياة البشر؟ ربما يكون الجواب في إعادة النظر في جذور التصديق بمقولة ان الانسان قاتل او ان القتل غريزة بشرية أو كل المقولات التي تصب في هذه الخانة.

فبالخروج من هكذا “بديهيات”، بمعنى سؤال البديهية عن بداهيتها، نبدأ في رحلة الكشف عن أنها ليست بديهية، بمعنى انها مسألة طبيعية لا يمكن تغييرها، لنكتشف على ان القتل من الارجح انه أداة سياسية بامتياز، يستخدمها الأقوياء لتبرير هيمنتهم.

وما دامت الحروب الراهنة، بمعظمها تدور حول امتلاك النفط، أو ممرات تجارته، باعتباره عصب الحضارة التي نعيشها، نطرح السؤال: ولِمَ لا يكون النفط ملكاً للبشرية جمعاء، بدلاً من أن يكون وقوداً لحروب الأقوياء؟

*تكوين