المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

البئر

بقلم عبدالقادر رالة

تعرفتُ في طفولتي على بوعمامة وعباس وهما بطلان شُجاعان و معروفان في ولايتنا، وإن لم يكونا من قريتنا فإنهما لم يكونا ينقطعا عنها طويلاً، وكلما حلا عليها يزورا والدي وجاره سي عبد الرحيم الذّي كان يخفيهما في البئر ..

وكانا يستمتعان بالحديث معنا نحن الأطفال، فيجلسان إلينا أكثر مما يجلسان إلى الكبار !.. هذا في النهار المُبصر أما الليل المُظلم فإني كنتُ أنام باكراً..

وتمكن الحركي و الخائن سليمان الدنيء أن يتعرف عليهما، ويكشفَ نشاطاتهما الثورية في القرى المجاورة فوشى بهما إلى العسكر الفرنسيين..

وفي أحد الأيام حاصروا قريتنا فاختبأ بوعمامة ورفيقه كعادتهما في البئر، ونزلتُ أنا معهما.. وكم كانت دهشة السكان كبيرة ومرعُوبة إذ أتجه العساكر مباشرة إلى البئر! ..

نزعوا غطاء البئر، ثم أفرغوا رشاشاتهم في العمق المظلم فأصابوا عباس فاحتضنه بوعمامة.. 

ولما خرج بوعمامة وهو يحمل جثة رفيقه أمطروه هو أيضا بالرصاص .. 

ثم برزْتُ أنا فزعاً أبكي فرفعوا الرشاشات ..

صفعني قائدهم بقوة حتى سقطتُ على الأرض وسال الدم من فمي ..

اقتادوني إلى إحدى الثكنات المجاورة، ومكثتُ هناك خمس أيام كاملة، لكنهم لم يظفروا بشيء مني أثناء الاستجواب ؛ إذ قلتُ عابرا سبيل ونزلتُ لمساعدتهما في البحث عن ساعة يد لأحدهما سقطت في البئر ..

وتمسكتُ بذلك وكررته حتى ملوا مني وأخلوا سبيلي لأني طفل…