المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

” الطبع الهدّام”: أو لعبة الأسوأ من أجل الخلاص من البربرية الحديثة.

فالتر بنيامين
ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

” يمكن لإنسان، لو ألقى نظرة على حياته الماضية، أن يدرك تقريبا بأنّ سائر العلاقات العميقة التي بناها تتعلّق بأناس يقرّ لهم الجميع بطبع هدّام. يوما ما، قد يحدث له هذا الاكتشاف، ربّما بالصدفة، وبقدر ما ستكون الصدمة التي سيسبّبها هذا الاكتشاف عنيفة، بقدر ما سيكون له حظّ الوصول إلى رسم صورة عن الطبع الهدّام.
إنّ الطبع الهدّام دوما مُهاجم. فالطبيعة هي التي ترسم له إيقاعه، على الأقل، بصورة غير مباشرة؛ إذ عليه أن يسبقها. وإلاّ ، تكفّلت هي بنفسها بالهدم.
لا يعرف الطبع الهدّام سوى شعارا واحدا: أن نُخلي المكان؛ ونشاطا واحدا : الإزالة. إنّ حاجته إلى الهواء النقيّ والمساحة الحرّة أقوى من كلّ كراهية. إن الطبع الهدّام شابّ ومرح. وبالفعل ، فالهدم يجعلنا نشعر بالشباب، لأنّنا نزيل من هنا، آثار عمرنا، ويجعلنا نصغر سنّا ، لأنّ الإزالة تعني أن المهدِّم يتجاوز مشكل حالته الخاصّة، أي يجتثّ جذورها. ومن باب أولى، نتوصّل إلى هذه الصورة الأبولونية للمهدِّم حينما ندرك إلى أيّ حدّ يكون العالم مختصرا حينما نعتبره جديرا بالهدم. فكلّ ما يوجد يكون إذن محاط بشكل متناغم بشريط ضخم. هنا تكون النظرة التي توفّر للطبع الهدّام مشهدا عن التناغم الأكثر عمقا.
يقوم الطبع الهدّام بعمله ولا يتجنّب سوى الإبداع. وبمثل ما يبحث المبدع عن العزلة، وجب على المهدّم أن يكون باستمرار برفقة بالناس ، حتى يشهدوا على نجاعته.
إنّ الطبع الهدّام علامة. بمثل ما يكون المرجع المُثّلّثي عرضة لكلّ ريح، عرضة لكلّ هراء. فلا معنى للرغبة في حمايته .
لا يأمل الطبع الهدّام أبدا أن يُفهم. ففي نظره، كلّ جهد في هذا الاتجاه سطحيّ. فلا يطاله سوء الفهم. بل على العكس، يثيره، مثلما يثيره الكهنة، هذه المؤسسات الهدّامة التي أوجدتها الدولة. فلا تنبجس ظاهرة القيل والقال، هذا المظهر البورجوازي الصغير، إلاّ لأنّ الناس لا يودّون أن يُساء فهمهم. إنّ الطبع الهدّام يقبل سوء الفهم؛ ولا يشجّع على الثرثرة.
إنّ الطبع الهدّام هو عدوّ الإنسان في حال انزلاقه. فالإنسان يطلب الرفاهية، التي جوهرها القوقعة وداخل القوقعة هو الأثر المخملي الذي خلّفه هذا الإنسان في العالم. إنّ الطبع الهدّام يزيل حتى آثار الهدم.
يلتحق الطّبع الهدام بجبهة التقليديين. فالبعض يورّث الأشياء بجعلها غير ملموسة وبالحفاظ عليها؛ والآخر يورّث الوضعيات بجعلها سهلة الاقتياد وبتصفيتها. وهؤلاء هم من نسمّيهم الهدّامون.
يمتلك الطبع الهدّام الوعي بالإنسان التاريخيّ، دافعه الجوهريّ هو حذر يتعذّر تجاوزه تجاه سير الأشياء، وما يُلاحظ من عجلة في كلّ لحظة بأنّ الأمور قد تسير نحو الأسوأ. ولهذا السبب، فالطبع الهدّام هو الوثوق ذاتها.
لاشيء دائم في نظر الطابع الهدّام. لهذا السبب تحديدا، يرى مسالك في كلّ مكان. وحيث يتعثّر آخرون في الحيطان أو الجبال ، يرى هو طريقا مرة أخرى. لكن بما أنه يرى طريقا في كلّ مكان، فعليه أن يزيله في كل مكان. ليس بالقوة دائما، بل بقوّة أكثر نبلا. فهو برؤيته الطرق في كلّ مكان، يكون بذاته في مفترقها. ما من لحظة تعرف تاليها. يدمّر كلّ ما يوجد، لا حبّا في الخراب ، بل حبّا في الطريق الذي يَعْبُرُ هذا الخراب.
ليس للطبع الهدّام الشعور بأنّ الحياة جديرة بأن تعاش، بل بأنّ الانتحار غير جدير أن نقوم به.”
.
فالتر بيامين ” الطبع الهدّام ” 1931
le caractère destructeur””
Dans Revue française de psychanalyse 2014/4 (Vol. 78), pages 958 à 959 ÉditionsPresses Universitaires de France – texte dans:
* Walter Benjamin, Œuvres II, trad. fr. Rainer Rochlitz, Paris, Gallimard, folio Essai n° 373, 2000, p. 330-332. Publication initiale dans le Frankfurter Zeitung du 20 novembre 1931.