أنطوان كومبانيون – ترجمة: الحسن علاج
بعد فصل “ما الأدب؟ “، “من يتكلم ؟” ، و” عماذا يتكلم ؟ ” ، يبدو أن سؤال ” إلى من يتكلم ؟ ” هو سؤال لا مفر منه . فبعد الأدب ، المؤلف و العالم ، فإن العنصر الأدبي الأكثر إلحاحا لفحصه هو القارئ . قدم الناقد الرومنطيقي م . ه . أبرامس M.H.Abrams) ( وصفا للتواصل الأدبي طبقا لنموذج أولي لمثلث ، يحتل فيه العمل مركز الثقل ، والذي تتطابق أضلاعه الثلاثة مع العالم ، المؤلف والقارئ .
ترتبط المقاربة الموضوعية أو الشكلية للأدب ، بالعمل ؛ المقاربة التعبيرية بالفنان ، المقاربة المحاكاتية بالعالم ؛ وترتبط المقاربة النفعية أخيرا ، بالجمهور ، بالمستمعين و بالقراء . تخصص الدراسات الأدبية مكانة جد متغيرة للقارئ ، لكن ، من أجل رؤية أكثر وضوحا لذلك ، كما هو الحال بالنسبة للمؤلف والعالم ، فلا يوجد ما يبرر الانطلاق من جديد من القطبين بتجميع المواقف المتناقضة ، فمن ناحية المقاربات التي تجهل القارئ كليا ، ومن ناحية أخرى تلك المقاربات التي تسلط الضوء عليه [القارئ] ، أو حتى أنها تضعه في صدارة الأدب ، عاملة على تماهي الأدب بالقراءة . وفيما يتعلق بالقارئ ، فإن الأطروحات توجد منقسمة حول المقصدية intention) ( والمرجع ، وهي ، ليست ، بطبيعة الحال مستقلة عن [الأطروحات] السابقة . وستنطوي مقاربتي مرة أخيرة على مقاومتها ، على إبطالها وفي البحث عن مخرج لهذا الخيار الثالث الذي يسجن المرء نفسه فيه .
استبعاد القراءة
دون الذهاب بعيدا ، فقد عمل النقاش ، مثلا ، على معارضة النزعة الانطباعية والوضعية في نهاية القرن التاسع عشر . جادل النقد العلمي ( برونتيير ) ، ثم التاريخي ( لانسون ) ، ضد ما كان يسميه بالنقد الانطباعي ( أناتول فرانس على الخصوص ) ، الذي كان يعبر عن أحاسيسه حول الأدب أسبوعا بعد آخر على أعمدة الجرائد والمجلات . تتم معارضة هذا النقد الذي يصقل الذوق ، والذي يصدر عن التعاطف ، يتحدث عن تجربته ، عن ردود أفعاله ، تبعا للتقليد الإنسانوي الذي يتم تقديمه بشكل مثالي عبر مديح مونتاني Montaigne) ( للقراءة بوصفها ثقافة الإنسان الشريف ، تتم معارضته [النقد] بضرورة المسافة الموضوعية ، والمنهج . ” حتى نتحدث بصراحة ، صرح أناتول فرانس Anatole France) ( ، ينبغي على الناقد قول : ” سادتي ، سأتحدث عن نفسي بخصوص شكسبير ، بخصوص راسين . ” ” على النقيض من تلك القراءة الأولى ، وهي قراءة هواة وقرّاء ، تعتبر القراءة التي تزعم كذبا لنفسها العلمية ، الحذر ، التطابق مع انتظار النص ، قراءة تدحض نفسها كقراءة ؛ و بالنسبة لبرونتيير Brunetière) ( ولانسون Lanson) ( ، كل على طريقته الخاصة ، فإن الأمر يتعلق بالتخلص من القارئ ومن نزواته ، ليس من أجل إلغائه ، بل من أجل توجيه انطباعاته عبر قواعد السلوك ، بلوغ الموضوعية في التعامل مع العمل ذاته . ” تهدف ممارسة التفسير ، كتب لانسون ، وعندما تتم مزاولتها على أحسن وجه ، فإن أثرها يكمن في خلق عادة لدى الطلبة من أجل قراءة حذرة وتأويل وتأويل النصوص الأدبية بإخلاص ” ( لانسون ، 1925 ، ص 40 ) .
إنكار آخر للقراءة ، بُني على افتراضات مختلفة كليا ، لكنه إنكار معاصر لدى ملارميه Mallarmé) ( الذي أكد في [كتابه] ” فيما يتعلق بالكتاب ” : ” غير مشخص ، لايلتمس الكتاب المجلد ـ بقدرما ينفصل عنه المرء كمؤلف ـ اقترابا من القارئ . مثلما ـ ينبغي إدراك أنه من بين الكماليات البشرية ـ تحقق وحده تماما : اكتمل ، وُجد ” ( ملارميه ، ص 372 ) . إن الكتاب والعمل ، محاطان بطقس صوفي ، لهما وجود في ذاتهما ، منفصلين في الوقت ذاته عن مؤلفهما وقرائهما ، في صفائهما كموضوعات مستقلة ، ضرورية وجوهرية . ولا حتى كتابة العمل الحديث لا ترغب في أن تكون كتابة معبرة ، ولا تتطلب قراءتها تحديد هويتها من أحد أيا يكن .
على الرغم من نزاعها حول مقصدية المؤلف ، اتفقت التاريخانية historicisme) ( ( نادرا ما يتم إرجاع العمل إلى سياقه الأصلي ) والشكلانية ( المطالبة بالعودة إلى النص في محايثته immanence) ( لمدة طويلة على إقصاء القارئ حيث تمت صياغة الاستثناء الأكثر وضوحا من قبل النقد الأمريكي الجديد (New critics) لفترة ما بين الحربين العالميتين . فهو [النقد الجديد] يعرف العمل باعتباره وحدة عضوية مكتفية بذاتها ، حيث كان يتعين ممارسة قراءة تقريبية _ قراءة فاحصة close reading) ( ، بمعنى قراءة موضوعية بطريقة مثالية ، وصفية ، متنبهة إلى المفارقات ، الالتباسات ، [متنبهة] إلى التوترات التي تجعل من القصيدة الشعرية نسقا مغلقا وثابتا ، أثرا لفظيا ذا وضع أونطلوجي مفصول عن إبداعه وتلقيه كما هو الحال لدى ملارميه . فطبقا لحكمته [ النقد الأمريكي الجديد] والقائلة ، ” القصيدة لا ينبغي أن تعني بل أن توجد ” ، لقد قاموا بتزكية تشريح القصيدة في المختبر من أجل إبراز إمكانياتها في المعنى . وهكذا قام النقد الجديد بشجب ما كان يسميه ” المغالطة التأثيرية ” affective fallacy) ( ، واضعا نصب عينيه المغالطة القصدية intentional fallacy) ( ، وحيث كان من الضروري التخلص من ذلك بشكل مواز . ” إن المغالطة التأثيرية ، كتب ويمزيت Wimsat) ( وبيرسليه Beardsley) ( ، هي غموض بين القصيدة ونتائجها ( ماهي وما تفعله ) ” ( ويمزيت ، ص 21 ) .
على الرغم من ذلك ، فإن أحد المؤسسين للنقد الجديد ، وهو الفيلسوف إ. أ. ريشار I.A.Richards) ( ، لم يكن جاهلا بالتحدي الضخم ( الذي طُرح على الدراسة الأدبية بواسطة القراءة التجريبية . فقد شرح في كتابه مبادئ النقد الأدبي (1924) ، بتمييز الشروح التقنية المستندة على الموضوع الأدبي ، والشروح النقدية المستندة على التجربة الأدبية ، ثم أقر بهذه التجربة حول النموذج الذي وعد به ماتيو أرنولد Matthew Arnold) ( ومن خلال النقد الفيكتوري ، جاعلا من الأدب باعتباره بديلا للدين ، عقيدة أخلاقية للمجتمع الديموقراطي الجديد . لكن ، ومباشرة بعد ذلك ، فقد تبنى ريشار بإصرار وجهة نظر ضد ذاتية ، والتي تم توطيدها في أعقاب التجارب التي كان ينبغي عليه اختبارها على القراءة والتي قدم تحليلا بخصوصها في كتابه النقد الإجرائي 1929 ) . منذ سنوات ، طلب ريشار من طلبته بجامعة كامبريدج إنجاز ” تفسير عن طواعية ” ، من أسبوع إلى آخر ، لبعض القصائد الشعرية التي سلمها إياهم ولم تكن تحمل اسم مؤلفها . وفي الأسبوع التالي ، قدم درسه حول القصائد موضوع البحث ، أو على الأصح حول تعليقات طلبته . نصحهم ريشار بالشروع في قراءات متعددة ومتعاقبة ( نادرا ما تكون في المتوسط أقل من أربع ، وإلى حدود اثنتي عشرة قراءة ) لمسرحيات مُقدمة ، وأن يدونوا كتابة ردود أفعالهم عند كل قراءة . كانت النتائج بصورة عامة فقيرة ، أو كارثية حتى ( أضف إلى ذلك فقد كان يتساءل المرء ما هو التحريف الذي واصل ريشار عبره تجاربه طيلة هذه الفترة ) ، اتسمت بعدد معين من السمات النمطية : عدم النضج ، الغطرسة ، نقص في الثقافة ، عدم الفهم ، الكليشيهات ، الأحكام المسبّقة ، العاطفية والسيكولوجيا الشعبية ، إلخ . إن مجمل أوجه القصور كان يعيق تأثير القصيدة في القراء . لكن بدلا من استنتاج نسبية جذرية ، شكوكية إبستيمولوجية مطلقة فيما يتعلق بالقراءة ، مثلما سيفعله فيما بعد ، بناء على نفس الوضوح الفاجع ، أنصار أسبقية التلقي ( مثل ستانلي فيش Stanley Fish) ( ، والتي ستتم مناقشتها لاحقا ) ، وعلى الرغم من كل الصعاب ، فقد تمسك ريشار بقناعة أنه يمكن التغلب على تلك العوائق بالتربية بغية التوصل إلى فهم أفضل وشامل لقصيدة ما ، في المختبر in vitro) ( إذا جاز القول . اعترف ريشار بأن سوء الفهم والتفسير الخاطئ ، ليسا شيئين عارضين ، بل مجرى الأحداث الأكثر طبيعية والأكثر احتمالا في قراءة قصيدة شعرية ما . تخفق القراءة إجمالا أمام النص : يعتبر ريشار واحدا من النقاد القلائل الذين تجرؤوا على إجراء هذا التشخيص الكارثي . ومع ذلك ، فإن هذا الوضع الطارئ لم يقده إلى التنازل . فبدلا من استنتاج الحاجة إلى تأويل يدرك التفسير الخاطئ وسوء الفهم ، مثل تأويل هايديغر وغادامر Gadamer) ( ، فقد أصر مجددا على مبادئ قراءة صارمة تعمل على تقويم الأخطاء المألوفة . يمكن للشعر أن يكون مشوشا ، صعبا، مبهما و غامضا ، لكن المشكلة الرئيسة تقع على عاتق القارئ ، الذي ينبغي عليه تعلم القراءة بعناية كبيرة ، وتجاوز تحديداتها الفردية والثقافية ، ” مراعاة حرية واستقلال القصيدة ” ( ريشار ، 1929 ، ص 277 ) . وبعبارة أخرى ، فإن هذه التجربة العملية مثيرة للاهتمام بوجه خاص ، التي تستند إلى المزاج idiosyncrasie) ( وفوضى القراءة ، بعيدا عن التشكيك في مبادئ النقد الجديد ، وطدت خلافا لذلك ، في نظر ريشار ، الحاجة النظرية للقراءة التقريبية ، الموضوعية ، التي تعيد الاعتبار للقارئ .
بالنسبة للنظرية الأدبية التي تولدت عن البنيوية واتسمت بإرادة وصف الاشتغال المحايد للنص ، يعتبر القارئ التجريبي دخيلا . بعيدا عن تفضيل انبثاق تأويل للقراءة ، فإن علم السرد narratologie) ( والشعرية) (poétique ، لما يحدث لهما أن تأخذا القارئ بعين الاعتبار في تحليلاتهما ، فإنهما تكتفيان بقارئ مجرد ، مثالي : إنهما تقتصران على وصف الإكراهات النصية الموضوعية التي تنظم أداء القارئ الفعلي ، شريطة أن يستجيب طبعا لما ينتظره منه النص . يعتبر القارئ إذا وظيفة للنص ، كمثل القارئ الذي سماه ريفاتير Riffaterre) ( بالقارئ الجامع l’archilecteur) ( ، قارئ كلي المعرفة omniscient) (والذي لن يتماهى معه أي قارئ بفضل كفاءاته التأويلية المحدودة . يمكن القول ، بصفة عامة ، أنه بالنسبة للنظرية الأدبية ـ فضلا عن النصوص الفردية التي تعتبر نصوصا ثانوية قياسا إلى النسق الشامل الذي يسمح لها بالنفاذ ، أو أن المحاكاة mimèsis) ( تعتبر نتاجا فرعيا للسيميوزيس Sèmiosis) ( ـ فإن القراءة الواقعية يتم تهميشها لفائدة نظرية القراءة ، أعني تعريف القارئ الكفء أو المثالي ، القارئ الذي يلتمسه النص والذي يمتثل لانتظار النص .
وهكذا ، فإن انعدام الثقة بالنسبة للقارئ هو ـ أو أنه مورس لفترة طويلة ـ موقف مشترك على نطاق واسع في الدراسات الأدبية ، يميز أيضا النزعة الوضعية والشكلانية ، النقد الجديد والبنيوية . إن القارئ التجريبي ، انعدام الفهم والفاشلون في القراءة ، مثل كثرة الصخب والتشويشات ، تربك كل تلك المحاولات ، سواء فضلت الارتباط بالمؤلف أو بالنص . ومن ثم رغبة كل المناهج في تجاهل القارئ أو ، وإذا ما اعترفت بحضوره ، كما هو الحال لدى ريشار ، بصوغ نظرياتها الخاصة مثل فرع معرفي للقراءة ، أو قراءة مثالية ، مستهدفة التصدي لعيوب القراء التجريبيين .

مقاومة القارئ
بالرغم من إصرار لانسون الوضعي ، فقد عملت براهين بروست على خلخلته لصالح القراءة ، والتي لخصها في هذه العبارات : ” لن يتم التوصل إلى استكناه الكتاب أبدا ، لكن دائما ثمة روح متفاعل [في] الكتاب ممتزجة به ، إنها روحنا ، أو روح قارئ آخر ” ( لانسون ، 1925 ، ص 41 ) . لن يكون هناك ولوج مباشر على وجه السرعة ، خالص ، إلى الكتاب . لقد أكد بروست وجهة النظر الهرطقية هذه في سنة 1907 في [كتاب] ” أيام القراءة ” ( التقديم الذي خص به ترجمته [لكتاب] سمسم وزنابق روسكان Ruskin) ( ، محاضرتان حول القراءة في التقليد الفيكتوري لأهل الكتاب ) ، ثم في رواية الزمن المعثور عليه . إن ما نتذكره ، ما انطبع في قراءاتنا كأطفال ، يقول بروست متخلصا من الأخلاقية الروسكانية ، ليس الكتاب عينه ، بل الإطار الذي تمت فيه قراءتنا له ، الانطباعات التي صاحبت قراءته . القراءة متماهية مع الغير ، إسقاطية ، تجعل التماهي ممكنا . إنها تسيء ، بالتأكيد ، معاملة الكتاب ، تكيفه مع اهتمامات القارئ . ومثلما سيكرر بروست قول ذلك في الزمن المعثور عليه ، يقوم القارئ بتطبيق ما يقرؤه في وضعه الخاص ، مثلا في غرامياته ، ثم ” إن الكاتب لا ينبغي عليه أن يستاء من أن اللوطي يعطي لبطلاته وجها ذكوريا ” ( بروست ، 1989 ، ص 489 ) . لم يصف القسيس بريفوستPrévost) ( مانون Manon) ( ، الذي بقي مظهره الخارجي مبهما ، إلا أنه ” جذاب ” و ” محبوب ” ؛ فقد اكتفى بمنحه ” مظهر الحب ذاته ” ليتسنى لكل قارئ منحه السمات التي كانت تعتبر بالنسبة إليه سمات مثالية . كما أن الكاتب ، الكِتاب ، يراقبان قارئهما بشكل محدود جدا . تبعا لبروست،
لا يتحدث الكاتب إلا من خلال عادة مأخوذة من لغة مخادعة للمقدمات والإهداءات : ” قارئي ” . وفي الواقع ، فإن كل قارئ يكون موجودا عندما يقرأ قارئه الخاص . إن عمل الكاتب ما هو إلا نوع آلة بصرية يمنحها للقارئ بغية السماح له بإدراك أنه في غياب هذا الكتاب ما كان بوسعه أن يُرى في ذاته ( نفس المرجع ، ص 489 ـ 490 ) .
يكون القارئ حرا ، غاية في الأهمية ، مستقلا : وهدفه هو ألا يقل عن فهم الكتاب أكثر من أن يفهم نفسه من خلال هذا الكتاب ؛ علاوة على ذلك فهو لن يكون قادرا على فهم كتاب مالم يفهم نفسه بفضل هذا الكتاب . هذه الأطروحة البروستية أرعبت لانسون ، الذي راهن على علم الإحصاء بغاية تقويم هذا الانطباع الفوضوي :
بقي على المرء تجميع وتضمين الانطباعات الذاتية ، وربما يصدر عنها عنصر تأويلي دائم ومشترك ، يمكن تفسيره اعتمادا على خاصية واقعية للعمل ، محددا تقريبا وعلى الدوام تغييرا مطابقا للأرواح تقريبا ( لانسون ، 1925 ، ص 42 ) .
معترفا لبروست بالتنوع الهائل للأجوبة الفردية في الأدب ، كان لانسون برغب في أن يصدق أنه في المتوسط ، وبالرغم من ذلك ، فإن ردود أفعال القراء لم تكن سخيفة وغير قابلة للتصنيف . إلا أن الأبحاث المعاصرة لريشار إلى جانب طلبته بكامبريدج تدفع إلى الشك أنه بمقدور الاستبيانات استخراج ” عنصر دائم ومشترك للتأويل ” ، شيء ما مثل المعنى على النقيض من الدلالة ، تبعا لاصطلاح هيرش Hirsch) ( السابق الذكر ، ثم أن يكون الإحصاء في مستوى تشييد نزعة موضوعية أدبية على الرغم من أنف بروست .
لقد كان تأثير بروست أكثر وقعا في هذا المنظور السالب للقراءة . تقترن الكتابة والقراءة بذلك : ستصبح القراءة كتابة ، مثلما أن الكتابة شكلت قراءة في السابق ، بما ، أنه في رواية الزمن المعثور عليه ، تم وصف الكتابة باعتبارها ترجمة لكتاب داخلي ، والقراءة بوصفها ترجمة جديدة في كتاب داخلي آخر . ” إن واجب ومهمة كاتب ما ، سيستنتج بروست ، هما واجب ومهمة مترجم ما ” ( بروست ، 1989 ، ص 469 ) . ففي الترجمة تتلاشى قطبية الكتابة والقراءة. وبتعبير سوسيري ، سوف يُقال لو أن النص يقدم نفسه مثل كلام بالنسبة للشفرات وأعراف الأدب ، فإنه يقترح نفسه أيضا على القراءة مثل لسان langue) ( سيرتبط به كلامه الخاص . فعبر الكتاب ، الذي هو كلام parole) ( ولسان في نفس الوقت واللذان هما وعيان يتواصلان . سوف يقيم النقد الخلاق من ألبير ثيبوديه (Albert Thibaudet) إلى جورج بوليه Georges Poulet) ( ، الحركة النقدية على التقمص العاطفي الذي يتبنى موجة الإبداع .
إن الهيرمينوطيقا الظاهراتية ( التي تمت الإشارة إليها في الفصل 2 ) قد شجعت على عودة القارئ إلى المشهد الأدبي مع الربط بين أي معنى بوعي ما . عمل سارتر ، في كتاب ماالأدب ؟ ، على تعميم النسخة الظاهراتية من خلال هذه العبارات :
إن الفعل الخلاق ليس سوى لحظة غير كاملة ومجردة لإنتاج عمل ما ؛ فإذا ما كان المؤلف يوجد بمفرده ، فإنه يستطيع كتابة قدر ما يريد ، لن تقوم للعمل كموضوع قائمة أبدا وينبغي عليه التوقف عن الكتابة أو يتملكه القنوط . غير أن عملية الكتابة تنطوي على عملية القراءة مثل تعالق جدلي لها ثم إن هذين الفعلين المرتبطين يستوجبان عاملين متميزين ( سارتر ، ص 93 ) .
نحن أبعد ما نكون عن ملارميه والعمل كأثر ، وأيضا عن فاليري الذي قام في ” دروس في الشعرية ” ، بإزاحة ال” مستهلك ” على غرار ال” منتج ” ، كي ينشغل بشكل حصري ب” العمل ذاته ” ، باعتباره شيئا ملموسا ” ( فاليري ، ص 1348 ) .
سيرا على خطى بروست والفينومينولوجيا ، عديدة هي المساعي النظرية التي سلطت الضوء على القراءة ـ القراءة الأولى وكذلك القراءات اللاحقة ـ ، مثل استثيقا التلقي ، التي ترتبط بمدرسة كونستانس Constance) ( ( ولفغانغ آيزر Wolfgang Iser) ( ، هانز روبيرت يوس ) (Hans Robert Jauss ، أو نظرية استجابة القارئ ( نظرية تأثير القراءة ) ، تبعا لتسميتها الأمريكية ( ستانلي فيش ، أومبرتو إيكو ) . اقترب بارت هو الآخر شيئا فشيئا من القارئ : ففي كتاب s/z ، يتم تحديد الشفرة التي يسميها ” هيرمينوطيقا ” عبر الألغاز ، التي يعود بها إلى القارئ ، من خلال عملية القرائن ، مثل قناص أو مخبر ، بإيجاد حل مثل العديد من التحديات ، لارتجاجات صغيرة للمعنى . في غياب هذا العمل ، يظل الكتاب عديم الفعالية . إلا أن بارت أصر على مقاربة القراءة على مقربة من النص ، باعتباره برنامجا ( الشفرة التأويلية ) يخضع القارئ إليه . ومع ذلك فإن السؤال المركزي لأي تفكير حول القراءة الأدبية التي ترغب في التخلص من خيار الذاتية والموضوعية ، أو النزعة الانطباعية والوضعية ، علاوة على ذلك فإنه سؤال طرح طرحا جيدا من قبل النقاش بين بروست ولانسون ، هو سؤال الحرية التي يتركها النص للقارئ . ضمن القراءة كتفاعل جدلي للنص والقارئ ، كما وصفتها الظاهراتية ، ما هي حصة الإكراه الذي يفرضه النص ؟ وما هي حصة الحرية التي يحتكرها القارئ ؟ إلى أي مدى تعتبر القراءة مبرمجة من قبل النص ، مثلما يرغب ريفاتير Riffaterre) ( بذلك ؟ وإلى أي مدى يمكن للقارئ أو ينبغي عليه سد فجوات النص بهدف القراءة ، في النص الحالي ، النصوص الأخرى بشكل ضمني ؟
كثيرة هي الأسئلة التي تطرح نفسها في ما يخص القراءة ، لكنها تقود كلها إلى المشكلة الأساسية للعبة الحرية والإكراه . ما هو تأثير القارئ في النص ، عندما يقرؤه ؟ وما هو تأثير النص فيه ؟ هل القراءة إيجابية أم سلبية ؟ أو أكثر سلبية منها من إيجابية ؟ هل تحدث مثل مناقشة ، حيث المتحاورين يمتلكون إمكانية تصحيح المسار ؟ هل يعتبر النموذج المعتاد للجدل شافيا ؟ هل ينبغي النظر إلى القارئ باعتباره مجموعة من ردود الأفعال الفردية ، أو على الأصح مثل تفعيل لكفاية جماعية ؟ هل تعتبر صورة قارئ طليق مراقب ، محروس من قبل النص ، هي الصورة الأفضل ؟
قبل التصدي لعودة القارئ إلى مركز اهتمامات الدراسات الأدبية ، على أنه لابد من توضيح مصطلح التلقي ، والذي بموجبه يتنكر البحث حول القراءة في أغلب الأحيان في الوقت الراهن .
تلق وتأثير
وفي الحقيقة ، فإن التاريخ الأدبي لم يكن على جهل كامل بالتلقي . فعندما كانت تتم الرغبة في السخرية من اللانسونية ، فإنه كانت تتم مهاجمة لا فحسب صنميتها لل” مصادر ” بل أيضا بحثها المهووس عن ال” تأثيرات ” . من خلال هذا المنظور ، من المؤكد دائما هو تأثير إنتاج الأدب ، بواسطة المؤلف ـ تأثير يصبح مصدرا ـ ، كان يتم أخذ التلقي بعين الاعتبار ، لكن ليس من خلال القراءة ، الأصح من خلال كتابة أعمال أخرى يقوم عمل ما بإنجابها . لم يكن أخذ القراء في غالب الأحيان في الحسبان إلا حينما يكونون مؤلفين آخرين ، عبر مفهوم ” ثروة كاتب ما ” ، وهي ثروة تعتبر في الجوهر ثروة أدبية . وكانت ، في فرنسا ، هذه هي نقطة البداية للأدب المقارن ، مع أطروحات عظيمة مثل أطروحة فرنان بالدنسبيرغر(fernand Baldensperger) ، [في كتاب] غوته بفرنسا (1904) . ليس ثمة حد للاختلافات حول هذه الثيمة . ففي العديد من الطبعات التي تم شرحها ، يوجد فرع حول ” الأحكام المعاصرة ” وفرع آخر حول ” تأثير ” العمل ، إلى حدود كراسات الأوبرا وسيناريوهات الأفلام التي اقتبست منها . وعليه فإنه يتم قياس ثروة عمل ما من خلال تأثيره على الأعمال اللاحقة ، وليس من خلال قراءة الهواة .
وبطبيعة الحال ، ثمة استثناءات : تعتبر مقالة لانسون ذات الأهمية الكبيرة لمئوية ديوان تأملات ل لمارتين Lamartine) ( ، عام 1921 ، بحثا سوسيولوجيا رائعا وتاريخيا حول انتشار العمل الأدبي . ثم إن لانسون كان يحلم بتاريخ شامل للكتاب والقراءة بفرنسا . ومع ذلك ، وكما سنرى في الفصل 6 ، فإن مؤرخي مدرسة الحوليات هم الذين انكبوا مؤخرا على إنجاز هذا البرنامج . وبفضلهم ، فإن القراءة تصدرت فعلا الأعمال التاريخية ، لكن بوصفها مؤسسة اجتماعية . ومع ذلك وتحت اسم دراسات التلقي ، فإنه لم يتم التفكير لا في التوسع التقليدي للتاريخ الأدبي ليشمل قضايا الثروة والتأثير ، ولا في ميدان التاريخ الاجتماعي الجديد والثقافي المكرس لانتشار الكتاب ، بل في التحليل الشديد الضيق للقراءة كرد فعل ، فردي أو جماعي ، تجاه النص الأدبي .
القارئ الضمني
وفيةً للتمييز القديم الخلق poiesis) ( ، أو ال” إنتاج ” وال” استهلاك ” ، كما قال فاليري ، فإن الدراسات الحديثة للتلقي كثفت من جهودها على غرار تأثير عمل ما في القارئ ، قارئ سلبي وإيجابي على حد سواء ، لأن الشغف بالكتاب يعتبر فعل قراءة . يستهدف تحليل التلقي التأثير الذي يحدث في القارئ ، فردي أو جماعي ، ـ wirkung) ( بالألمانية ، response) ( بالإنجليزية ـ واستجابته للنص بوصفه حافزا . وتتوزع أعمال هذا النوع إلى فئتين كبيرتين : فمن جهة تلك التي ترتهن بفينومينولوجيا الفعل الفردي للقراءة ( في الأصل لدى رومان إنغاردن Roman Ingarden) ( ، ثم لدى ولفغانغ آيزر ، ومن جهة أخرى تلك التي تهتم بتأويل الاستجابة العامة للنص ( لدى غدامير وهانز روبيرت يوس على الخصوص ) .
ترتقي نقطة انطلاقهم المشتركة إلى الفينومينولوجيا مثل اعتراف بدور الوعي في القراءة : ” إن الموضوع الأدبي ، كتب سارتر ، هو خذروف غريب ، لا وجود له إلا ضمن الحركة . ومن أجل جعله يدور ، لابد من عمل ملموس يدعى قراءة ، ولن يستمر إلا بقدر ما يمكن لتلك القراءة أن تستمر ” ( سارتر ، ص 91 ) . على الرغم من أن الموضوع الأدبي قد تم النظر إليه جريا على العادة في الفضاء ، مثل كتاب مجلد ، على الأقل ابتداء من المطبعة ورسوخ نموذج الكتاب ( ضمن هذياناته يعارض ملارميه بانتظام الكتاب المجلد وطية الكتاب بحجم و نشر الجريدة ) ، لقد قادت الفينومينولوجيا إلى الإصرار على زمن القراءة . لذلك فإن دراسات التلقي تستند إلى رومان إنغاردن ، مؤسس الاستثيقا الظاهراتية بين الحربين العالميتين ، والذي كان ينظر إلى النص باعتباره بنية كامنة ، يجسدها القارئ ، ويرى في القراءة قضية تضع النص في علاقة مع المعايير والقيم الخارج أدبية والتي من خلالها كان القارئ يمنح معنى لتجربته للنص . نعثر هنا على مفهوم الفهم القبلي للمفهوم باعتباره فهما سابقا لامناص منه لكل فهم ، وهي طريقة أخرى للقول ، مثل بروست ، بأنه لا وجود لقراءة بريئة ، أو شفافة : يأتي القارئ إلى النص مع معاييره وقيمه الخاصة . إلا أن إنغاردن ، كفيلسوف ، وصف ظاهرة القراءة بشكل غاية في التجريد ، من دون أن يحدد الهامش الذي يمنحه النص للقارئ لملء بياضاته ـ على سبيل المثال غياب وصف مانونManon) ( ـ انطلاقا من معاييره الخاصة ، ولا الرقابة التي يمارسها النص على الطريقة التي قُرئ بها ، أسئلة ستصبح أساسية على وجه السرعة . إن معايير وقيم القارئ هي في جميع الأحوال يتم تعديلها من خلال تجربة القراءة . فحينما نقرأ ، فإن توقعنا يكون مرتهنا بما سبق لنا قراءته ـ ليس في النص الذي نقرؤه فحسب ، بل في نصوص أخرى ـ ، ثم إن الأحداث اللامتوقعة التي سنصادفها أثناء قراءتنا فإنها تجبرنا على إعادة صياغة انتظاراتنا وإعادة تأويل ما قرأناه في السابق ، كل ما قرأناه حتى الآن ، في هذا النص وفي أي مكان آخر . تنجز القراءة إذن في اتجاهين في نفس الوقت ، إلى الأمام وإلى الخلف ، معيار الانسجام يكون على مستوى البحث عن المعنى والمراجعات المستمرة التي تضمن القراءة من خلالها دلالة جامعة لتجربتنا .
قام آيزر ، في كتابيه القارئ الضمني (1972) وفعل القراءة (1976) ، بالعودة إلى هذا النموذج بغرض تحليل سيرورة القراءة : ” فقد كتب أن التأثيرات والاستجابات ليست خصائص النص ولا خصائص القارئ ؛ يمثل النص تأثيرا كامنا يتم إنجازه في سيرورة القراءة ” ( آيزر ، 1978 ، ص 9 ) . يعتبر النص ، إذا شاء المرء ذلك ، جهازا كامنا على مستوى تشييد القارئ من خلال تفاعله ، موضوعا منسجما ، كلا . تبعا لآيزر .
يمتلك العمل الأدبي قطبين ، […] القطب الفني والجمالي : القطب الفني هو نص المؤلف والقطب الجمالي هو التحقق المكتمل بواسطة القارئ . وبالنظر إلى هذه القطبية ، من الواضح أن العمل ذاته لا يمكنه أن يكون مطابقا للنص ولا إلى التجسيد ، لكن عليه أن يتموقع في مكان ما بين الاثنين . ينبغي عليه حتما أن يكون ذا خاصية افتراضية ، لأنه لا يمكن اختزاله لا إلى واقع النص ولا إلى ذاتية القارئ ، وبفضل هذا الاحتمال فإنه يستمد طاقته . وكما أن القارئ ينتقل عبر وجهات نظر مختلفة يمنحها النص ، ثم إنه يجعل العمل في حركة ، وهو ذاته يجعل نفسه في حركة ( نفس المرجع ، ص 21 ) .
بناء على ذلك فإن المعنى يشكل تأثيرا يقوم القارئ باختباره ،وليس موضوعا محددا ، سابق الوجود على القراءة . قام آيزر بشرح هذا الإجراء بضم ـ لايخلو ذلك من انتقائية ـ النموذج الظاهراتي مع نماذج أخرى ، مثل النموذج الشكلاني .
وعلى نحو مماثل لدى إنغاردن ، فإن النص الأدبي يتميز بعدم اكتماله ، ثم إن الأدب يتحقق في القراءة . لذا فإن للأدب وجودا مضاعفا وغير متجانس : إنه يوجد بمعزل عن القراءة ، في النصوص والمكتبات ـ دون مزيد من التوضيح أو التفسير ـ إلا أنه يتحقق عبر القراءة فقط . إن الموضوع الأدبي الأصيل هو التفاعل ذاته للنص والقارئ :
لابد للمعنى من أن يشكل نتيجة لتفاعل بين الإشارات النصية وأعمال فهم القارئ . ثم إن القارئ لا يمكنه الانفصال عن هذا التفاعل ؛ على النقيض من ذلك ، فإن النشاط الذي يتم استنهاضه بداخله سيربطه حتما بالنص وسيحثه لابتكار ظروف ضرورية لفعالية هذا النص . شأنه في ذلك شأن النص والقارئ اللذان ينصهران في موقف واحد ، فإن التقسيم بين ذات وموضوع لا دور له ، ويترتب على ذلك أن المعنى لم يعد موضوعا ينبغي تحديده ، بل تأثيرا يجب اختباره ( نفس المرجع ، ص 9 ـ 10 ) .
إن الموضوع الأدبي لا هو النص الموضوعي ولا هو التجربة الذاتية ، بل هو ترسيمة افتراضية ( نوع من برنامج أو تقسيم ) تتكون من بياضات ، ثغرات والتباسات . وبعبارة أخرى ، فإن النص يخبر والقارئ يشيد . ففي أي نص توجد نقط التباس لا حصر لها ، كالصدوع ، فجوات ، يتم اختزالها وسدها بواسطة القراءة . وبصورة مماثلة ، فقد ارتأى بارت حتى الأدب الأكثر واقعية لم يكن قابلا ” للتشريح ” لأنه غير دقيق كفاية ؛ لقد اتخذه ذريعة ضد المحاكاة ، وليس لصالح القراءة . وآيزر نفسه سيقول أنه إذا كان العمل ثابتا ، إذا كان يعطي الانطباع بامتلاكه بنية موضوعية ، فإن تجسيداته الممكنة لن تكون أقل عددا من ذلك ، وربما لا تعد ولا تحصى .
إن المفهوم الرئيس الذي يتولد من تلك المقدمات المنطقية هو مفهوم القارئ الضمني ، الذي يستنسخ المؤلف الضمني ، الذي أدخله الناقد الأمريكي واين بوث (Wayne Booth) في كتاب بلاغة الرواية (1961) . متخذا موقفا في ذلك العهد ، ضد النقد الجديد ، في الخصام حول مقصدية المؤلف ( التي ترتبط طبعا بالتفكير حول القارئ ) ، أكد بوث بأن المؤلف لا ينسحب تماما من عمله ، لكنه يترك هناك دائما بديلا يقوم بمراقبته في فترة غيابه : المؤلف الضمني . إنها طريقة سابقة لأوانها في رفض الصورة السلبية لموت المؤلف . مقترحا من قبل أن المؤلف الضمني لديه ضامن في النص ، حدد بوث بأن المؤلف ” يشيد قارئه ، بنفس الطريقة التي يشيد بها أناه الثانية ، ثم [إن] القراءة الأكثر نجاحا هي تلك التي يمكن لأنا المؤلف والقارئ التي تم تشييدهما الاتفاق بخصوصها ” ( بوث ، ص 138 ) . وهكذا سيكون في أي نص ، موقع مهيأ ومتمم للمؤلف الضمني ، يكون فيه حرا في الاصطفاف من عدمه . على سبيل المثال ، بداية رواية الأب غوريو :
هكذا ستفعل ، أنت الذي تمسك بهذا الكتاب بيد بيضاء ، أنت الذي تغوص في كرسي وثير قائلا : ربما سيسليني هذا . وبعد قراءة النكبات السرية للأب غوريو ، ستتناول عشاءك بشهية ملقيا فقدان إحساسك في عنق المؤلف ، متهما إياه بالمغالاة وبالشعر . آه ! لعلمك : إن هذه المأساة لا هي تخييل ولا هي رواية . (all is true) كل شيء حقيقي ، من الواضح جدا أن كل واحد يمكنه التعرف على عناصر ذلك في نيته ، وربما في قلبه .
هنا ، يتوجه المؤلف الضمني إلى القارئ الضمني ( أو الراوي إلى المروي له ) ، يرسي أسس وفاقهما ، يضع شروط ولوج القارئ الفعلي إلى الكتاب . يعتبر القارئ الضمني بنية نصية ، يُنظر إليه باعتباره إكراها بواسطة القارئ الفعلي ؛ إنه يعكس الدور الذي يعزا إلى القارئ الفعلي من خلال ( تعليمات النص . فالقارئ الضمني ، تبعا لآيزر
يجسد كافة الميولات الضرورية لكي يمارس العمل الأدبي تأثيره ـ ميولات يتم منحها ، ليس من خلال واقع تجريبي خارجي ، بل يمنحها النص ذاته ؛ ومن ثم فإن جذور القارئ الضمني بوصفه مفهوما توجد متأصلة بصلابة في بنية النص ؛ إنه بناء ولا يمكن التعرف عليه بأي حال من الأحوال في أي قارئ واقعي ( آيزر ، 1978 ، ص 34 ) .
قدم آيزر وصفا لكون أدبي غاية في الإلزامية ، شبيها بلعب أدوار مبرمج . يلتمس النص من القارئ الامتثال لتعاليمه :
يعتبر مفهوم القارئ الضمني […] بنية نصية مشيرة مقدما إلى حضور متلق دون تحديده بالضرورة : يقدم هذا التصور بنية أولى للدور الذي يضطلع به كل متلق ، ويظل هذا صحيحا حتى عندما يبدو أن النصوص تتجاهل المتلقي المحتمل أو تستبعده بشكل فعال ؛ لذلك فإن تصور القارئ الضمني يشير إلى شبكة بنيات تستدعي إجابة ، تجبر القارئ على فهم النص ( نفس المرجع ، ص 34 ) .
يقترح القارئ الضمني نموذجا للقارئ الواقعي ، فهو يحدد وجهة نظر تسمح للقارئ الفعلي بحشد معنى النص . مهتديا بالقارئ الضمني ، يعتبر دور القارئ الفعلي إيجابيا وسلبيا في نفس الوقت . وهكذا يُنظر إلى القارئ بصورة متزامنة كبنية نصية ( القارئ الضمني ) ومثل عمل مبنين ( القراءة الواقعية ) .
مشيداً على القارئ الضمني ، يكمن عمل القراءة في تجسيد وجهات النظر التخطيطية للنص ، بمعنى ، في اللغة العادية ، في تخيل الشخصيات والأحداث ، سد فجوات السرود والأوصاف ، تحقيق انسجام انطلاقا من عناصر مبعثرة وغير مكتملة . تقدم القراءة نفسها كحل لألغاز ( طبقا لما كان يطلق عليه بارت ال” شفرة التأويلية ” ، أو بنموذج فن الصيد الذي يتم استحضاره بخصوص المحاكاة . بتشغيلها للذاكرة ، فإنها تقوم بأرشفة للقرائن . وفي جميع الأوقات ، يُفترض فيها إدراك كل المعلومات التي يمنحها النص إلى النقطة التي وصلت إليها . تتم برمجة هذه المهمة بواسطة النص ، إلا أن النص يقوم بكبتها بحكم الضرورة أيضا ، إذ إن حبكة ما تتضمن دائما ثغرات يتعذر اختزالها ، خيارات يصعب الحسم فيها ، ولا يمكن أن تكون هناك واقعية تامة . ففي كل نص ، ثمة عوائق يصطدم بها التجسيد قسرا ، وبصفة نهائية .
لم يلجأ آيزر ، من أجل وصف القارئ إلى استعارة القناص أو المخبر وإنما لجأ إلى استعارة المسافر . إن القراءة ، بوصفها انتظارا وتغييرا للانتظار عبر اللقاءات اللامتوقعة التي تتم في الطريق ، تشبه رحلة على طول النص . يمتلك القارئ ، يقول آيزر ، وجهة نظر متحركة ، مترحلة ، في النص . إن النص بأتمه لا يشكل أبدا مركز اهتمامه : شأنه في ذلك شأن مسافر في سيارة ، لا يدرك القارئ في كل لحظة إلا مظهرا من مظاهر النص ، لكنه يقوم بتجميع كل ما يراه بفضل ذاكرته ، كما أنه يضع إطاراتساق ترتهن طبيعته ومصداقيته بدرجة اهتمامه . لكنه لا يمتلك أي رؤية شاملة لمسار الرحلة . وهكذا وكما هو الحال لدى إنغاردن ، فإن القراءة تتجه إلى الأمام ، ملتقطة قرائن جديدة ، وصوب الخلف ، معيدة تأويل القرائن المأرشفة إلى الحد الذي انتهت إليه .
يصر آيزر في الأخير على ما يسميه بالذخيرة répertoire) (، وعلى وجه التحديد مجموع المعايير الاجتماعية ، التاريخية والثقافية التي يسهم بها القارئ مثل ثقافة ضرورية لقراءته . غير أن النص ذاته يستدعي ذخيرة ، وهو ذاته يستعمل مجموعة من المعايير . ولكي تتحقق القراءة ، لا بد من حد أدنى من التقاطع بين ذخيرة القارئ الواقعي و ذخيرة النص ، بمعنى القارئ الضمني . إن التعاقدات التي تشكل الذخيرة يُعاد تنظيمها من قبل النص ، الذي يعمل على تغريب défamiliariser) ( ويعيد تشكيل مسلمات القارئ حول الواقع . ومع ذلك فإن هذا الوصف الجميل يترك مسألة معقدة معلقة : فكيف يلتقي ويتجابه عمليا كل من القارئ الضمني ( التصوري ، الظاهراتي ) والقراء التجريبيون والتاريخيون ؟ هل يمتثل هؤلاء بالضرورة إلى تعليمات النص ؟ وإذا لم يمتثلوا إليها ، كيف يمكن استدراك انتهاكاتهم ؟ يحوم في الأفق تساؤل مخيف : هل بإمكان القراءة الواقعية تكوين موضوع نظري ؟
العمل المفتوح
تحت ستار الليبرالية الأكثر تسامحا ، لا يوجد في حوزة القارئ الضمني في حقيقة الأمر اختيار آخر إلا بالخضوع لتعليمات المؤلف الضمني ، بما أنه أناه الآخر أو تحول له . ثم إن القارئ الواقعي ، يتم وضعه أمام بديل متيبس : فإما أن يقوم بالدور الذي حدده له القارئ الضمني أو يرفض تعليمات القارئ الضمني ، ومن ثم إغلاق الكتاب . وبالتأكيد ، فإن العمل يكون مفتوحا ( وفي جميع الأحوال فهو ينفتح شيئا فشيئا على القراءة ) ، لكن فقط من أجل أن يمتثل القارئ له . لقد تميز تاريخ نظريات القراءة في العقود الأخيرة بحرية متنامية تمنح للقارئ قبالة النص . وفي الوقت الراهن ، بإمكانه فقط الرضوخ أو أن يستقيل .
على أنه ما لم يتحرر القارئ الحقيقي كثيرا من القارئ الضمني ، فإنه ، مع ذلك ، يتمتع لدى آيزر بدرجة كبيرة من الحرية مقارنة بالقارئ التقليدي ، بكل بساطة لأن النصوص التي يتصدى لها ، هي ذاتها نصوص أكثر حداثة ، غاية في الغموض ؛ ويناء عليه ، فإن القارئ يبذل مجهودا شخصيا بغية إكمال النص . لقد تم وضع اليد من جديد على ظاهرة آنفة الذكر بخصوص الأدبية littérarité) ( ، تم ربطها بالتغريب ، وتعريفها مثل كلية بواسطة الشكلانيين الروس ، استنادا إلى الاستثيقا المستقبلية الخاصة التي وجدوا أنفسهم في انسجام تام معها . فلإدراك النصوص الحديثة هنا ، حيث دور القارئ الضمني يكون أقل تفصيلا مما هو في رواية واقعية ، وصف جديد للقراءة ، أكثر انفتاحا ، كان لابد من تطويره ، ولقد تم تشييده على الفور كنموذج كوني .
ومما لاشك فيه أن تلك النظرية تعتبر جذابة ، وربما أكثر . فهي تمنح تركيبا من وجهات النظر حول الأدب ويبدو أنها تعمل على التوفيق بين الظاهراتية والشكلانية في وصف شامل ، انتقائي للقراءة . جدلية للغاية ، مسترشدة بواسطة انهمام هادئ للتوازن ، آخذة بعين الاعتبار بنية النص وتأويل القارئ ، الالتباس النسبي والمساهمة المراقبة ( للإكراه والحرية ) . يعتبر قارئ آيزر روحا مفتوحة ، متحررة ، سخية ، على أتم الاستعداد للعب لعبة النص . وعلى أي حال ، فهو لا يزال قارئا مثاليا : إنه يشبه إلى درجة الخداع ناقدا مثقفا ، مألوفا لدى الكلاسيكيين لكنه متطفل على المحدثين . إن التجربة التي يصفها آيزر هي في الأساس تجربة قارئ عالم يوجد أمام نصوص سردية تنتمي إلى التقليد الواقعي وخاصة إلى الحداثة . إنها فعلا ممارسة روايات القرن العشرين ، التي عقدت ، علاوة على ذلك ، علاقات مع بعض الحريات الشائعة في القرن الثامن عشر ، إنها تجربة حبكاتها المترهلة وشخصياتها التي تفتقد إلى التماسك ، وأحيانا بدون اسم ، التي تسمح بالتحليل ، استعاديا بشكل عام ، القراءة (العادية ) لروايات القرن التاسع عشر والأدب السردي بصفة عامة . الفرضية الضمنية هي أنه ، في مواجهة رواية حديثة ، الأمر متروك للقارئ المطلع أن يقدم ، بمساعدة ذاكرته الأدبية لما يكفي لتغيير خطة سردية ناقصة إلى عمل تقليدي ، إلى رواية واقعية أو طبيعية افتراضية . خفية ، ظل معيار القراءة المفترضة من قبل آيزر ، الرواية الواقعية للقرن التاسع عشر ، مثل نموذج ستنبثق عنه كل قراءة . لكن ماذا عن القارئ الذي لم يتلق هذا التلقين التقليدي للرواية ، والذي سيصبح بالنسبة إليه المعيار على سبيل المثال الرواية الجديدة ؟ أو الرواية المعاصرة التي توصف أحيانا رواية ما بعد حداثية ، مشذرة ومفككة البنية ؟ هل لا زال يوجه سلوكها عبر بحث للتماسك حول نموذج الرواية الواقعية ؟
وأخيرا فقد عمل آيزر على توسيع مفهوم التغريب ، الذي ابتكرته الشكلانية ، إلى المعايير الاجتماعية والتاريخية . على الرغم من أن الشكلانيين فكروا خاصة في الشعر الذي كان يزعج أساسا التقليد الأدبي ، فقد فكر آيزر في الرواية الحديثة أكثر من تفكيره في الشعر ، فقد قام بربط قيمة التجربة الجمالية بالتغييرات التي تسهم بها في فرضيات القارئ حول الواقع . لكن بعد ذلك ـ تحفظ آخر ـ لا تعرف هذه النظرية ما الذي تفعله بممارسات القراءة التي تجهل القيود التاريخية التي تثقل كاهل المعنى ، التي تقارب الأدب على سبيل المثال باعتباره مجموعة تزامنية وتذكارية ، على طريقة الكلاسيكيين . ومن فرط الرغبة في الإمساك بكل شيء معا ، التزامن والتعاقب ، الظاهراتية والشكلانية ، ومن الممكن أن يكشف المرء نفسه من جميع الجوانب ، وعلى الأقل من جانب القدماء مثل جانب المابعد حداثيين .
لكن الاعتراض الأكثر صرامة والذي تمت صياغته ضد نظرية القراءة هذه يكمن في مؤاخذتها في إخفاء نزعتها التقليدية التجديدية عبر إحالاتها الكونية . لقد جعلت من القارئ دورا ( بمجرد القبول بلعبه ) حرا ومجبرا في نفس الوقت ، ثم إن ائتلاف النص والقارئ ، مع ترك المؤلف جانبا ، يعطي الشعور بتجنب العقبات المألوفة للنظرية الأدبية ، ولاسيما الثناءوية binarisme) ( والتضادات المبالغ فيها . ومع ذلك ، وكما هو الحال في أي بحث عن نقطة توازن ، لم تفوت الفرصة لانتقاد طموحها المحافظ . وبالفعل فإن الحرية التي تمنح للقارئ تعتبر حرية مقيدة بنقط التباس النص بين الأمكنة الملآنة التي قام المؤلف بتحديدها . وهكذا ، وبالرغم من المظاهر ، فإن المؤلف يظل بالفعل سيدا للعبة : إنه يواصل تحديد ما هو محدد وما ليس كذلك . إن استثيقا التلقي التي كانت تقدم نفسها كتطور للنظرية الأدبية ، لم تشكل في آخر المطاف سوى محاولة لإنقاذ المؤلف وفقا لغلاف يتم تجديده . لم يكن الناقد البريطاني فرانك كيرمود Frank Kermode) ( ليخطئ ذلك ، والذي أكد أنه مع جمالية تلقي آيزر التحقت النظرية الأدبية أخيرا بالحس المشترك ( كيرمود ، ص 128 ) . أشار كيرمود ، إلى أن الجميع يعرف أن القراء الأكفاء يقرؤون نفس النصوص بطريقة مختلفة عن القراء الآخرين ، بحذر شديد ، وعلى نحو أكثر اتساقا ، ثم إن ذلك كاف لإقامة الدليل على أن نصا ما لا يكون محددا تماما . علاوة على ذلك فإن الأساتذة يمنحون أعلى العلامات للطلبة الذين ينزاحون أكثر ، من دون تقديم في تفسيرات خاطئة أو السقوط في التفاهة ، عن القراءة ” العادية ” لنص ما ، تلك التي تشكل جزءا من الذخيرة répertoire) ( إلى ذلك الحين . والواقع أن استثيقا التلقي لا تقول أكثر من ملاحظة تجريبية دقيقة للقراءة ، وبإمكانها ألا تكون سوى تشكل للمنطق السليم ، والتي بعد كل شيء سوف لن تكون بهذا السوء . ومن خلال كتابات كيرمود ، لقد كان ذلك اطرادا ، على أنه ثمة إطراءات محفوفة بالمخاطر والتي سوف يتم تجاوزها .
لقد قام المناصرون لمنح قدر أكبر من الحرية للقارئ بمؤاخذة استثيقا التلقي لكونها اقتادت المؤلف خلسة مثل معيار ، أو كترهين يعرّف فضاءات اللعب في النص ، ومن ثم التضحية بالنظرية لصالح الرأي الشائع . وعلى هذه الأرضية هوجم آيزر من قبل ستانلي فيش خاصة ، الذي تأسف على كون أن تعدد المعنى المعترف به في النص ليس متناهيا ، أو أن العمل ليس مفتوحا بالفعل ، لكنه منفرج قليلا ببساطة . لاشك أن الموقف المعتدل لآيزر ، يتقيد بالحس السليم ، الذي يعترف بأن القراءات بإمكانها أن تكون مختلفة ( كيف يمكن إنكار ما هو بديهي ؟ ) ، إلا أنه يحدد القيود في النص ، ليست لديه بالتأكيد جذرية أطروحة أمبرتو إيكو ، والذي يعتبر بحسبه كل عمل فني مفتوحا على تشكيلة غير محدودة من القراءات الممكنة ، أو أيضا أطروحة ميشال شارل (Michel Charles) ، والذي لا يملك العمل الراهن ، بالنسبة إليه ، وزنا ماعدا العدد الذي لا يحصى من الأعمال الافتراضية التي تقترحها قراءته .

أفق الانتظار ( شبح)
تمتلك استثيقا التلقي جانبا أول ، مرتبطا بالظاهراتية ، يهم القارئ الفردي ، قدمه آيزر ، لكن أيضا جانبا ثان ، حيث يتم التشديد أكثر على البعد الجماعي للقراءة ، ويعتبر مؤسسها والمتحدث باسمها الأكثر بروزا هانز روبيرت يوس ، الذي كان يسعى إلى تجديد ، بفضل دراسة القراءة ، والتاريخ الأدبي التقليدي ، الذي تمت مؤاخذته لانشغاله المفرط ، إن لم يكن حصريا بالمؤلفين . أضع شبحه هنا ، لأنه سيتم التصدي له في الفصل 6 ، مرتكزا في ذلك على الأدب والتاريخ ، لكنه يؤثر عن قرب في القيمة ، في تشكل النموذج ، وكان يمكن الترحيب به في الفصل 7 . علاوة على ذلك فإن هذه القدرة على الحضور في كل مكان تشكل إشارة على مشكلة ، وكما سيُلاحظ ، يمكن مؤاخذته مثلما تمت مؤاخذة نظرية آيزر : كونها لينة الجانب ، معتدلة ، الرغبة في فهم مبالغ فيه لأشياء كثيرة ، بهذه النتيجة أن ، بشكل موارب ، فإنها تقوم بإعادة الشرعية إلى دراساتنا القديمة دون العمل على تغييرها كثيرا ، خلافا لما كانت تدعيه .
في الوقت الراهن ، بكل بساطة أن ياوس Jauss) ( يدعو أفق انتظار ما كان آيزر يدعوه ذخيرة : مجموع الأعراف التي تكون كفاية قارئ ( أو فئة من القراء ) في لحظة معينة ، نسق معايير تعرّف جيلا تاريخيا .
الجنس [الأدبي] بوصفه نموذجا للقراءة
من بين العناصر الستة التي أبقيت عليها بغية وصف الأدب نظريا ، من أجل تعريف مشكلة المسلمات التي نصوغها بصورة متبادلة لصالح موضوعه كلما تحدثنا عن نص ما ، فإن الجنس الأدبي لا يظهر . وبالرغم من ذلك ، فإن نظرية الأجناس تعتبر فرعا متطورا جدا من الدراسات الأدبية ، وهو علاوة على ذلك من بين الفروع التي تتمتع بثقة كبيرة . يمنح الجنس نفسه باعتباره مبدأ أكثر بداهة للتعميم ، بين الأعمال الفردية وكليات الأدب ، ثم إن شعرية أرسطو هي مشروع لنظرية الأجناس الأدبية . كما أن غيابها ضمن فصول هذا الكتاب بإمكانه أن يربك ذلك . إلا أن الجنس لا يشكل جزءا من الأسئلة الأساسية التي لا مفر منها ، المباشرة ـ ” من يتكلم ؟ عماذا يتكلم ؟ إلى من يتكلم ؟ ” ـ ، يتأرجح بين النظرية الأدبية والمنطق السليم ، فإذا كان يشكل جزءا من ذلك ، فهو خاضع لسؤال أولي آخر . وهكذا فإن ثمة موضعين على الأقل حيث سيتعلق الأمر بسؤال عن الجنس الأدبي في هذا الكتاب : في الفصل الموالي ، وبخصوص الأسلوب ، لأن الأصل التاريخي لمفهوم الأسلوب هو مفهوم نوع الخطاب genus dicendi) ( ـ مشروع ابتدائي لتصنيف أجناسي لمبدإ الإثلاث الكلاسيكي للأساليب ( بسيط ، متوسط ورفيع ) ـ ، وخصوصا فيما يتعلق بالقارئ ، هنا كنموذج للتلقي ، عنصر للذخيرة أو أفق الانتظار .
إن الجنس الأدبي كصنافة taxinomie) ( يسوغ للمحترف تصنيف الأعمال ، إلا أن ملاءمته النظرية ليست كهذه : وهو الانشغال مثل مخطط للتلقي ، كفاية قارئ ، مؤكدة و / أو معترض عليها من قبل أي نص جديد ضمن سيرورة ديناميكية . إن معاينة هذه القرابة بين الجنس والتلقي تستدعي تصحيح الرؤية الاصطلاحية التي امتلكها الفرد عن الجنس ، كبنية سيصبح النص تحققا لها ، مثل لسان ضمني للنص الذي يعتبر مثل قول . وبالفعل ، فبالنسبة للنظريات التي تتبنى وجهة نظر القارئ ، فالنص ذاته هو من يتم إدراكه مثل لسان langue) ( ( تقسيم ، برنامج ) ، بالتعارض مع تجسيده في القراءة ، منظورا إليها كقول . فحتى عندما يقدم منظر للأجناس ، برونتيير Brunetière) ( على سبيل المثال ، الذي لاقى انتقادا شديدا اللهجة بسبب ذلك ، علاقة الجنس والعمل على نموذج زوج النوع والفرد ، فإن تحليلاته تبرز تبنيه ، في واقع الأمر ، وجهة نظر التلقي التاريخي في هذا الصدد . لقد تم الزعم بأنه كان يؤمن بثبات الأجناس بعيدا عن الأعمال ، تحت ذريعة تصريحه : ” شأنها في ذلك شأن كل موضوعات هذا العالم ، فإنها تولد من أجل أن تموت ” ( برونتيير ، 1879 ، ص 454 ) . إلا أنها صورة حية . وباعتباره ناقدا ، فهو يتبنى على الدوام وجهة نظر القراءة ، ثم إن الجنس في تحليلاته يمتلك دور وساطة بين العمل والجمهور ـ بما فيه المؤلف ـ ، مثل أفق الانتظار . على خلاف ذلك ، يعتبر الجنس أفقا لفقدان التوازن ، للانزياح الذي ينتجه أي عمل عظيم جديد : ” يفسر نفسه بنفسه مثلما يُفسر من خلال ما يحيط به يتم تفسير عمل أدبي بتلك الأعمال التي تقدمته أو لحقت به ” ، صرح برونتيير في مقالته ” نقد ” الموسوعة الكبرى ( برونتيير ، 1892 ، ص B418 ) . بناء عليه ، فإن برونتيير كان يعارض التطور الأجناسي بوصفه تاريخا للتلقي بالخطابة ( تفسير العمل بنفسه ) وبالتاريخ الأدبي ( يفسر بواسطة بيئته ) . وهكذا فإن الجنس الذي يتم تقويمه يعتبر مقولة شرعية للتلقي .
إن التجسيد الذي تنجزه كل قراءة لا ينفصل عن الإكراهات الأجناسية ، بمعنى أن التقاليد التاريخية التي تخص الجنس الأدبي الذي يقترحه القارئ الذي ينتمي النص إليه [ الجنس] ، تسمح له بانتخاب وتحديد المصادر التي يتيحها النص عبر تلك المصادر التي ستحينها قراءته . إن الجنس الأدبي ، بوصفه سننا code) ( أدبيا ، مجموعة معايير ، قواعد اللعبة ، يخبر القارئ حول الطريقة التي ينبغي عليه من خلالها مقاربة النص ، وبالتالي فإنه يضمن فهمه . وبهذا المعنى ، فإن نموذج أي نظرية للأجناس يظل هو التقسيم الثلاثي الكلاسيكي للأساليب . ميز إنغاردن بين ثلاث صيغ ـ سامية ، تراجيدية ومنحطة ـ ، والتي كانت تشكل في تصوره الذخيرة الأساسية للقراءة . وبدوره أقر فراي Frye) ( في الرواية العاطفية ، الأهجوة والتاريخ بثلاثة أجناس أولية ، بحسب ما إذا كان العالم التخييلي ممثلا على أنه الأفضل ، أسوأ من العالم الواقعي ، أو معادل له . لقد تم نصب هذين الثالوثين على قطبية التراجيديا والكوميديا ، التي شكلت ، منذ أرسطو ، الصيغة الأولية لأي تمييز أجناسي ، مثل توقع يقوم به القارئ وإحكام توظيفه في النص . وبالتالي فإن استثيقا التلقي ، لكن ثمة ما يجعلها أكثر اصطلاحا في تصور منتقديها الأكثر جذرية ، سوف لن تكون شيئا آخر سوى آخر تحول لتفكير غاية في القدم حول الأجناس الأدبية .
القراءة الحرة
ظل القارئ الضمني لآيزر حلا وسطا بين المنطق السليم والنظرية الأدبية ، كما أن نصوصها المثالية تتموقع هي ذاتها في منتصف الطريق بين الواقعية والطليعة . مشككة في إمبراطورية القارئ الضمني كأنا آخر للمؤلف الضمني ، وبالتالي فهو مخلوق من ابتكار المؤلف ، وأكثر من ذلك مخلصة على الدوام القارئ الواقعي من القيود المرتبطة باندراجه في النص ، وبالتالي فإن نظريات القراءة أصبحت جذرية تبعا لمرحلتين متتاليتين ومتناقضتين . فبعدما منحت القارئ كامل حريتها ، قامت فعلا باستعادتها ، كما لو أن تلك الحرية كانت وهما مثاليا وإنسانيا التي كان يتوجب التخلص منها . لقد تم في بادئ الأمر العثور تماما على الدلالة الأدبية في تجربة القارئ ، وفي تناقض ، أو لا شيء من ذلك على الإطلاق ، من جانب النص . من جانب النص . بعد ذلك فإن ثنائية النص والقارئ قد تم الاعتراض عليها ، وكذلك فقد تم دمج مصطلحيها في المفهوم الشامل ل” الجماعة التأويلية ” ، عاملة على تعيين الأنساق ومؤسسات النفوذ منتجة في الوقت نفسه نصوصا وقراء . ومجمل القول أن القارئ خطا خطوة بعيدة عن النص ، قبل ألا يندثر كلاهما أمام كيان سوف لن يكون لبعضهما البعض وجودا بدونه ، والذي ينبثقان عنه بشكل مواز . إن الإيمان باختلافهما واستقلالهما النسبي لهذا أو لذاك ، سوف يكون شيئا مبالغا فيه بالنسبة لنظرية تزداد سلبية .
لوحظ لدى خصوم الوهم المتعمد والوهم المرجعي ، نفس هذا التطرف والتشكيك في أي موقف عقلاني بهدف بلوغ موقف ” يتعذر تزويره ” في الأخير ، لأنه موقف لا يُطاق . إن تقلبات الناقد الأمريكي ستانلي فيش هي التي تستفيض في شرح هذه الجذرية ذات التدمير الذاتي للنظرية الأدبية . لقد شرع فيش متعقبا في ذلك بوث Booth) ( ، في الهجوم على النص باعتباره موضوعا مستقلا ، فضائيا وشكليا ، على الرغم من أنه لا يوجد إلا عبر تجربة زمنية . شأنه في ذلك شأن آيزر وياوس ، قام فيش بالتنديد بوهم الموضوعية واستقلالية النص . إلا أنه وهو يبتعد عن زملائه ، محطما الحواجز التي كانت تحدق بالقارئ ، أو دلائل العمل التي كان يتزود بها ، فقد توصل إلى حد المطالبة بحق القراءة في ذاتية واحتمال تامين . وهكذا قام بإزاحة الدلالة ذاتها فيما يتعلق بالقارئ ، بإعادة تعريف الأدب ، ليس باعتباره موضوعا ، ولو أنه كان افتراضيا ، لكن مثل ” ما يحدث أثناء قراءتنا ” . مشددا على زمنية الفهم ، كان الدرس الأدبي الجديد الذي كان يسعى إلى تشييده ، تحت اسم ” أسلوبية عاطفية ” ، يطمح إلى أن ” يكون تحليلا للاستجابة المتدرجة للقارئ للكلمات التي تتعاقب في الزمن ” ( فيش ، ص 27 ) .
ومع ذلك ، فإن هذا الموقف جعله يغالي في الاعتراف على وجه السرعة بالنزعة القصدية القديمة . ملحا على القراءة بوصفها تجربة أدبية جوهرية يمكن فعلا إدراكها في اتجاهين ،وكليهما متهمين بنزعة قصدية . فإما أن هذه القراءة يتم النظر إليها كنتيجة لنية المؤلف الذي قام ببرمجتها ، وفي هذه الحالة فإن نفوذ القارئ يصبح مفتعلا : إنه كما لوحظ ذلك في غالب الأحيان الاعتراض الذي يوجه إلى آيزر . وإما أن هذه القراءة يتم وصفها مثل تأثير لانفعالية القارئ ، وفي هذه الحالة فإن هذا الأخير ، يظل منزويا على نفسه في أنانته solipsisme) ( و ما تم فعله هو استبدال مقصديته بمقصدية المؤلف : إنها المؤاخذة التي تم توجيهها أحيانا إلى إيكو والمناصرين الآخرين للنص الافتراضي ، والدعوة إلى مصطلح ثالث بين مقصدية المؤلف ومقصدية القارئ ، مقصدية العمل ، أقول ذلك ، بكل وضوح ، استدعاء سفسطة لن تحل المعضلة إطلاقا . ومن أجل إلغاء فُضلة النزعة المقصدية المتسترة في الدفاع عن القارئ ، تجنب السقوط في ما كان النقد الجديد يسميه ” وهما عاطفيا ” ، من المخجل أيضا أن ال” وهم القصدي ” و ال” وهم المرجعي ” ، أنه بعدما استبدل فيش سلطة القارئ بسلطة المؤلف وإلى سلطة النص ، فقد ارتأى أنه من الأصوب اختزال الثلاث كلها في سلطة ” الجماعات التأويلية ” . يتجه كتابه الذي يعود إلى سنة 1980 ، هل ثمة نص في هذه الفئة ؟ ، وهو مجموعة مقالات تنتمي إلى العشرية السابقة ، إلى هذا الموقف الجذري كما يوضح من خلال حركته العدمية سمو وانحطاط نظرية التلقي : بعد منح النفوذ للقارئ والتشكيك في موضوعية النص ، ثم الإقرار بالسيادة التامة للقارئ وإسناد مبدإ أسلوبية عاطفية ، إنها ثنائية النص والقارئ ذاتها التي تم الطعن فيها ، ومن ثم إمكانية تفاعلهما . إن الأطروحة النهائية ـ الشاملة ، المسلم بها ـ تمسرح فعلا خلاصات الهرمينوطيقا ما بعد الهايدغيرية عاملة على عزل القارئ ضمن أحكامه المسبقة . يعتبر هنا كل من النص والقارئ حبيسي الجماعة التأويلية التي ينتميان إليها ، فحتى أن تسمية ” حبيسين ” لن تمنحهما هوية إضافية .
يبرر فيش الاستبعاد المتزامن للمؤلف ، للنص والقارئ بهذه العبارات :
إن المقصديةوالفهم هما جانبان لنفس العمل الاتفاقي ، كل واحد يفترض ( يشمل ، يعرف ، يخصص ) الآخر . إن رسم صورة للقارئ المطلع أو القدير ، هو في نفس الوقت ، تمييز مقصدية المؤلف ، والعكس صحيح ، لأن فعل أحدهما أو الآخر ، يعني تحديد الشروط المعاصرة للتلفظ ، تمييز ، بالتحول إلى عضو في ذلك ، جماعة أولئك الذين يقتسمون نفس الاستراتيجيات التأويلية ( نفس المرجع ، ص 161 ) .
لاحظ فيش بدقة أن ” القارئ المطلع أو الكفء ” لا يعتبر أبدا ، بالنسبة لمعظم منظري القراءة ، مجرد اسم آخر ، أقل إزعاجا ، أكثر مقبولية ، لمقصدية المؤلف . إن استبدال القارئ بالمؤلف ، والفهم بالمقصدية ، أو الأسلوبية العاطفية بالتاريخ الأدبي التقليدي ، ينجم عنه حفظ الجماعة المثالية للكُتّاب . إنه يعمل إذن على تأبيد تصور رومنسي أو فيكتوري للأدب ، بافتراض قارئ كفء يكون قادرا على التعرف على استراتيجيات النص .
إن برهان التواطؤ السري ـ تبعا لفيش ـ لنظريات التلقي الأكثر تعقيدا مع الهرمينوطيقا الفيلولوجية العتيقة يكمن في أن صعوبات القراءة تستمر في التواجد كما لو أنه كان ينبغي إيجاد حل لها ، وليس فقط اختبارها من قبل القارئ . إلا أن تلك الصعوبات ليست وقائع مستقلة ( سابقة على القراءة ومستقلة عنها ) ، بل هي ظواهر تنجم عن أعمالنا في القراءة وعن استراتجياتنا التأويلية . يرفض فيش تصديق ابتذال الأسبقية المتبادلة للفرضية والملاحظة ، المكمل للكل والجزء ، والذي يستمر في تأييد التأويليات الحديثة . وبالنظر إلى أن القارئ دائما ما يشرع بواسطة تأويل ، فلا وجود لنص سابق الوجود يستطيع مراقبة إجابته : إن النصوص هي القراءات التي نقوم بها ؛ إننا نكتب القصائد الشعرية التي نقرؤها . وهكذا ، فإن الشكلانية ونظرية التلقي لن يكون بوسعهما سوى الحفاظ على ذات الوضع المتردد أمام الأدب مثل الوضعية والنزعة القصدية ، تحت تسميات أخرى جديرة بالاحترام . إلا أن
شكل تجربة القارئ ، الوحدات الشكلية ، وبنية المقصدية تعتبر شيئا واحدا ، إنها تتمظهر بشكل متزامن ، ثم إن مسألة الأولوية والاستقلال لا يتم طرحهما . إنها مسألة أخرى تطرح نفسها : من يحدثها ؟ وبعبارة أخرى ، فإذا كانت المقصدية ، الشكل ، وتجربة القارئ تعتبر صيغا مختلفة في الإحالة على ( وجهات نظر مختلفة حول ) نفس العمل التأويلي ، ما الذي يجعل هذا العمل عملا تأويليا ( نفس المرجع ، ص 165 ) ؟
يدعي الشكلانيون أن بعض الحوافز ( بنيات ) يسهل بلوغها بصرف النظر عن ، وسابقة على ، التأويل ، إلا أن تلك الحوافز تختلف طبقا للإجراءات التي تميط اللثام عنها : إنها مكونة بواسطة الفعل التأويلي الذي يراقبها . كل تدرج في البنية يربط المؤلف ، النص والقارئ يكون في النهاية مفككا ، ثم إن هذا الثالوث يندمج في تزامن . مقصدية ، صيغة وتلق هي أسماء ثلاثة لنفس الشيء ؛ لهذا السبب ينبغي عليهاأن تفهم في إطار السلطة العليا للجماعة التي تمت إليها بصلة :
ليست الدلالات في ملكية لا النصوص الثابتة والراسخة ، ولا القراء الأحرار والمستقلين ، بل في ملكية تعود للجماعات التأويلية المسؤولة في نفس الوقت عن أنشطة القراء والنصوص التي تنجبها هذه الأنشطة ( نفس المرجع ، ص 322 ) .
إن تلك الجماعات التأويلية ، والتي على شاكلة ذخيرة آيزر أو أفق انتظار ياوس ، هي مجموعات معايير للتأويل ، أدبية وخارج أدبية ، تتقاسمها جماعة ما : أعراف ، سننcode) ( ، إيديولوجيا ، إذا شاء المرء قول ذلك . على أنه على خلاف الذخيرة وأفق الانتظار ، فإن الجماعة التأويلية لا تدع أدنى استقلال للقارئ ، أو بشكل أدق للقراءة ، ولا للنص الذي ينتج عن القراءة : فمع لعبة المعيار والانزياح ، فإن أي ذاتية يتم إبطالها من الآن فصاعدا .
ففي الجماعات التأويلية ، يتم تدمير الشكلانية ، كذلك فإن نظرية التلقي بوصفها مشروعا بديلا : فلا وجود لأي معضلة بين المناصرين للنص والمدافعين عن القارئ ، بما أن هذين المفهومين لا يتم إدراكهما باعتبارهما منافسين ومستقلين نسبيا ( نفس المرجع ، ص 14 ) . إن التمييز بين الذات والموضوع ، الملاذ الأخير للمثالية ، لا يعتبر ملائما ، أو أنه تم إبعاده ، بما أن النص والقارئ ينصهران في الأنساق الخطابية ، التي لا تعكس الواقع ، إلا أنها مسؤولة عن الواقع ، ومنها واقع النصوص والقراء . إن القارئ هو نص آخر ، مثلما سبق لبارت Barthes) ( الإشارة إلى ذلك في بعض المناسبات ، إلا أن المنطق خطا خطوة إلى الأمام ، و أن ما نزال نسميه أدبا ، محميا بدون أدنى شك من قبل بقايا النزعة الإنسانية ، وبالرغم من خيبات الأمل النظرية ، فإن ثمة معنى تفرد لنصوص ، مؤلفين ولقراء ، ما عاد يصمد أمامها . ومن أجل إيجاد حل للمفارقات التي يطرحها إقحام القارئ في الدراسات الأدبية ، فقد كان يكفي إبطال الأدب . علاوة على ذلك ، لم يكن أي تعريف لهذا الأخير مرضيا بما فيه الكفاية ، فلماذا لا يتم تبني هذا الحل النهائي ؟
بعدَ القارئ
يعتبر المصير الذي عرفه القارئ في نظرية الأدب مصيرا نموذجيا . فلطالما تجاهلته الفيلولوجيا ، ثم من خلال النقد الجديد ، الشكلانية والبنيوية ، فقد أُبقي عليه بعيدا كمزعج باسم ال” وهم العاطفي ” ، وعمل القارئ ، عبر عودته إلى المشهد الأدبي إلى جانب المؤلف والنص ( أو ما بين ، ضد المؤلف والنص ) ، على تحطيم مجابهتهما و تهشيم خيارهما الذي أصبح عقيما . إلا أن النهوض بالقارئ قد فتح مسألة تستعصي على الحل في إطار المنطق الثنائي الأثير لدى الأدباء : مسألة حريته التي توجد تحت المراقبة ، مسألة نفوذه النسبي أمام منافسيه . بعد أن ساعد الاهتمام بالنص في الاعتراض على استقلالية وتفوق المؤلف ، فإن أخذ القراءة بعين الاعتبار قد زعزع انغلاق النص واستقلاليته . مثل مساءلة ال” وهم القصدي ” وال” وهم المرجعي ” ، الإصرار على القراءة ، عاملا على زعزعة الوهم النصي الجديد الذي ، كان ينزع ، مع تطورات الشكلانية ، إلى أن يحل محل ال” وهم العاطفي ” ، له فضيلة نقدية في الدراسات الأدبية . عديدة هي الأعمال التي تشهد على ذلك ، مستوحاة من الظاهراتية أو استثيقا التلقي ، وأخذا بعين الاعتبار القراءة إلى جانب العناصر الأدبية الأخرى . لكن ، وبمجرد حلولهم في المكان ، يبدو الأمر كما لو أن مناصري القارئ كانوا يرغبون بدورهم في إقصاء منافسيهم . يتضح أنه من الصعوبة بمكان انفلات المؤلف والنص ـ وفي الأخير القارئ ذاته ـ من اشتراطات منظري التلقي . طريقة لا رجعة فيها لإيقاف الاعتراضات ، وهو إقصاؤها نظريا . إن التمييز بين المؤلف ، النص والقارئ قد أصبح هشا ، لدى إيكو أو لدى بارت ، إلى أن قام فيش ، ببراعة ، بالطعن في الثلاثة دفعة واحدة . إذ إن أسبقية القارئ تطرح العديد من المشاكل كمشكلة المؤلف أو مشكلة النص في السابق ، ثم إنها تفضي به إلى الفقدان . يبدو أنه يستحيل على النظرية الحفاظ على التوازن بين عناصر الأدب . كما لو أن اختبار الممارسة لم يكن يفرض نفسه كثيرا ، فغالبا ما كان يبدو التطرف النظري هروبا إلى الأمام ، لتحاشي الصعوبات ، التي ـ كما أشار فيش إلى ذلك ـ لا تدين بوجودها إلا لل” جماعة التأويلية ” التي عملت على إبرازها . وهذا هو السبب في أن النظرية تفكر أحيانا في المعرفة الروحية gnose) ( ، في علم سام منفصل عن أي موضوع تجريبي .
أيضا ، فمن بين الأطروحتين القطبيتين اللتين تتوفران بالنسبة إليها على بعض التماسك النظري ، إلا أنهما أطروحتان متطرفتان يستحيل الدفاع عنهما ـ تسمح سلطة المؤلف أو النص بتشييد خطاب موضوعي ( وضعاني أو شكلاني ) حول الأدب ، كما تسمح سلطة القارئ بتشييد خطاب ذاتي ـ ، فإن كل المواقف التي تقف موقفا وسطا تبدو هشة كما أنه يصعب الدفاع عنها . من السهولة بمكان إقامة الحجة لصالح المذاهب المفرطة في الغلو و ، في نهاية المطاف ، فإننا لا نتوقف عن الإحالة على خيار لانسون Lanson) ( وبروست . على أننا ، عمليا ، نحيا ( ونقرأ ) ضمن الخيارين معا . إن تجربة القراءة ، شأنها في ذلك شأن أي تجربة إنسانية ، تعتبر حتما تجربة مضاعفة ، ملتبسة ، ممزقة : فبين الفهم والعشق ، بين الفيلولوجيا والاستعارة ، بين الحرية والإكراه ، بين التركيز على الآخر والانهمام بالذات ؛ فإن هذا الموقف الوسط يثير اشمئزاز المنظرين الحقيقييين للأدب . على أنه ، كما قال مونتاني Montaigne) ( في كتاب ” دفاعا عن رايمون سيبون (Raimond Sebond) ” : ” إنها لمجازفة كبيرة أن تفقد نفسك بدلا من فقدان نفس أخرى . “
ــ
مصدر النص : “القارئ ” الفصل الرابع من كتاب : أنطوان كومبانيون Antoine Compagnon) ( الذي يحمل عنوان : شيطان النظرية الأدب والذوق السليم .(Le démon de la théorie Littérature et sens commun) دور نشر سوي 1998 .
أنطوان كومبانيون : ولد في شهر يوليوز 1950 ببروكسيل ، وهو كاتب وناقد أدبي فرنسي . زاول وظائف متعددة منها التدريس وكتابة الرواية والنقد الأدبي . التحق بالكوليج دو فرانس من 2006 إلى 2021 . من أعماله : الحياة خلفنا ، نهايات الأدب
صيف مع مونتاني
صيف مع بودبلير
المناهضون للحداثة من جوزيف دي ميستر إلى رولان بارت .





