المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

المرحوم حسن السنوسي في روح الياسمين وصرخة التحدي 

 الأستاذ الطيب ولد العروسي

زارني المرحوم حسن السوسي في مكتبي، وأهداني ديوانه «روح الياسمين”، بتاريخ 18 جوليت 2019. وقد صدر الديوان، عن سيلكي أخوين بطنجة، ويقع 157 صفحة ويحتوي 17 قصيدة مع إهداء يقول فيه: “إلى زوجتي رقية، إلى أبنائي سميح، سلمى، شادي ونزار الذين تحمّلوا الغربة عن الوطن وغربتي الخاصة، في الزمان والمكان، أهدي هذه المجموعة من النصوص. يواصل قائلا: لكم حبي، وإليكم اعتذاري عن كل ما تسببت فيه من معاناة إضافية لكم، حقيقة، ولو دون قصد”، هذا فضلا على تقديم الكتاب من قبل الأستاذ عبد العزيز أمزيان.

وتعكس قصائد هذا الديوان ” روح الياسمين” آهات وآمال وخيبات جيل حلم بتغيير، أو تصحيح، الأوضاع العربية، مقدّما سنوات شبابه، حالما ومغامرا ومتحديا جبروت النظم العربية البالية. وقد وجد أبناء هذا الجيل أنفسهم بين النفي في سجون بلدانهم، وبين الرحيل عبر مدن العالم. وكان من ضمنهم الصديق حسن السوسي الذي عرف أوجاع السجن وهموم الغربة ومعاناة التنقل، وهو يعترف بذلك في إهدائه لأسرته، والذي يلخص بشكل أو آخر أعياء وعنت تلك الاختيارات التي كانت أيضا صعبة على أولاده.

فـ”روح الياسمين” هو، حسب علمي، الديوان الوحيد الذي تركه الكاتب والمحلل السياسي والمفكر والصحفي، والتي تتراوح كتابة قصائده ما بين 1981 في الزنزانة رقم 12، والسجن المدني بتاريخ 24 ديسمبر 1981، وسجن الخميسات عام 1982، وبين لندن التي ألف فيها العديد من القصائد، خاصة في عام 2019، كما يتضمن الديوان قصائد لم يثبت فيها مكان كتابتها.

نعم، ذاق حسن السوسي مرارة وعذاب السجون، وانعكاساتها النفسية عليه، حيث يقول:

لا مجنون سواي

ليلى تقفو أثر العشق

توقد جذوته

في الأعماق

أقرأ اللاحروف المنقوشة

على شغاف قلب الذكرى

وهنا يتطرق الشاعر إلى ألام وذكريات لا يمكن نسيانها، والتي ظلّت راسخة في كينونة الشاعر، إذ لا يمكنه التخلص من ماضية طالما أنه حيا، وأن تلك الذكريات “توقد جذوتها في أعماقه” تعيش معه عميقا، وتنام وتصحى في ظل الواقع العربي القاتم. نعم، لقد أدرج المرحوم آمال وعنفوان جيل لم يعرف النفاق. وبالتالي، فإنّ هذا الديوان هو عبارة عن صرخة تحررها النفس بشدة وقوة الكتابة والذكريات، وهو يتجاوز الأزمات، ويتوق إلى فعل ورائحة الياسمين، وبالتالي معانقة الطموح والأمل. حيث يؤكد الأستاذ عبد الرحمن أمزيان مقدّم الديوان قائلا: “” الأمل المحفور في تجاعيد الوجدان، كملاك يسكن فصول الحياة ، ويلف حدائق الكون في روح الشاعر ، ومشاهد مدهوسة بنور ساطع ، وعشب وامض خفاق كأزل الأحلام الوفيرة التي لها شكل الياسمين ، وأنفاس السفر في الحنين ، وعطر الغربة ، ولون الصباح ، هي – ترغب أبدا – في الانفلات من قبضة العقم ، والتحرر من قيود الضيق ، وبطش الموت ، إلى سماء الأفق البعيد والضوء الممتد إلى نهاية المطاف الرحب … …” .

وحينما أهداني المرحوم نسخة من هذا الديوان، اشتكى لي من بعض أتعابه الصحية، وأعلمني بأنّه قرر الالتحاق بباريس، تاركا لندن، لأنه لم يعد له عملا فيها، خاصة بعد إغلاق القناة التي كان يشتغل فيها. كما حدّثني على مشاريع كتابية، وكان كعادته يتكلم بصوت خافت. وبعدها التقينا عدة مرات، ومع الكوفيد عانينا مرارة الحجز. وقد اتصل بي ذات يوم الصديق بسام الكردي ليقول لي صديقنا حسن السوسي وافته المنية، وذلك بعد ان التقى بكثير من أصدقائه في الرباط ومدن أخرى، وكأنه كان يودّعهم. يقول الأستاذ عمر الطيبي في أربعينيته “…ظل في تقديري، وما يزال، من نوع الرجال الذين يقال عن الفرد منهم أنه كان “نسيجا وحده”، بل أرى حسن السوسي كان دليل مرحلة ورمز جيل، هو جيلنا بالذات”.

لقد ترك الكثير من الكتابات والدراسات والمقالات، وله العديد من التسجيلات على اليوتيوب، رحمه الله رحمة واسعة.

تجدر الإشارة إلى أنّنا حينما نتمعّن في كلمات الإهداء، نلمس نوعا من التوديع لأسرته ولأولاده، ونوعا من الاعتذار، لأنه كان يعيش غربتين غربة الوطن وغربة البعد عن الأسرة.

مجت الذكرى

طعم الغربة

فكان اللقاء

الحضور

في الزمان 

والمكان

في أفق

الأفق البعيد.

نم قرير العين أيها الصديق العزيز لأنك في الأفق البعيد، البعيد.