المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

المسألة الإيكولوجية *

 جورج كونغيلام
​​​​​​​ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

​​​​​​​ 

“تستحقّ الإيكولوجيا ما هو أفضل من الحماس الإيديولوجي، الذي ليس هو، بالمناسبة، سوى أثرا سطحيا لحساسية جماعية تجاه مسألة، مجال صياغتها في الأصل هو الفكر الفلسفي”.
“يعلّمنا الإيكولوجيون لماذا يكون مستقبل الإنسان في خطر  ولكن اتخاذ القرار بشأن مستقبله، يعود للإنسان لا للإيكولوجي”(ج. كانغيلام)

“المسألة (الإيكولوجية) هي مسألة العلاقة الأصلية للتقنية و الحياة…. يجب أن يتعلّق الأمر إذن في الجملة، تحت مسمّى الإيكولوجيا، بمسألة الموت وبالتالي بالحياة “(ج.ك)

التقنية أو الحياة
لن يتعلّق الأمر مباشرة بمسألة التلوث، بالنفايات وبالفضلات العضوية التي أصبحت مسببة للآفات وكلّ ترسانة المصطلحات التي استولت عليها الصحافة حتى تستجيب لاهتمام جمهور موجّه تحديدا بالصحافة ذاتها.
لنلاحظ من الآن بأنّ التلوّث والنفايات وكل ما شابه تشير إلى ظواهر تدهور نوعي، وآثار عمليات ومسارات تقنية يرتكز عليها ازدهار المجتمعات الصناعية المعاصرة أيّ كان النظام السياسي.
إنّ الانتهاء إلى حالة تدهور نوعي معمّم هو من دون شكّ، حالة عطالة، ولامبالاة يتعذّر التراجع عنها، تثيرها ، مباشرة و بشكل حاسم ، كلمة الموت ذاتها.
يجب أن يتعلّق الأمر إذن في الجملة، تحت مسمّى الإيكولوجيا، بمسألة الموت وبالتالي بالحياة، وذلك حينما ننزع لباس الإيديولوجيا- المبهرج غالبا- الذي يغطّي جملة من الوقائع والفرضيات والنتائج والتوقّعات المجمّعة تقريبا بتناسق ودقّة.
ابتكر أرنست هيكل Ernest Haeckel عبارة إيكولوجيا écologie عام 1866 للإشارة إلى الدراسة العلمية للعلاقات التي تقيمها الأنواع الحيوانية مع الوسط الفيزيائي والبيولوجي ( أنواع حيوانية ونباتية أخرى). ميّز كارل شروتر وإيميل كيرشنر في بداية القرن التاسع عشر، الإيكولوجيا الذاتية l’autoécologie وهي دراسة العلاقات بين الفرد والوسط، عن الإيكولوجيا المتزامنة la synécologie بوصفها دارسة العلاقات بين جماعات أو جمعيات أنظمة عضوية. يمكن أن نقول باختصار أنّ الإيكولوجيا تشير إلى دراسة كميّة ونوعية للسكان الأحياء ، لتوازنهم وتغيّراتهم داخل شروط الحياة الطبيعية .
لابدّ ، في درجة أولى ، من التساؤل كيفت أصبح بحث علميّ عابر للتخصّصات ، في تقارب مع البيولوجيا ، والجغرافيا وعلم المناخ، ضربا من الخطاب الإيديولوجي حول الطبيعة، خطابا ملتبسا وخلافيا ملائما للتوظيف في اتجاهات متباينة:
1- المطالبة الضدّ – تكنوقراطية لليمين ( مدح المؤسّسة الفلاحية أو التجارية ” الصغيرة” ) أو لليسار( مدح السلوك ” المتوحّش”)؛
2- المطالبة الضدّ- تكنولوجية، بدءا بمدح ساذج ، طبيعويnaturaliste ، للمنتجات الفلاحية أو البستانية المسمّاة ” بيولوجية” ، إلى الإشهار للسياحة في مناطق من فرنسا ، متأخّرة اقتصاديا.
لقد نشأ فعلا ، علم أوساط الحياة في القرن 19م ، في عصر مجيء المجتمعات الصناعية الذي غيّر جذريا علاقة البشر ببيئتهم. بينما نستمرّ منذ فرنسيس بيكون في تعريف الفنّ أو التقنية بوصفها” الإنسان مضافا إلى الطبيعة” ، في معنى الجمع بين عبارتين كانتا تحويرا فعليا لطبيعتهما. لكن قد نجانب الصواب لو اعتقدنا أنه كان يجب انتظار المنتصف الثاني للقرن 20م للوعي به. في مقدمتهما لمؤلف حديث الظهور ،” ليس لنا سوى أرض واحدة” كتب روني ديبوس و”باربارا فارد” و أنّه بالمطابقة بين التقدّم وغزو العالم، توصل البشر اليوم إلى النظر إلى ذواتهم ” بشكل متزايد بوصفهم لا سكّانا للأرض بل مالكيها” . بيد أنّه ، وفي 1872 ، كتب كورنو، فيلسوف فرنسي مؤثّر بقدر ما هو غير معروف كفاية :” لقد صعد الإنسان أو نزل( كما يحلو له فهم ذلك) من كونه ملك الخَلْقِ كما كان أو كما اعتقد انه كذلك، إلى وكيل على كوكب”. (1).وكان ، بضرب من ماقبل علمي عبقري فعلا ، ينسب التحوّل الجوهري ” للغاية ومصير صناعة متقنة” إلى الجيولوجيا، أيضا أكثر من نسبتها إلى الميكانيكا والكيمياء. في عصر لم يكن فيه التنقيب والاستغلال للجيوب البترولية قد يجد بعدُ في الاستعمال الطاقي للمحروقات الدّافع الذي صارت أغلب المجتمعات الصناعية اليوم ضحيته بعدما كانت مستفيدة منه. ويضيف كورنو :” كان له (أي الإنسان) أن يستثمر زراعيا مجالا ، وله منجم عليه استغلاله”.( 2) ويمكننا أن نطرح ، باستعارة عبارات من البعض ومن الآخر، مشكلنا على النحو التالي: كيف لمالكي الأرض أن ينسوا أنهم كانوا السكّان إلى حدّ ترك ” الاستثمار الزراعي” ينتكس إلى ” استغلال”؟
لقد طرح هذا المشكل على وجوه أخرى لا نتظاهر بتجاهل كونها تحكم بذاتها بالحلّ، وأكثرها انتشارا هي التي تتمسّك ببعض الكلمات: إلغاء الرأسمالية. وممّا لا يقبل المنازعة أنّ النظام الاقتصادي حيث الأوامر ساعدت، إن لم نقل قد حدّدت ميلاد وتطوّر إجراءات صناعية لإنتاج الخيرات الاستهلالية هو المسئول عن الغائية الراهنة والانتشار الراهن لتقنيات الاستغلال للموارد الطبيعيّة. لكن ما يعترض عليه هو تخيّل ، مثلما تنشره الموضة، أنّ إصلاح الاختلال يتمثّل في أن نعثر من جديد على نظام سابق وقع إلغاءه مع الأسف، نعتقد أنه أكثر ” طبيعية” أو أكثر ” إنسانية” ، لعلاقة الإنسان بالطبيعة. إنّ كل حلّ لمجرد العودة أو الارتداد المريح لا ينبع من اليوتيوبيا ، في محتواها الضروري ، بل من الأسطورة ، في محتواها الخاطئ.
إنّ أولى مكوّنات هذه الأسطورة هو فكرة الطبيعي ذاته بوصفه صفة لعلاقة ممكنة أو واقعية للإنسان بالطبيعة. لقد ساندت فلسفة هيوم في كتابه ” مقالة في الطبيعة الإنسانية “، أن الإنسان هو نوع إبداعي، تتمثّل طبيعته في الممارسات الاصطناعية ، وهو ما لا يعني اعتباطية. وبعده ،عرّف فرانكلن الإنسان بوصفه صانعا للأدوات. وإذا ما اعتبرت الطبيعة ، في نفس العصر، الذي هو عصر الثورة الزراعية الأولى، ترياقا لسموم الحضارة، فيجب أن نرى في هذه الأدغال والأرياف الجديدة، وفي هذا الدفاع والبروز لقرى جديدة، وحقولٍ ومروجَ ، التأسّف الشديد للنماذج القديمة للثقافة ، تجاه التجديدات المُبادر بها والتي وقع اختبارها في انجلترا. حينما تقطع ثقافة النباتات العَلَفِّية العُشْبَ، وحينما يُستبدل التناوب الزراعي بالأراضي البُور، ويسمح بانتشار البذور، عندما تُثير الصناعة الثقافة ( الفوة والبستيل والقنّب) وتربية الأبقار( الصوف والجلد) وتبدو الممارسات الأقلّ دخلا هي الأكثر طبيعية. ومن جهة أخرى، لم يوجد في الحقيقة اليوم أكثر مما كان في القرن 18م ، المهتمّ بعدُ بالنموذج الفلاحي للصينيين ، ولم يوجد في مجال علم الزراعة ، تقابلا بين شرق- غرب يغطّي التقابل بين المتطوّر والطبيعي. وحيثما كان ، فإنّ أهل الريف لا يفلحون الأرض بل الحقول، موضوعا اصطناعيا بمثل المنازل، والقنوات والطرق. ولا يوجد اليوم إطلاقا كما في القرن 18م ، نمط طبيعي لثقافة متعارضة مع كلّ الزراعيين الاقتصاديين المبتكرين لأنظمة الثقافة( 3). وبغض النظر عن الإدماج المعاصر بين تصرف بشري وسلوكات حيوانية، فليس الإنسان بمستقرّ عل أراضيه بوصفه حيوانا في ” ميدانه” . يجب أن نعرف قراءة أثر تقنيات الإنسان على خطوط مشهد، على كونها عفوية الطبيعة. فليس من الاعتباطي اختيار العصر والمثال. فهي اللحظة التي يتضح فيها ويصاغ تصوّر ، عبر النقاشات المتصلة بإيجابيات وسلبيات اجتثاث الغابات و امتداد الأراضي الصالحة للزراعة، لعلاقة التوازن بين المناخ و إدارة مياه الأمطار وخصوبة الأراضي و النبات، التي تكشف عنها النظريات الحالية عن تركيب وقيمة الأنظمة الإيكولوجية( البييئية) écosystèmes . إنها اللحظة التي يظهر فيها مفهوم التعايش الحيوي biocénose, أي مركّب الأنواع الحيوانية والنباتية التي تحيى معا على مساحة معينة في وسط فيزيائيّ معطى. ليس لمفهوم النظام البيئي وجها الغازيا ولا حتّى منفّرا. فالنظام أو النسق، هو بوجه عام، كثرة محدودة من العناصر في علاقة تبعية متبادلة. ففي النظام البيئي تكون العناصر أنواعا بيولوجية، تضع تبعيتها المتبادلة – (الغذاء وحماية الصغار من الحيوانات المفترسة) في موضع نموّ ، والتعويض بواسطة التناسل آثار الوفيات، وربّما الولادة، من خلال تغيّرات وراثية ، لأنواع جديدة أكثر قدرة على مقاومة التغيرات الممكنة لظروف الحياة، وباختصار القادرة على التكيّف.
ولكن هل يمكن أن نحتفظ لمفهوم النظام البيئي بالدلالة التي أضفاها عليه تحديدا علم البيئة أو الإيكولوجياـ أي في الإيكولوجيا الحيوانية- حينما يكون أحد عناصر هذا النظام هو الإنسان؟ هل يكفي للحصول ، عن طريق التعميم، على قوانين من نوع إيكولوجي صالحة للإنسان أيضا، والاستعاضة عن لفظ وسط milieu بلفظ بيئة environnement ، لفظ أكثر تعويما ، مفهوما أكثر اتساعا في الدلالة ، قادر على أن يشمل في معناه منتجات النشاط التقني الأكثر اصطناعية دوما ، مثلما هي المركبات الصناعية ، ووسائل النقل والاتصال ، والتجمعات السكنية؟ سيجد التصّرف الإنساني نفسه إن أمكن، مستنيرا وموجّها متطابقا مع القول المأثور لأوجست كونت :” العلم يؤدّي إلى التنبؤ، والتنبؤ يؤدّي إلى العمل”. لكن علينا أن نرى أنّ فعلا منقادا أكثر لنتائج تنبؤ متبصّر، يستمدّ خضوعه لنظام العالم أكثر منه لوضع هذا النظام موضع تساؤل. ثمّ ألا يكون مثيرا للدهشة أن يتصوّر باحثون لهم تكوين أوليّ في البيولوجيا، وعن طواعية، علاقة إنسان – بيئة homme-environnement وفق نموذج علاقة نظام عضوي – وسط organisme-milieu ، وكون البشر يمثلون جزءا من الطبيعة بنفس ما هو حال الضفادع والبقر وشجر البلوط والقصب؟
ولكن أليس أكثر إثارة للدهشة أن يكون التطابق بين البيئة البشرية والوسط البيولوجي مرفوضا من كلّ أولئك الذين يعتقدون أن العلاقة إنسان- وسط ليست سوى علاقة مباشرة immédiate لنظام العضوي أو نظام طاقاتي énergétique مفتوح ، بشروط خارجية للوقاية. إنّ العلاقة إنسان- وسط هي علاقة مباشرة على عدّة مستويات: أولا توسط عبر الأدوات وتقنيات الاستعمال، ولكن فيما بعد وأيضا ، من حيث أنّ الإنسان ذاته يمكن أن يأخذ الإنسان مأخذ أداة، توسّطا médiation بالنسبة إلى علاقات البشر بعضهم بعضا في إنتاج ما هو مضاف إلى الوسط لتكوين البيئة الإنسانية تحديدا. بحيث يجب على هذا التطابق بين البيئة، كمفهوم سوسيولوجي وتاريخي وبين الوسط كمفهوم بيولوجي – فيزيائي، أن يعتبر خطأ، بل حتى غموضا مقصودا، يخفي، تحت غطاء مظاهر قطيعة توازن بيولوجي، أزمة نظام علاقات اقتصادية للإنتاج.
إنّ إحياء النقاشات، في هذه الأيام الأولى لنوفمبر 1973، و المتعلقة بالتقرير المشهور الذي نشره نادي روما تحت عنوان “أوقفوا النموّ” ؟ ، قد أظهر من جديد تشابكا والتباسا في وجهات النظر إزاء ما تشير إليه عبارة إيكولوجيا الآن من خلط إيديولوجي . يتحرك هذا من الاعتراف بالذنب mea-culpa الليبيرالي إلى الضد- رأسمالية الماركسية الماوية، ومن النزعة الطبيعية التقليدية إلى خصومة الهيبيز، ومن الرومانسية إلى النزعة الجهوية. ونخلط في هذه النقاشات بين النتائج الذرية والأعشاب الطبيّة، والطين الأحمر لمونتيدسون مع مزايا سياحة الدراجة ، وكراهية الأسمدة الكيميائية بالبيداغوجيا غير التوجيهيّة non directive. إن المفهوم الموحّد لهذا الخلط هو من دون شكّ مفهوم “التوحّش” ، مفهوم جامع حينئذ لمزايا معاداة الحياة الطبيعيّة وضد الثقافة في تمظهرات أو تحليلات لا تجعلنا ننسى ملحق رحلة بوقانفيل لديدرو أو الماقبل والمابعد لغوغان.
لأجل ذلك يبدو من الضروريّ التمييز فعلا أوّلا بين يقينيات من طبيعة وأبعاد مختلفة ، والتمييز فيما بعد بين يقينيات وقرائن ، والتمييز أخيرا بين قضايا ذات طابع علميّ وموضوعية مراقبة و أطروحات ذات طابع إيديولوجي، ذات غائية سياسية.
1- من المؤكد أن الإنسان، من حيث هو كائن حيّ، لا يحافظ على حياته إلاّ في محيط حيويّ biosphère، أي نظام دوراتِ تحوُّلٍ لعناصرَ كيميائية تركيبُها يُمثّل المادّة الحيّة . وإذا ما قبلنا تسمية المحيط التقني technosphère مجموع منتجات التقنية التي تمثل بالنسبة إلى إنسان المجتمعات الصناعية، بيئتها الأقرب والأكثر حضورا، فمن اليقينيّ أنّ المحيط التقني مرسوم، بالمعنى الهندسي للكلمة، في المحيط الحيوي. فالاستثناء الظاهر يؤكّد هذا الواقع. ولكي يمتدّ المحيط التقني إلى القمر، وجب على الإنسان إعادة البناء اصطناعيا، عدا الثقالة، لشروط حياته في المحيط الحيوي الأرضي.
2- من اليقينيّ أنّ بناء المحيط الفيزيائيّ كان له اليوم هذا الأثر الظاهر والمخيف، هو إدخال اضطراب على أجواء حياتنا وأجواء حياة أنواع أخرى حيوانية ونباتية ، وإرباك إيقاع إعادة إنشاء عناصر بحسب الدورات البيولوجية، وتعطيل المسارات الطبيعية للإزالة والاسترداد، بفعل الرفض والإهمال لمنتجات مركّبة غير قابلة للتفكيك والتدمير.
3- من اليقينيّ أنّ النموّ المتسارع للحاجات الطاقية في المجتمعات الصناعية ( طاقة غذائية وطاقة محرّكة )، هو ، في النهاية ، غير متلائم مع الحدّ من المصادر العضوية والمعدنية التي وهبها الوجود الأرضي للنوع الإنساني. إنّ العالم البيولوجي منته دائريا . والعلم المعدني هو منته خطّيا. لقد اعترض الإيكولوجيون على التأثيرات الوخيمة لتلوّث المياه وفي المحيطات. و احتفى ميشلي سابقا بالبحر بوصفه مصدرا لبقاء الإنسان واتهم استغلاله العشوائي. (4) هناك مثال آخر ، ماثل أمام الجميع- يوفّر تأثيره في القرار على الصعيد السياسي، هذه الأوقات ، نموذجا لتحرّر ضخم- النفاد المتوقع، لمَدَى قابل للحساب ، للمائدة البترولية ، بمثل نفاد هذه المعادن، التي وهبت اسمها لعصور التاريخ البشري ، منذ العصر الحديدي إلى عصر اليورانيوم.
يكون من السهل هنا، الانزلاق من اليقين إلى التخمين في تدقيق حسابي للمَدَى. هل المدى قصير أم طويل؟ هل هو عام 2000 أم عام 2500؟ إنّ التخمين أكبر أيضا لدى أولئك الذين يعترضون على جبرية النهاية بإثارة إمكانية العثور، بواسطة معالجة الأحجار التي هي إلى حد الآن عديمة القيمة صناعيا ، على مقابل وبدائل لمصادر طاقية أو بلاستيكية في طريق النفاد.
توفّر هذه التخمينات بدل هذه اليقينيات، حججا متناقضة تقدمها التحليلات والخطابات التي يُعبّر فيها عن الاختلافات السياسية أو الإيديولوجية للنموّ الاقتصادي والدفاع عن الطبيعة . ويجب أن نقول بشأن هذه المسائل ، إنه لا يمكن أن يوجد سلوك محايد أو موضوعية وأنّ التلاعب غير المكترث، لغايات اقتصادية وسياسية ، بالاستنتاجات الأقلّ هشاشة للإيكولوجيين، هو واقع لا مجال للاعتراض عليه.
ودون الذهاب بعيدا إلى حدّ الحديث عن ” مؤامرة كبيرة فاشية- إيكولوجية” (5) ، يمكننا الاعتراف بوجود دراسات تخطيط واستشراف في مستوى رفيع من التفهّم ( وبالتالي من المنافسة) بين وحدات اقتصادية كبيرة، بغرض إنعاش الاستهلاك في اتجاه تكلفة أقلّ للتعديلات التجارية والصناعية التي لامناص منها.
إنّ حماية البيئة هو الشرط اللازم للتمكّن من بيع الماء، والهواء والشمس والمناظر والسفرات وما يلحق بها من أدوات. وإذا ما أصبحت البيئة والطبيعة بشكل خفيّ مفاهيم إيكولوجية – رأسمالية، فلا يجب التعجّب من بناء موازي مقابل لمفاهيم إيكولوجية ماركسية. (6)
لكن الإيكولوجيا تستحقّ ما هو أفضل من الحماس الإيديولوجي، الذي ليس هو، بالمناسبة ، سوى أثرا سطحيا لحساسية جماعية تجاه مسألة، مجال صياغتها في الأصل هو الفكر الفلسفي . ويمكن أن نعثر على حجّة مدعّمة في مقدّمة م. رونيه شيرار M. René Scherer التي وهبها لنصوص مختارة لمارتان هيدجر(7) ، والتي تساءل فيها عمّا إذا لم يكن الفيلسوف الألماني ، حينما يقدر بأنّ الإنسان لم يتعلّم بعد ” الإقامة في الكائن”، هو الأوّل الذي بواسطته كان التفكير في أزمة الحضارة التي نسمها بإيكولوجية، بوصفها كذلك. ومن غير شكّ، فإنّ لفظ ” الإقامة”« habiter » في دلالته الهيدجرية هو بعيد عن الدلالة التي ينمحها إياه الإيكولوجيون والجغرافيون، غير أن هذا البعيد ليس نقيضا بالمرّة . أمّا بالنسبة إلينا ، فنقترح قولا أقلّ حماسا في شأن هذه القضيّة.
حينما تستعيد الخطابات الإيديولوجية ، المبحث السخيف للساحر- المتدرّب فليس لها من اهتمام إلاّ بالاقتصاد الذي يهدّده خطر الانقراض بموجب نموّه بالذات، وحينما تعلن الخطابات النقدية للنظام الاقتصادي الرأسمالي والليبيرالي الخبر السارّ عن تطبيع العلاقات بين الإنسان والطبيعة، بوصفه نتيجة للثورة الاشتراكية على صعيد علاقات الإنسان بالإنسان، فإنّ المسألة الحقيقيّة تظلّ مع ذلك غائبة. إنّ هذه المسألة هي مسألة العلاقة الأصلية للتقنية ، وللحياة. والخطاب الليبيرالي و الخطاب المضادّ للخطاب الرأسمالي لا يضعان تصوّرا للتقنية موضع السؤال، التصوّر الموروث من قرن الأنوار، والذي وفقه تكون التقنية هي التطبيق المباشر أو غير المباشر لمكاسب العلم النظرية . يجب علينا ، وفق هذا المنظور، أن نمنح للتقنية إمكانية تقدّم غير محدود ، تقدّما نمنحه للعلم. وحينما يعترض على هذا التفاؤل بالتدهور النوعي لآثار التقدّم التقني ، فإنّ الارتباك يعيق النظرة التي نشعر بها الآن المتمثلة في الالتفات صوب الأصل.
لا يفهم التكنولوجي والتكنوقراطي مثل رجل العلم اليبيرالي لماذا وبواسطة ماذا تحدث الفضيحة ، قبل الاعتقاد في فهم بأنّ مزيدا من التقنية يسمح بالتخفيف من الآثار الضارّة لتقنية أقلّ. أمّا عن النقد الضدّ ليبيرالي، فإنّ ما يضعه موضع السؤال ليس التقنية، المتصلة دوما بنتيجة لا رادّ لها للمعرفة، هي الاستخدام والوجهة التي تفرضها الطبقة الاجتماعية المالكة للسلطة الاقتصادية. وفي النهاية، يبدو لي بأنّ أنصار التوقف عن النموّ سيكونون أكثر مصداقية لو وضعوا بوضوح موضع الشكّ العقيدة التي تقرّ بالتقنية وظيفة إنسانية لاحقة للوظيفة العلمية وناجمة عنها، أي لو كفّوا عن تنزيل توقعاتهم ووصفاتهم في سياق فلسفة اقتصادية ليبيرالية، أي لو أدى إحباطهم إلى تبدّل مبادئهم بدل تحوّل للأهداف.
علينا أن لا نعتبر التقنية كأثر للعلم فحسب- وهي كذلك أيضا ، دون منازعة، في تاريخ المجتمعات المسماة متطوّرة- بل أولا بوصفها ( أي التقنية) واقعة حياتية، حينما توصلت الحياة ، في نموّها، إلى إنتاج حيوان يمارس تأثيره على الوسط بواسطة يده، والأداة واللغة(8). نستغرب قليلا إذن من الحدود التي يجب أن يواجهها ” تكتيك الحياة” عبارة لأوسكار وايلد ، بموجب كونها تجري في العالم النهائي للكائنات الحيّة.
إنّ الخاصية المميزة للأنظمة العضوية، في مقابل البُنَى المعدنية، هي قدرتها على الانتظام الداخلي régulation interne. إنّ مستوى دقّة وتركيب complexité وظائف الانتظام هو قيس الكمال العضوي، بقدر الاستقلالية النسبية عن إكراهات الوسط الخارجي، وبقدر حرية اختيار معينة لظروف حياة يمكن أن تأخذ باعتبارها سمة للكمال. يكون النشاط التقني، في ظلّ هذه العلاقة لصناعة الأدوات ، هو الامتداد المباشر الخارجي للأعضاء الداخلية لانتظام الثوابت العضوية. لا يمكن للّباس والمسكن وإنتاج الطاقة بواسطة إجرائيات تسخين متنوعة ، أن تكون مبتكرة إلاّ من حيوان ثابت الحرارة homéotherme، يكون الثابت الحراري للوسط الداخلي بالنسبة إليه حاجة . إنّ معنى الحاجة لا تنفصل عن معنى الانتظام.
تكمن الصعوبة في فهم لماذا أصبحت التقنية تاريخيا ، بوصفها ملحقا أصليا لانتظام الحياة في علاقة بالحاجات، أداة لاانتظام أو إزالة للإنتظام dérégulation الذي يمثلّ إنذارُ الإيكولوجيين تعبيرا عن وعي به.
يبدو أن التفسير يمكن أن نبحث عنه في الاستعاضة عن الأداة بالآلة. إنّ الأداة هي في حدّ ذاتها اصطناعية لكن أثرها على الشيء الذي تطبق عليه لا يدمّر فيه طبيعته. إنّه يميل على العكس، إلى إثارة ملكيته المخصوصة . لقد جُعلت الآلة لقلب طبيعة الأشياء ، لتصرفنا عنها أوّلا ولتتلفها بعد ذلك.
لقد نشأت تقنية تغيير طبيعة الأشياء أوّلا بواسطة الآلة. واستجاب مثل أعلى جماعي يمكن أن نقول عنه مثلا أعلى للمكننة machination لواقع هيمنة تقنية للمكنة. لأجل ذلك قال هيجل بأنّ العقل قويّ بمثل قوة الحيلة، من حيث أنّه يحصل على غاياته مباشرة بفضل تأثير الأشياء في بعضها بعضا. والخطورة الراهنة التي يكشفها الإيكولوجيون هي أثر هذا المثل الأعلى للمكننة اللامحدودة ربّما أيضا أكثر من إكراهات اقتصاد الربح الرأسمالي.
ذاك هو المبرّر الذي اقترحت بموجبه مسألة الإيكولوجيا في صيغة : التقنية أو الحياة. ويمكن أن يكون الجواب : التقنية و الحياة، إذا ما صحّ أن التقنية هي في الأصل الشكل الإنساني لتنظيم الحياة للمادّة . وبتعبير آخر، يمكن أن يكون الجواب بأنّه تنظيم التقنية على أن نفهم هنا التنظيم l’organisation بمعنى الانتظام régulation . يقول أوجست كونت بأنّنا لا ننظّم في المجتمع سوى السلطات الموجودة من قبل. كيف تنظّم هذه السلطة للاإنتظام dérégulation الدورات البيولوجية التي أصبحت عليه التقنية منذ زمن طويل، بفعل الآلة والأوالية machinisme ؟ يُقترح مباشرة الحلّ ، هو العودة إلى …، الذي اعتقدنا إمكان أن نقول عنه بأنّه حلّ يكشف عن حنين تحت تأثير أسطورة. وهو يأخذ من ناحية أخرى أشكالا متعدّدة:
1- هو حلّ اللاعنف الفردي أو الجماعي ، الذي أعتقد أنّه يجب أن نتفق ، بوضوح ، أنّه يواجه خطر الأنانية والظلم. أنانية من حيث أنّه ( أي هذا الحلّ) ليس قابلا فعلا للتحقّق إلاّ على شكل جزيرات نقاوة ضدّ تكنولوجة îlots de pureté anti-technologique في عالم متروك لتيهه. وظلم ، بموجب جهل من حيث أنّ قسما كبيرا من البشرية لم يصل بعدُ إلى مستوى حياة ، يحصّله بالتقنية ، وانطلاقا منه يمكن أن تُعاش آثار التقنية بوصفها أضرارا. يوجد كثير من ذوي النزعة الطبيعية ، هو أصدقاء للمنتجات المسماة بيولوجية ، والذين يبدو أنهم يجهلون بأنّ الملايين من البشر هم سعداء وقد أنقذتهم تقنيات الفلاحة الصناعية من الفقر والموت.
2- وعلى العكس ، فإنّ الحلّ العنيف والجذريّ المتمثل في كسر الأساس الحالي للتطوّر التقني في الاقتصاد الرأسمالي. هذا الأساس هو ما سماه الاقتصادي الأمريكي قالبرايث Galbraith ” المسار العكسي” ، أي تبعية الاستهلاك للإنتاج ، والإنتاج المستمرّ للحاجات بتضاعف فعلي لموضوعات تلبيتها المثارة.
من الشرعي بالطبع تخيّل قلب المسار العكسي . ثمّ هل يجب التساؤل على نحو آخر غير الحلم بالشروط الفعلية ، المُمَارسة ، للعودة إلى معيار العلاقة إنتاج – استهلاك بقَلْبِ القَلْبِ، بما أنّ الأمر يتعلّق بإتلاف؟ أيّ نجاح سيكون للإتلاف؟ وماذا سيكون ثمنه؟
لا يمكن للإيكولوجيا بما هي كذلك أن تقدّم جوابا، ملائما لإنسان الغد، عن السؤال الذي تطرحه على إنسان اليوم. في ذات الوقت الذي تحسّس بالآثار السلبية بيولوجيا للتقنيات واقتصاد المجتمعات المسماة متقدّمة ، فهي لا تقول لنا شيئا- ولا شيء لها لتقوله- اختيارات ضمنية أو صريحة توجّه سلطات القرار. و لا يمكن للإيديولوجيات السياسية التي تنتصر للإيكولوجيا سوى أن تضرّها بجعلنا نعتقد أنّها تسندها. للإيديولوجيا حقوقها، بالتأكيد . لكن للعلم واجباته. وإذا لم تكن الاختيارات اعتباطية ، فلها متطلباتها. يعلّمنا الإيكولوجيون لماذا يكون مستقبل الإنسان في خطر . ولكن يعود للإنسان ولا للإيكولوجي اتخاذ القرار بشأن مستقبله.
​​​​​​​​جورج كانغيلام ( 1904-1995)

* ظهر هذا المقال في مجلة حوار لمارس 1974 ( ص 37-44) مستعيدا لمحاضرة ألقيت في سترازبورغ سنة 1973. قدّم هذا العرض أثناء أيام دراسية تحت عنوان ” مستقبل الإنسان”.
– هوامش:

1- اعتبارات حول مسار أفكار وأحداث في الأزمنة الحديثة . الكتاب 5 الفصل 6 للثورة الاقتصادية للقرن 21
2 – نفس المصدر
3- انظر فرانسوا دياقونيه في شأن هذه المسائل ” الثورات الخضراء”نشر هارمان 1973.
4- ” سيكون البحر الذي تبدأ معه الحياة على هذا الكوكب هو أيضا النافع المغذّي إذا ما عرف الإنسان فحسب احترام النظام الذي يحكمه وامتنع عن زعزعته”.’ البحر ، الكتب 3 فصل 6 حقّ البحر”).
5- دورية ” المتوحّش” عدد جويلية – اوت 1973.
6- جي بيولا ، الماركسية والبيئة ، نشر اجتماعيات ، 1973.
7- شيرر وكالكال . هيدجر في تجربة المقروء مفكر فيه، سيقار 1973 ص 29-30.
8- أ لاروا – غورهان، الحركة والكلام جزئين نشر ألبان ميشيل 19641965.

*متفقد عام للتربية سابقا (فلسفة)