محمد العنیزي
استدار المفتاح في القفل.. والباب أصدر صریراً خافتاً حین انفتاحھ.. امتد في الظلمة إصبع
لیضغط زر المفتاح الكھربائي.. نظراتھا تصطدم بمحتویات الحجرة.. تسمرت واقفة للحظات
تتأمل الجدران الساكنة.. والأشیاء التي ظلت على حالھا وقد سرت في أوصالھا لفحة من ھواء
مختزن.. الحجرة التي ظلت مغلقة لا یتردد علیھا أحد.. وحده السكون مقیم فیھا.. وإذا كان
ثمة من یزورھا فھو شبح من مات وترك حنیناً وذكرى.. یطل بین الفینة والأخرى من خلال
الھواء بطیفھ الأثیري.. دون أن یمس شیئاً بأصابعھ الشبحیة.
في ثنایا ھذه الحجرة یكمن شيء حبیب إلى نفسھا.. شيء یترسب في قاع الذاكرة.. یختبئ
تحت الوسادة حین یلامس الفراش جسدھا.. ویتحسس مواطن الجرح الغائر في قلبھا..
استغرقتھا لحظات تأمل تتفحص محتویات الحجرة.. الشماعة الخشبیة التي تحضن معطفھ
الأزرق.. الملفات المائلة والمستندة على حافة الكتب فوق أرفف المكتبة.. الساعة الحائطیة
التي توقفت دقاتھا مثلما توقف نبضھ.. الطاولة ذات الأوراق المتناثرة.. ثمة زجاجة من عطر
فرنسي قد استقرت في قاعھا بضع قطرات.. كانت عطره المفضل.. أقراص من الأسبرین..
نفایات من التبغ متبقیة في المنفضة.. وإلى جانبھا نظارتھ الطبیة.. صورة تلتصق بالجدار
تذكرھا بلیلة الزفاف .
كان التغییر الوحید الذي طرأ على الحجرة ھو تراكم ذرات الغبار فوق محتویاتھا.. وتكون
شبكة من خیوط واھنة في زوایا السقف.
وإذ یجرفھا سیل التأمل.. یستوقف نظراتھا المعطف الأزرق المعلق فوق الشماعة الخشبیة.
(في عاصمة الضباب كان المساء شتویاً.. الصقیع یطل بوجھھ على الشوارع المكتظة.. ینفث
فیھا زفیراً بارداً یلفح الوجوه.. ویتسلل إلى العظام كوخز الإبر.. كانت تسیر بمحاذاتھ متأبطة
ذراعھ في طریقھما إلى العیادة.. في واجھات المحلات ملابس رجالیة مختلف أشكالھا..
اقترحت أن تنتقي لھ معطفاً یقیھ برودة الطقس.. في داخل المحل مسحت بنظراتھا الملابس
المعروضة لتختار لھ معطفاً أزرق اللون..
قالت بعد أن احتواه المعطف:
– تبدو أكثر أناقة وأنت ترتدیھ .
– شكراً.. والفضل یعود لذوقك الرائع في انتقائھ
في قاعة الانتظار بالعیادة یتكوم فوق أحد الكراسي.. وھي تجلس بجانبھ.. القلق یشع من عینیھ.. یشرد بذھنھ بعیداً لیصحو على صوت الممرضة ذات الشعر الذھبي المسترسل فوق كتفیھا ..
یتأمل الطبیب نتیجة التحالیل.. یقول بلھجة متفائلة:
– لا شيء یدعو للقلق.. النتیجة مطمئنة جداً.. ھناك أمل كبیر في الإنجاب ..) .
انفجرت شفتاھا بزفرة كبیرة.. فیما نظراتھا معلقة بالمعطف الأزرق.. قالت تخاطب نفسھا:
– ما أقصر الأیام.. تحملنا على كفھا.. تركض مسرعة نحو الفناء .. حیث تتحد ذرات
التراب ببقایا الجسد.. ویعود الطین إلى أصلھ.
امتد إصبع لیضغط زر المفتاح الكھربائي.. والباب أصدر صریراً خافتاً حین انغلاقھ.. استدار
المفتاح في القفل.. فیما ظل المعطف الأزرق فوق الشماعة الخشبیة یلفھ الظلام.
أدیب وقاص من لیبیا


