عهد الحوري
يعالج كتاب (الموت والزمن الذاتي… البحث عن وسائل بحث جديدة)، لمؤلفه الدكتور سامي البدري، قضية من بين أكثر القضايا الفلسفية خطورة وإلحاحاً، إلا وهي قضية الموت ومصادرة فعله لكيان ووجود الانسان بخبطة واحدة وبمنتهى الوحشية.
يتصدى كتاب الموت والزمن الذاتي، عبر فصوله العشرين، لإعادة توجيه الجهد الفلسفي لقضية الموت، باعتبار أن معضلة الموت تمثل الجانب الأكثر إشكالية التي كان يجب أن تدرسها الفلسفة وبكافة مدارسها ومناهجها.
ومن حيث كون الموت يمثل إجابة الطبيعة العمياء على أسئلة الانسان الوجودية، بمصادرة كيانه الذاتي وارادته ووجوده، فإنه عملية اعتداء قمعية ومصادرة لمفاعيل العملية الوجودية التي يمثل الانسان أهم حلقات تمثلها. وهذا ما يمكننا اختصاره بالسؤال التالي: لماذا هذا الوجود مادام هو مهدد بمصادرة بمنتهى العنف والقسوة – فعل الموت – ولأي غرض قام فعل الحياة أو وجود الانسان على الأرض مادام هو مهدد بموت يأتي فجأة ليصادر الانسان وجهده الحياتي وليحيله إلى مجرد جيفة، يجب أن تدفن عميقاً كأي قذارة يجب دفنها؟
بالنسبة للإنسان، ككيان ووجود ذاتي فاعل، يمثل الموت عملية اعتداء همجية ولا تملك مبرراتها، على كيانه الذاتي ووجوده، لأن قناعة الانسان تنطلق من فكرة أن وجوده أساسي وحق من حقوقه الوجودية، وعليه لا يجب أن يصادر بخبطة الموت المهينة، الموت المتداول، كموت أي حشرة أو عظاءة أو كلب سائب.
قناعة الانسان الفكرية والحسية تنطلق من فكرة أنه وجد هنا ليعيش لا ليموت، وعليه فلم يأت الموت ليحيله إلى مجرد جثة، سريعة التفسخ، دون أن يقدم له مبررات مقنعة، على أقل تقدير؟ وهذا يعني، من وجهة نظر الانسان، أن الموت يمثل عملية مصادرة جائرة لزمنه الذاتي، الذي هو في النهاية، دورة وجوده وفعله الحياتي اللذين وجد من أجل تحقيقهما لا من أجل أن يموت، لأن فعل الموت، بصيغته العنيفة المتعسفة التي يعاني منها الانسان، إنما تنفي دواعي الوجود من البداية.. بمعنى، وبصيغة السؤال: ما الداعي لوجود مهدد بأن يخطفه موت مهين ومذل بلا سبب مقنع وفي توقيت لا يختاره الانسان؟
وفي النهاية فإن الكتاب يقترح وسائل وطرق بحث فلسفي جديدة للنظر في هذه الإشكالية ويقترح زوايا نظر عامة وخاصة لجوانب هذه الرؤية وبطريقة معمقة، يخلص في النهاية إلى كونها تمثل الزاوية التي يجب أن يتركز عليها الجهد الفلسفي ككل. ومقترح هذه الأدوات يقوم على فكرة نبذ الثنائية الساذجة التي تعود إلى فجر الفلسفة الاغريقية: ثنائية الجسد والروح التي قسم إليها الانسان، لأن الانسان وحدة متكاملة بوجوده العياني، المنظور والملموس، الذي يعبر عن كينونته ووجوده القائم والذي يعبر عن وجوده ويعرف به، ذاتاً ووجوداً، لأن واقع الحال يقول أن ما يصادره الموت أو يضربه بفعله إنما هو جسد الانسان وليس روحه المفترضة والتي لا ترى ولا تلمس. وإن ما يعبر عن فقدان الانسان، عبر الموت، إنما هو اختفاء جسده المنظور من دورة الحياة، حتى لو بقيت الروح في مكان غير منظور أو غير مدرك ومحسوس. وكما يخلص الكتاب، فإن هذا الكل الموحد المعبر عن وجود الكيان (الذات) الإنساني، لا يقتصر تحليله وتحليل أفكاره وأسئلته عن طريق أداة العقل وحدها، بل يحتاج لمجموعة من أدوات البحث والتحليل، وهي الأدوات التي اقترحناها في الكتاب وسنترك القارئ يتعرف عليها بنفسه عبر صفحات الكتاب.
يبقى أن نقول أن الكتاب هو عبارة عن طروحات لرؤية فلسفية جديدة قائمة بذاتها وتمثل، كما وجدت، فتحاً فلسفياً جديداً، في معالجة أسئلة الوجود عبر قضية الموت، التي مازالت تمثل أعد أشرس أسئلة الفلسفة المستعصية.





