سناء بوناب*
إن التعامل مع لوحة فنية تجمع بين الحرف واللون يختلف تمام الاختلاف عن تعاملنا مع الأثر التشكيلي التقليدي. ومن هنا سنكون أمام أثر فني حافلا بالمعاني والرموز التي لا تستدعي وجود صاحبها ليرشدنا عن دوافع نتاج لوحته، وما علينا سوى استقراء واستنطاق الأثر لتفسير كل ما نراه ونلتمسه.
ونتطلع على اللوحة بخطى واثقة قوية مرتكزة على علم ومعرفة بأصولها وجذورها وذلك باعتمادنا على الإدراك الكلي (Conception) لا الحسي ((Perception، حيث تكون ذاتية صانع هذا الأثر الفني هي أساس إدراكنا.
وها نحن في قلب المعرض الدولي بتونس العاصمة، وتحديدا في مدينة سيدي بوسعيد اصطفت أمامنا العديد من الأعمال الفنية وأهمها كانت أعمال الفنان التشكيلي العراقي مثنى نينوى ونجول بأبصارنا على مختلف لوحاته التي قام برسمها في زمن الكورونا، لنجد أعيننا مثبتة على لوحة “تونس الخضراء”.

وهي لوحة تغلب لب كل من يشاهدها وتطبع أحاسيس متفاوتة من الإعجاب والتعجب والانبهار، حيث يشعر كل من يقف أمامها بأنها تعبر عن الهوية التونسية.
يظهر الأثر الفني أفكاره التي تترجم على شكل مرئي وسمعي إذا ما راعانا أن نكتشف بأن الفنان يقوم بتحويل اللوحة إلى قصيدة فنية. ليتخالط الحرف ويمازج مع آخر في بحر من الألوان الزيتية الحارة والبارة، التي جعلت من اللوحة تعج بالحياة، انطلاقا من تراصف الحروف، وازدحام التشكيل، وإيقاع الكلمات، في هندسة بنائية تضيف إلى التشكيل لونا آخر من ألونه العريقة وعذوبة انحناءاته، ولا سيما أن هذه اللوحة قد ارتبطت بصخب الموسيقى، ومرونة الصورة في ايقاع يخطف الأبصار، وهو كالتالي:
يا تونس الخضراء
يا ناس يا سعداء
زيتونكم دواء
والعطر في الأجواء
والزهر في الأرجاء
يا تونس الخضراء
اللوحة تعبر عن المشاعر والأحاسيس، ولعل التنوع الكبير لأساليب الخط يجعله لغة رحبة وميدانا فسيحا للتعبير. على اعتبار أن الخط الديواني بليونته ورقة حروفه تجعله موسيقيا، والكوفي بهندسته وصلابته أحيانا وزخرفته تجعله لغة معمارية، وخط التعليق هو خط رقيق خفيف بصريا وهو خط الشعر والطيران، وأنواع أخرى تتفرع إلى مائتي نوع. إلا أن الفنان مثنى نينوى اختار اعتماد خط خاص هو من ابتكره رغم ما لديه من دراية بالخطوط، وقد كان اعتماده على هذا النوع من الخط يتميز بالسيولة واللين وليس له حد في التلقائية، يقوم الفنان برسمه بطريقة مبتكرة ليس لها مثيل، وقد أسمى حروفه بالحروف الطائرة.
أثره يتسم بخاصية التنوع، فالمزاوجة واضحة بين مرونة الخط ورقي المضمون ليستمد الحرف مما يحمله من معان روحا جديدة وقوة كامنة تتوالد عنها تركيبات وتكوينات تعكس قدرة الفنان على سبر أغوار الحرف وأسراره انطلاقا من توظيفها ببراعة في إطار تشكيلي يتداخل فيه الايقاع والحركة مع اللون في لوحة بصرية ولونية تعكس شموخ الرشاقة والتآلف فيستشعر المتلقي مع حركة الحرف واتجاهه الدائم نحو الارتقاء.
إن اعتماد الفنان مثنى نينوى على الشعر في لوحاته ليس بالأمر الغريب، فقد قام من قبل برسم أولى لوحاته وكانت لإحدى قصائده وهي قصيدة، ” ضوء القمر” وكتب أبياتها في تشكيل خاص اقترنت بهذه اللوحة وهي كالآتي:
أتسمعين ضوء القمر وترين صوت الشجر
وأنا جالس بقربك على ضفاف ذلك القمر
لا تلتفتي ولا تخافي فأنا الذي بقربك وهكذا هو القدر
أترين تلك النجوم تلك في بحر عشقي التي تحوم
والفضاءات تغمرني والليالي تخفي أقمارها
وأنت جالسة في انتظار لا تلتفي فما حان وقت اللقاء
شهاب حبنا ما بان في السماء فأنا في القاع وأنت في العلياء
لا أستطيع الصعود مكبل أنا بالحدود
غارق أنا بالسدود عاشق أنا بالعهود
اقلبي عين عهدك يرتاح الوجود واجليها نورا حبنا قد يسود
قيدتموهن أنتن بالسواد جملتهن أنتن بالحداد
كم بكينا رغبة في ذاك العزاء وتلمسنا بعشق أكفان نهد النساء
كتفتموهن أنتن بالسواد جملتموهن أنتن بالعناد
فوهات بركانك تشفين العليل فدجلة وفرات ونيل

وما راعانا أن نجده قد قام بتلحين قصيدة أخرى من قصائده الوطنية والتي أسماها ”خلوها أجمل”عن مدينته نينوى المقترنة باسمه وغناها، كذلك قام بإخراجها. وهنا تبرز الشخصية الفنية التي تجعل من يملكها يملك مقاليد الفن بكل ألوانه وهنا نكتشف أن الفنان هو الإنسان الحقيقي وهو الفنان والكاتب والملحن والمخرج …إلخ
فلسفته اقترنت بربط اللوحة بالحرف فمن منا يقول بأن الحرف مستقل عن اللوحة الفنية، في حين قام هذا الفنان بعكس ذلك ليصبح الحرف في علاقة وطيدة باللون، ومن ثم تحولت اللوحات إلى قصائد فصارت كل لوحة عبارة عن قصيدة وبعدها قام بتغيير هذا الاسلوب ليحقق استقلالية اللوحة.
العمل هو نافذة للفنان وللعالم الذي يطل عليه أن يستمتع بالخيال الذي يرسم من خلاله الفنان مثنى نينوى الأشكال التي يريدها، فهو حر من خلال معاملته مع الأشكال والألوان والتقنيات المستخدمة، باعتباره يعتمد في أعماله على عملية تجريدية قائمة على أسلوب الحداثة التي تعبر من الذهن إلى المادة ليحدد الفكرة التي بدورها تتفرع في دلالات بصرية وإيماءات زاخرة تعكس الخطاب الفني الذي يهدف لإنطاق تلك المادة لتعبر عن الواقع بصريا وروحيا وحسيا يتجادل داخليا في تجاذبات الانفعالات الشعورية التي تحاول مداعبة وجدان.
*باحثة دكتوراه في الفنون التشكيلية





