عبد النبي بزاز
يتميز ديوان “لك أن تحيا في دمي” للشاعرة المغربية نبيلة حماني بالعديد من “تيمات” تلتئم في نصوص شعرية حافلة بسيل من صور لا ينضب معينها، ولا يتوقف هديرها وجريانها مما يصعب معه مواكبة زخم تجلياتها، وتحديد معالمها الجمالية، وأنماطها التعبيرية ، وأبعادها الدلالية مما ارتأينا معه مقاربة بعض الصور في سياقها الفني ، وما يتضمنه من مقومات وعناصر إبداعية دون إغفال ما يحفل به الديوان من تنوع وتعدد وعمق على مستوى الموضوعات، والبناء الشعري. فالصور تتوالى، في تجدد وانفتاح، من أولى نصوص المجموعة إلى آخرها، ففي مطلع أول نص “لك أن تحيا في دمي” نقرأ: “كانت الحيرة تدق أوتادها تتأمل احتراقا غشي البذور… يبكي عصافير الروح” ص 7، في تصوير لثبات الحيرة وتجذرها (تدق أوتادها) بتعبير مجازي استعاري ففعل دق الأوتاد كمهمة مادية أنيطت بالحيرة التي هي شعور نفسي يرقى إلى مقام التأمل والتمعن يؤسس لمشهد منزاح عن المألوف لم يصب البذور بل (غشيها)، وما توحي به البذور من دلالات رمزية رهينة بنمو مقترن بوفرة الخصوبة والإنتاج. ويكاد لا يخلو أي نص من صور مشرعة على شتى القراءات لما تزخر به من معاني موحية، وإشارات دالة، كما في قصيدة ” اعترافات”: “أعترف أن الليل بكى بين يدي… أعترف أن الصبر هشم رأسه على صدر الانتظار …” ص 11 بإلصاق صفة البكاء لليل في حضرة الشاعرة (بين يدي)، وخلع فعل التكسير (هشم) على الصدر المقرون بالانتظار (صدر الانتظار)، وما تفتحه هذه الصور من آفاق رحبة للقراءة والتأويل مما يثري شعرية النص، ويوسع دائرة معانيه ودلالاته: “وأنت تدوس تلال وجعي” ص 11، حيث تشيد للوجع تلال تطأها الأقدام بعنف ترتفع معه وتيرة الألم ويتفاقم نزيف الجراح. نصوص زاخرة بفيض من صور موسومة بغزارة نوعية تمعن في فتح آفاق متنوعة و متجددة عبر سفر إبداعي غني بأدواته التعبيرية، وأبعاده الرمزية والدلالية، ففي قصيدة “خيوط الضياء” تتوالى الصور بأساليب صادرة عن رؤية جمالية بأواليات خلق بارزة لا يعوزها التنويع والتجديد: “والعمر في معابده ابتهال يتوق للضياء.. يرتق رداء الفجر يلملم النجوم العالقة بعيني… حروفك الظمأى بعمق نهري تخالف ما تراكم هوسا على محيا القصيدة.. ” ص 36، فينعتق العمر عن خطيته الزمنية ناشدا مساحات ضياء تبدد جحافل العتمة، يخيط ما تمزق من (رداء الفجر)، ويضم ما تباعد من أطرافه لتشكيل معالم بداية بزوغ فجر، ولم شمل النجوم (العالقة) برؤية الشاعرة، وما تحيل إليه من كتلة نورانية علوية مع إقحام المخاطَب، في علاقته مع الحروف ببعدها الدلالي والرمزي التي تتوق لإرواء ظمأها من نهر تغترف الشاعرة من عمق معينه. هذه الحروف المنزاحة (تخالف) عن تراكمات هوس ارتسم على (محيا) القصيدة في تلميح لما تتأجج به دواخلها من رغبات جامحة في الخلق والتجديد. فالشاعرة تمتلك قدرة إبداعية جلية على نحت صور شعرية بأساليب متنوعة، وصيغ متعددة مما يصعب معه مواكبة زخمها في امتداداته وتجلياته، كما نقرأ أيضا في قصيدة “أناشيد الوجع”: “كان سحرا رج عوالم صمتي نورا تعاظم سناه خطف البصر..” ص 124 في تصوير لمظاهر وجع ألَمَّ بذات الشاعرة فتجلى سحرا اخترق ملكوت صمتها ، ونورا أمعن في توهج انخطف له البصر. ورغم غنى المجموعة الشعرية بالصور الشعرية إلا أنه يتضمن ميزات وعناصر بقيمة نوعية كالإيقاع الذي يكسر ما يمكن أن يشوب المتن الشعري من رتابة نثرية بما يضفيه من موسيقى داخلية حينا كما أشار إلى ذلك الدكتور فالح الكيلاني في تقديمه للديوان حيث قال: “من خلال تمازج أو تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها، بحيث تعطي نمطا أو نسقا موسيقيا معينا تبعا لإمكانية شاعرتنا الفذة ومقدرتها على الخلق والإبداع” ص 5، وهو ما يطالعنا في أول قصائد الديوان “لك أن تحيا في دمي” لما أضفاه عليها من جرس داخلي في تردد حرف الدال:

“وأغنيات رددها الشوق بدمي.. كانت الحيرة تدق أوتادها تتأمل احتراقا غشي البذور زهرا بيدي أرهقه الذبول..” ص 7، وخارجي أحيانا: “لم تكن بلسما يباعد أساي ولا سبيلا يقارب مداي” ص 37 ، في قافية مُشكَّلة من الألف والياء، أو الألف والراء في مثل: “كوني بسمة تبوح بالأسرار نورا يلهم الأشعار” ص 128. فضلا عن لغة تمتح من معجم تراثي باستخدام ألفاظ ومفردات من قبيل (دنان، لآلئ، زمرد، الرُّطَب، زلال، الحور، السنا، لجين، المزن، سبائك) مما يعكس مدى إلمام، وتبحر، وبحث الشاعرة في الموروث الشعري القديم والنهل من منابعه مما أكسبها لغة رصينة، ورصيدا بلاغيا وإيقاعيا (عروض الشعر القديم)، وبالتالي قدرة فائقة وموفقة على المزاوجة بين الكتابة الشعرية الحديثة والتقليدية من خلال النظم على الطريقة العمودية في قصائد (حزن النوارس: ص 45، ونداء ص :80، وانبلاج الضياء ص: 116، دمعة ص: 148) برؤى، وأسلوب لا يخلو من إضافة وتجديد. وعناصر بلاغية كالتشبيه في نص “حزن النوارس” حيث تقول: “ويعدو صبي كفجر النقاء” ص 47،في اقتران المشبه به بأداة التشبيه الكاف، أوخلوه منها كما في: “والدمع أوار” ص 102. وللجانب الرومانسي حضور لافت في ثنايا الأضمومة الشعرية على مستوى المعجم في توظيف مفردات مثل: (المروج، غيم، نوار، عشب، الغدير، النسائم، التلال، رذاذ)، أو الدلالي والتعبيري: “تهامسه ريح الصبا خلف أستار الليل… فما صادف حمرة على الوجنات ولا أريجا بعبق الوجد” ص 74، أوفي قولها: “حين تنمو على البطاح ربيعا من شذاه تنتشي الفصول..” ص 101، والثنائيات الضدية التي تغني المتن الشعري بما تضفيه عليه من ميزات تعبيرية وجمالية كما في قصيدة “خضر السنابل” اختصرت هنيهات عمري ما بين موت وميلاد..” ص 109، وفي “صمت الرحيل “: “أحاطت المكان البعيد القريب” ص118، كما استقت الشاعرة من أضابير التراث الإنساني، بحمولاته الفكرية والأسطورية والقصصية أسماء ورموزا مثل زيوس وهو أب الآلهة والبشر في معتقدات الإغريق الدينية والذي تكمن قوته في حكمه لقوى الطبيعة الرهيبة التي كان الإغريق يخشونها كالبرق والرعد: “إلى عدل زيوس …” ص25، في إحالة إلى العهد اليوناني بإشعاعه التاريخي والحضاري والفكري: “أيها القادم من زمن يوناني العبق…” ص 43، والديني التاريخي في استلهام لشخصية بلقيس ملكة سبأ: “أسطورة خلد عبقة بشذى بلقيس” ص 110، وفي قصيد ة” في نبض الماء”، وفي نفس السياق (الديني التاريخي) استحضار لنبي الله يوسف: “والليل طيف يوسف .. “ص 89 ،أ و: “نبتهل لقميص يوسف”ص 98، استيحاء واستحضار ينتقل لمتن الحكايات الشعبية كشخصية شهرزاد من ألف ليلة وليلة في نص “حكاية الخريف موجعة”: “أخبرت عن شهرزاد العليلة”ص 53، بإقحام شهرزاد، وما يجلل شخصيتها من هالات حكي مثير باذخ، في مسلكيات انزياح صادر عن رؤية إبداعية تروم التأسيس لتجربة شعرية تتوق للانعتاق من ربقة المألوف والسائد لما تجترحه من تعابير مغايرة بما تخلعه على شخصية من قيمة ومكانة شهزاد التاريخية والقصصية من صفات تنأى عن مواضعات وثوابت المخيال الشعبي الموروث (شهر زاد العليلة).
فديوان “لك أن تحيا في دمي” للشاعرة نبيلة حماني غني بتعدد وتنوع طرائقه الإبداعية، وعناصره الشعرية التي تعكس ثقافة نبيلة حماني التراثية والفكرية الواسعة، وملكتها الشعرية البارزة التي أبدعت وأبهرت في خلق صور موسومة بالغزارة والتجدد يصعب الإلمام بجل مكوناتها وأبعادها في قراءة واحدة.
لك أن تحيا في دمي (شعر).
ــ الشاعرة: نبيلة حماني .
ــ المطبعة : مطبعة بلال ــ فاس





