المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

صوت الحوت

روجر دين كيسر 

ترجمة:د.محمد عبدالحليم غنيم 

 

– اتركاه وشأنه. 

صرخت بينما كنت خارجا من بوابة دار الأيتام ورأيت العديد من المتنمرين في مدرسة سبرينج بارك يدفعون الطفل الأصم. لم أكن أعرف الصبي من قبل، لكنني علمت أننا في نفس العمر تقريبًا، بسبب حجمه. كان يعيش في البيت الأبيض القديم المقابل لدار الأيتام حيث كنت أعيش. لقد رأيته في الشرفة الأمامية عدة مرات لا يفعل شيئًا ، سوى الجلوس هناك والقيام بحركات مضحكة بيديه. 

في فصل الصيف، لم يكن لدينا الكثير من الطعام فى العشاء يوم الأحد، باستثناء البطيخ، ثم اضطررنا إلى تناوله في الخارج خلف غرفة الطعام حتى لا تتسخ الطاولات بالداخل. المرة الوحيدة التي رأيته فيها كانت من خلال السياج السلكي العالي الذي يحيط بدار الأيتام عندما أكلنا البطيخ في الخارج. 

بدأ الطفل الأصم في عمل جميع أنواع الإشارات اليدوية، بسرعة كبيرة، قال الصبى الأكبر وهو يدفع الصبي أرضاً: 

– أيها الأحمق الغبى. 

ركض المتنمر الآخر خلف الصبي وركله بأقصى ما يستطيع. بدأ جسد الصبي الأصم يرتجف وتكور محاولًا حماية وجهه وإخفائه. بدا وكأنه يريد البكاء، أو شيء من هذا القبيل ، لكنه لم يستطع إصدار أى صوت، على ما أعتقد. 

ركضت بأسرع ما يمكن عبر بوابة دار الأيتام إلى شجيرات الأزالية الكثيفة. حملت القوس الذي صنعته يدويا من الخيزران والخيوط. أمسكت بأربعة أسهم مصنوعة أيضًا من الخيزران وكانت أطرافها مغموسة فى الفحم لكى تكون ذات سن حاد. ثم ركضت إلى الباب وسهم في القوس ووقفت هناك، صامتًا، أتنفس بصعوبة شديدة، عند ذلك لم يجرؤ أحدهما على ركل الصبي أو لمسه مرة أخرى. 

قال أحد الأولاد: 

– أنت مجنون غبي مثله، أيها الأحمق ذو الأذنين الكبيرتين. 

وأمسك بصديقه وابتعد بعيدًا بما يكفي حتى لا يصطدم السهم بهما. 

قلتُ وأنا أرتجف مثل ورقة الشجرة: 

– إذا كنت شجاعًا جدًا، اركله مرة أخرى الآن.

قام الولد الأطول وركل الصبي الأصم في منتصف ظهره بأقصى قوة ممكنة وركض، ثم نفد من مدى السهم مرة أخرى.

انتفض الصبى الأصم وأصدر صوتًا لن أنساه أبدًا ما دمت حيا. كان صوتا مثل الصوت الذي يصدره الحوت عند اصطياده بالرماح ويعلم أنه سيموت. أطلقت سهامي الأربعة على المتنمرين أثناء هروبهما وهما يضحكان على ما فعلاه. 

قمت بسحب الصبي من على الأرض وساعدته على العودة إلى منزله الذي كان على بعد شارعين من مبنى المدرسة. عندما وصلنا إلى منزله، أخبرتني أخته أن شقيقها أصم لكنه لم يكن غبيًا كما قال الشابان المتنمران. كان ذكيًا جدًا ولكنه لم يستطع قول أو سماع أي شيء. أخبرتها أنه أصدر صوتًا عندما ركله المتنمر في ظهره. أخبرتني أنني لا بد أن أكون مخطئا لأن جميع الحبال الصوتية لأخيها قد أزيلت أثناء إجراء جراحة تجريبية فاشلة. 

رسم الصبي إحدى إشارات اليد تلك وأنا على وشك المغادرة. سألت أخته “إذا كان أخوك ذكيًا جدًا، فلماذا يفعل مثل هذه الأشياء بيديه؟” أخبرتني أنه كان يقول بيديه إنه يحبني. لم أقل لها أي شيء على الإطلاق، لأنني لم أصدقها. لا يستطيع الناس التحدث بأيديهم والجميع يعلم ذلك، يمكن للناس فقط التحدث بأفواههم . 

تقريبًا كل يوم أحد على مدار العام أو العامين المقبلين، كنت أرى الصبي من خلال السياج السلكي بينما كنا نأكل البطيخ في الخارج خلف غرفة الطعام خلال فصل الصيف. لقد كان دائمًا يرسم لي نفس علامة اليد المضحكة، وكنت ألوح له مرة أخرى، دون أن أعرف ماذا أفعل. 

في آخر يوم لي في دار الأيتام، طاردني رجال الشرطة. قالوا لي إنهم سيرسلونني إلى مدرسة فلوريدا للبنين الإصلاحية، ماريانا، لذلك هربت منهم. طاردوني عدة مرات حول مبنى قاعة الطعام وهرعت أخيرًا نحو السياج السلكي وحاولت التسلق فوقه للهروب. رأيت الطفل الأصم جالسًا هناك على شرفة منزله يراقبني وهم يسحبونني من السياج ويقيدون يدي. قفز الصبي، البالغ من العمر الآن حوالي اثني عشر عامًا ،على قدميه وركض عبر طريق سان دييجو، ووضع أصابعه عبر الشبكة السلكية ووقف هناك ينظر إلينا. 

جروني من ساقي، وهم يصرخون ويصرخون لأكثر من عدة مئات من الأمتار عبر التراب وقش الصنوبر إلى سيارة الشرطة المنتظرة. كل ما استطعت سماعه طوال الوقت هو الصوت الحاد لذلك الحوت وهو يُطارد مرة أخرى. عندما انطلقنا في سيارة الشرطة، رأيت الصبي الأصم يفك قبضته من على السياج وينزلق ببطء شديد على الأرض وقد أنزل رأسه في أوراق الشجر وقش الصنوبر. عندئذ أدركت أنه ربما أحبني حقًا وأراد أن ينقذني، لأنه اعتقد أنني كنت أصدر صوت الحوت أيضًا. 

(تمت)

المؤلف: روجر دين كيسر / كاتب أمريكى. تأخذك قصص المؤلف روجر دين كيسر المنشورة على الإنترنت إلى قلب طفل تخلت عنه عائلته وسوء معاملته من قبل النظام المسؤول عن رعايته. من خلال قصصه، يسترجع حزن وقسوة نشأته يتيماً في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي. يعيش كيسر اليوم في برونزويك، جورجيا مع زوجته جودي حيث يواصل كتابة ونشر معظم أعماله على موقع الويب الخاص به على الإنترنت: http://www.americanorphan.com