المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

عزیزتي فانیا

یسري الغول

سأكتب رسالة إلى فانیا، لا بد من ذلك.

سأقول لھا إنني ما زلت أتنفس، وإن من حولي ما زالوا كذلك؛ فلعلھا اعتقدت أنني قضیت مع صاروخ غادرٍ صفع المخیم أو الحي الذي نقطنھ، وأننا الآن تحت الركام.

سأضحك، سأقول لھا إن أجسادنا تكلست وأصابھا مناعة غریبة من الموت، من ماتوا ھم الصغار فقط، الصغار الذین لا یعرفون معنى الموت، ولم یخطر لھم على بال أن تسقط القذائف كسیمفونیات على أرواحھم

لتأخذھم إلى رحاب السماء.

ربما ستجادلني فانیا وتقول: “إنني لا أؤمن بالجنة والخلود”، وستبدأ بخطبتھا وإیماءات جسدھا التي توحي بأنھا ملحدة تناظر الكنیسة فتعطي درس الحیاة، بینما تبتسم أوداجي رغماً عني وینطلق لساني بھویتي الدینیة التي أعتز بھا وأبدأ بدوري الحدیث عن الأخطاء والخطایا، الحیاة والموت، الجنة والخلود.

سأكتب رسالة إلى فانیا، لا بد من ذلك.

سأقول لھا إنني في زمن الحرب صرت ماءً أتقي مصارع الجدران والأثاث الخشبي والمعدني؛ فقد خلعت أعضائي عضواً عضوا،ً وتحلّلت مني حتى لم أعد عالقاً بین الركام كما حدث مع زوجتي وأبنائي الذین لم یتعلموا كیفیة التحول إلى أشیاء أخرى.

سأخبرھا كیف تسربت بین الجدران حتى صار صوتي خریراً لم أعرفھ أو أسمعھ قبلا،ً وكم من معطف وقمیص وبنطال تشبث بي وأنا في طریقي نحو أطفالي الذین یبكون بحرقة. كنت أتسرب إلیھم بھدوء حتى

لا أحدث ضجیجاً یزید من عمق جروحھم، وأنا الذي لا حول لي ولا قوة أمام الجنون الذي یقصفنا من أعلى

فیجعلنا أرضاً محروقة.

حقا،ً حالما أتعافى من جروحي، وتنبت یدي الیسرى مجدداً سأبعث برسالتي إلى فانیا. سأكتب لھا إن رائحة زوجتي وأطفالي كانت تزكم أنفي؛ لذا تحولتُ إلى مدخنة تنفث الرائحة إلى الخارج لعل أحداً ینقذنا؛ فبعد أن ولجتھم وصرت ماءً بارداً یقطر في أفواھھم ویمسح الدماء التي علقت بأجسادھم المثخنة انھاروا ولم یصمدوا على البقاء. كانت أجسادھم ترتعش خوفاً وبرداً وعطشاً وجوعا،ً ولقد حاولت جاھداً وقتھا أن أصبح ذلك الـ(Hulk (الضخم الذي لا مكان لھ في مدینتنا، لأرفع عنھم ركام البنایة التي نقطنھا فأفشل.

عندما تقرأ فانیا رسالتي، ستنھار وتسألني عن السبب؛ فأجیبھا بھدوء إن موت طفلي الصغیر الذي ظللتھ

بغمامتي غیّر مسام جسدي دون أن یجعلني سامقاً عظیماً كنخلة من الفولاذ، فقد غادرنا ذلك المشاكس بھدوء، كان یشخر ثم ینطفئ فتنطفئ كل حواسي بعده.

سأكتب: لقد عدت مجدداً لأصنع من نفسي ذلك الضخم، أصرخ حتى تنفجر الأرض وتتشقق السماء ویظھر خیط رفیع یصل السقف المثقوب بعرش لا أتبینھ، أفتح لھم باباً موارباً كانت جدتي قد أقلعت عن فتحھ بعد عودتھا إلى السماء؛ فتبتسم طفلتي حاملة في یدھا أخاھا الصغیر، تشیر مودعةً بینما أحدق فیھم متجمداً لا طاقة لي بفعل شيء… ھل أبكي أم أصرخ أم أموت؟

سأقول لفانیا: عدت لولدي البِكر وزوجتي. تسربت إلیھم بحذر وسقیتھم من یدي شربة ماء ثم حملتھم،

خرجت مھرولاً لأكتشف أنھم بلا سیقان/ أننا بلا سیقان.

أعلم أنھا ستقول لي: ھل تذكر الرجل الذي كان یقوم بأعمال بھلوانیة في شوارع مانھتن بنیویورك دون أن تظھر سیقانھ أمام العامة؟ أم لعلك لا تذكر؟ ستقول أیضاً إنھا في حینھ أرادت مداعبة ذلك المسكین فقرصتھ

من إحدى ردفیھ لیصرخ: (آآو) كما في أفلام ھولیود، تضحك فیضحك من یتحلقون حولھ، یلقون بدولاراتھم بینما یبكي العجوز لإھانتھ. تَخرج قدمھ الخشبیة أمامنا فتدمي قلوبنا، تعتذر فانیا لذلك المسكین، تطبع قبلة على خده وتلقي بعشرة دولارات داخل قبعتھ ثم تمضي.

ستقول صدیقتي: لم لا تصنع لزوجتك قدماً خشبیة؟ وھي لا تعلم أنَّ غزة لا أشجار فیھا لنصنع الآلاف من السیقان التي بُترت، وأن غزة لیست بلداً أو حتى مدینة أو قریة، إنما قطعة من جحیم لا لون فیھا غیر

الأسود.

سأبعث رسالتي حالما أتعافى وأصیر بجناحین كبیرین، لا مشكلة إن كانا من الحدید أو الألمونیوم أو الفولاذ أو حتى من الریش، سأعانق زوجتي، سأحتضنھا ونسافر معا،ً نطیر عالیا،ً نصل ما بعد الحدود الأخیرة،

نحلق رغم أقدامنا الخشبیة ونسقط كما (man Iron (بطریقة سینمائیة مخیفة وسأجعل المشاة یتوقفون عن

ازدراد الطعام وشرب العصائر المثلجة، سأجعلھم یھیمون في عالمنا، ویحلمون بأن یكونوا مثلنا بأجنحة.

سیصفقون یا فانیا، سأكتب لك عن تصفیقھم الحار مثل نھایة جمیلة لفیلم سینمائي، سیخرج أحدھم من بین الجموع لیلتقط لنا صورة تتصدر صفحات الجرائد والمجلات، وربما یخرج آخر بمانشیت كبیر لیقول إننا

الـ(Jumper(.

آه یا فانیا، لو كنا كأبطال ذلك الفیلم نستطیع أن نسافر كیفما نرید، لا نتوقف عند حدود، لا نختم جوازات سفر، ولا توقفنا سلطات أي بلاد أو تأمر بترحیلنا؛ لعبرنا العالم ولم نتوقف عند محطة بعینھا.

آه لو كان لنا مطار یا فانیا، لو كان لنا میناء، لو كانت لدینا نصف حیاة، لاخترت العیش في إسبانیا والتقیتك عند مدخل الحمراء، ثم اقترنت بك وأنجبنا صغاراً یشبھون ملائكتي الراحلین.

عزیزتي فانیا،،

سأبعث برسالتي إلیك في أي وقت، لأن الزمن في غزة خارج حسابات المجرة.

سأبكي بحرقة وأصرخ: إنني قررت أن أظل في ھذا العراء مسجوناً حتى تأذن لي جدتي بصعود السماء،

نعم سأقول لك ذلك، فصدقیني.

*قاص وروائي فلسطیني