بقلم || هشام شمسان
يستكشف بارت في كتابه” درجة الصفر في الكتابة”(*) طرق وأساليب الكتابة الأدبية، ويتناولها بأسلوب نقدي تحليلي، ففيه يتناول المعنى الاجتماعي، والسياسي، والثقافي للكتابة، وكيفية تأثيرها في المجتمع والسلطة اللغوية؛ ساعياً إلى فهم طبيعة النص الأدبي وتشكيله، والتأثير الذي يمارسه على القارئ والمستقبِل.
ويهدف بارت من خلال كتابه -المؤلف من جزأين- إلى إلهام المفكرين، والكتاب، والنقاد للنظر في الكتابة، ومعناها، بطريقة جديدة، والدعوة لاستكشاف طرق تحوّل الكتابة الأدبية. ومن تلك الطرق التي توقف عندها “بارت” ، وأثارت الكثير من التساؤلات النقدية، وتوقف عندها كثير من النقاد مصطلحا ” درجة الصفر في الكتابة” و” الكتابة البيضاء” وهما مفهومان خلط بينهما الكثير من الكتاب العرب، ولانكاد نرى من تلك التناولات من توقف أصحابها عند الفصل، والبيان في هذين المفهومين على نحو واضح، وقاطع- كما حددهما بارت- وكان التركيز يكاد يكون كله على مفهوم ” الدرجة الصفرية” للكتابة، فحسب. ويأتي الآخر أشبه بالرديف، أو المكافئ، وقلّ من فصل بينهما، ولكن بغموض، وإيهام .
○ درجـة الصفـر في الكتابـة
يقصد رولان بارت بـ “درجة الصفر” الترميز إلى حالة إزالة العبء الاجتماعي، والثقافي المسيطر على الكتابة، والتحرر من الضغوط المرتبطة بالأشكال التقليدية للكتابة.
ويستند بارت إلى مفهوم “درجة الصفر” ليعبر بها عن الفرصة المتاحة للكاتب في إعادة تشكيل معنى النص الأدبي، والانتقال بالإبداع إلى تجارب جديدة، سعيًا للوصول إلى تجربة كتابية أكثر حداثة وتحررًا من التقاليد،الأبوية المجتمعية، والدينية؛ تدميراً للقيود المفروضة على الكتابة التقليدية.
إن درجة الصفر – عند بارت- تمثل نقطة المحور التي يمكن للكاتب من خلالها تجربة التحرر، من خلال إعادة تعريف المعنى، وتثوير الشكل الكتابي؛ وصولاً به إلى تجربة كتابية خلّاقة، تتيح حرية إبداعية كاملة للكاتب للتلاعب باللغة، وجعلها أكثر ” دينامية” للتعبير عن مختلف العواطف، والافتراضات.
وعندما يتحدث بارت عن “درجة الصفر” في الكتابة، فهو يقصد الوصول إلى نقطة البداية (درجة الصفر) التي يمكن للكاتب فيها التحرر من التقاليد الكتابية المعروفة، واكتشاف أساليب وأشكال جديدة للتعبير.
ويشدد بارت على أهمية هذا التحرر، والابتعاد عن النصوص الثابتة والمؤسساتية، المُطابقة للمعايير القائمة.
ففي درجة الصفر، يتحلل النص الأدبي من أشكاله، وقوالبه الكلاسيكية، وينطلق نحو استكشاف الوجود الجديد للكتابة الرافضة للقوانين، والقواعد الثقيلة، التي تحد من حرية اللغة، وتقيد الكتاب بالتوقعات النقدية والثقافية المسبقة.
○ مفهوم “الكتابة البيضاء” لدى “رولان بارت”.
تعتبر “الكتابة البيضاء” تحديًا للتقاليد الأدبية المعتادة؛ حيث يتحول النص الأدبي إلى سطح فارغ يمكن ملؤه وتفسيره بمختلف الطرق من قِبل القارئ، بالاعتماد على الاستجابة الفردية للنص والتفسير المتوقع.
وبمعنى أكثر وضوحاً فإن الكتابة البيضاء لدى بارت يقصد بها التحرر المطلق من سلطة الكاتب، ومقاصده، والتزاماته، وقيمه الاجتماعية، واللغوية؛ بحيث يكون القارئ هو المختبر الوحيد للغة النص، ونسيجها، وقيمها الأسلوبية، ويتحول النص إلى مجرد حلم يقوم القارىء بتأويله، دون تقديم أي التزام تجاه الكاتب، وأفكاره، ومشاعره، أو حتى لغته، التي يقوم القارئ بكتابتها متحرراً من أي سلطة بنيوية للنص .
وفي ذات الأوان فإن نفس المصطلح ينطوي على دعوة ضمنية تدعو الكاتب لأن يكتب، وينسى ما كتبه، أو يمحو ما كتبه، ولا يبقي منه سوى البياض؛ لأن هناك من سيكتب النص، بقراءة (بريئة) (بيضاء)،(محايدة) بلغته الخاصة، وأسلوبه الخاص، وحلمه الخاص، وعالمه الخاص، ورؤيته الخاصة، وطقسه الخاص: كتابة تتحرر من مقاصده، ودوره، وأدبه، “ومتخلصة من كل اعتبارات خارجية للنص.. كتابة بيضاء لا أثر فيها للمؤلف، وتفترض موته .
هامش :
(*) اسم الكتاب : ” الكتابة في درجة الصفر”
– المؤلف : رولان بارت.
– ترجمه عن الفرنسية، د. محمد نديم خشفة.
– دار النشر: مركز الإنماء الحضاري
– الطبعة الأولى 2..2
————
● أديب، وناقد من اليمن





