رشيد الإدريسي
الامتزاج بالوجود
للشعر عدة تعريفات، لدرجة أن البعض يذهب إلى أن عدم القدرة على تعريفه هو قمة تعريفه، إلا أن اعتماد التعريف النفسي والوجودي هو الأكثر شيوعا، وهو ما لا نجده فقط لدى الباحثين والفلاسفة، بل إن صداه موجود كذلك لدى الكثير من الشعراء، حيث نجده مضمرا وصريحا معا، وذلك مساهمة منهم في توجيه القارئ أثناء عملية تلقيه لنصوصهم، ومقاربتها بما يوافق ما فكروا فيه، أو تجاوزه في حالة التأويل الذي يقرأ صاحبه ما بين السطور، فيملأ الفراغات ويحدد اللامحدد ويستشكل الواضح.
وهذا ما يمكن استجلاؤه في تجربة الشاعر محمد عبد الله البريكي الذي لا يتوقف، في الكثير من قصائده، عن الإشارة إلى وظيفة الشعر النفسية الوجودية، وعن التعريف به من هذه الزاوية، وهو يذكر ذلك مرة تصريحا ومرة أخرى تلميحا. ويكفي للإلمام بالتشاكل الدال على ربط الشعر بالقلق والحزن اللذين يملآن النفس البشرية، استحضار المعجم الذي يستعمله في مختلف دواوينه1، والذي يركز فيه على:
الكره، المرارة، الخوف، الكذب، الخيبة، اليأس، العذاب، المرض، التعب، الوجع، الغربة، الكسر، الجفاء، الضجر، الهم، الجرح، الجمر، الخطوب، اللوعة، الارتجاج، الزوبعة، الشقاء، الثكل، الاغتيال، الشيب، الحرب، الليل، الظلمة، الغيم، الحقد، العري، الغبار، الغبش، التَيَبُّس… فكل لفظ من ألفاظ هذا المعجم، إذا ما تم الانطلاق منه، أمكن توليد دلالات عدة تلتقي فيما بينها، لتجعل من الشعر هبة للألم والمعاناة، بحيث لتكون شاعرا، يلزمك أن تنظر إلى الحياة بعينين قد “غسلهما” الدمع. وهذا ما عبر عنه الشاعر بقوله:
على كتفي الأرضُ تحمل وزرها ويحملني ضلع أراه مكسَّرا
إلى أن يقول:
هو الشعر لا يأتي من غير نزوة تُلَوِّعه بالبعد والشوق والكرى2
فكل قصيدة من هذا النوع هي أشبه بكائن حي “يُضَحَّى” به للتوعية بآلام الإنسان. من هنا، حديث الشاعر عن دماء الشعر التي تُمزَج بالوجود، والتي قد يفهم منها أنها المعاني التي تحضر فيها دلالات ذلك المعجم.
النفي إثبات
يقول البريكي في النص الذي يفتتح به ديوانه “عكاز الريح”:
أنا لن أُعَكِّر صَفْوَ كِتَابي الجَديد
بما لَمْ أَقُلْهُ
عن القلق المُتَمَدِّدِ فوق ضُلُوعِ الكلام
فالشاعر يعد القارئ، بحسب هذا التصريح، بأن شعره في هذا الديوان سيكون مختلفا عن أشعاره السابقة “القلقة” و”المهمومة” التي كان ينطلق فيها من تصور يعتبر الشاعر كائنا قلقا حزينا، يصب قلقه وحزنه في شعره. وواضح من خلال هذا القول، أن الشاعر ينطلق من كون الشعر نوعين اثنين؛ نوع يبعث على سعادة النفس ويعبر عما يعمق هذا الإحساس، ونوع يركز على القلق وما يتفرع عنه من حزن وخوف ناتج عن أن الشاعر مفرط الحساسية ومتصادم المشاعر، بسبب عدم رضاه عما يكابده في مسارات الحياة، وبسبب عدم قدرته على النفاذ إلى عمق هذا الوضع والإمساك بجوهره.
وواضح كذلك أن القراءة الأولى قد تنتهي بالقارئ، من خلال وقوفه على “المقارنة” التي يقيمها الشاعر بين هذين التصورين، إلى أن البريكي يفضل التصور الثاني (الحاضر/غير الحاضر) في ديوان “عكاز الريح” الباعث على السعادة والمعبر عنها بقيم إيجابية، على حساب التصور الثاني الذي يربطه بقيم سلبية.
والتعبير الذي يقود إلى هذا النوع من التحليل المتسرع، هو حديث الشاعر عن أنه لن يُعَكِّر صفو كتابه الجديد بما له علاقة بالتصور الأول الذي هيمن على دواوينه السابقة.
ضلوع الكلام
إن فهم هذا التعبير، مفتاح لفهم الكثير من أشعار البريكي، وهو يستدعي استحضار بعض المؤولات ذات العلاقة بعلامة العَكَر التي من مقوماتها [+ماء] [+أتربة]. والمؤولة التي تتولد عن جمع هذين المقومين معا وامتزاجهما في ذهن المتلقي، هي فقدان الصفو، بحيث كان بإمكان الشاعر أن يكتفي بقول “أنا لن أعكر كتابي الجديد”، فيحقق هذا المعنى، ولكنه زيادة في تكثيف الدلالة، ذكرها ظاهرا وإن كانت مذكورة ضمنا.
فالقول الجديد، المتمثل فيما ورد في أشعار ديوان “عكاز الريح”، حسب تصريح الشاعر، يَسْلَم من مُكَوِّن العَكَر والكدر الدالين على القلق والهم المبثوثين في دواوينه الأخرى. إلا أن ما يؤكده تحليل الديوان ككل، هو أن البريكي أثبت ما أراد نفيه، وظل وفيا للتصور الذي يعلن التخلي عنه، وفيا له في هذا الديوان وغيره من الدواوين السابقة عليه، بحيث يمكننا القول، إنه لكي تكون شاعرا حقيقيا، يلزمك أن تكون قلقا حزينا، وإلا أخللت ببعض من الخصائص التي تجعل من قولك شعرا.
وللإعراب عن شدة سأمه من سيطرة القلق والهم عليه، واللذين لم يستطع التخلص منهما، رغم تصريحه بذلك، استعمل البريكي عبارة القلق المتمدد فوق ضلوع الكلام، وفيه استعار الشاعر للكلام الذي هو لفظ مجرد تعبيرا مجسدا وهو الضلوع، وبذلك يكون الشاعر قد أنسن الكلام وحوله إلى شبه جثة، إذ من دلالات تمدد القلق على ضلوع الكلام، تحول الكلام إلى ما يشبه الكائن الحي الملقى على الأرض والذي انبسط عليه القلق. والضلوع في حد ذاتها، تتشاكل مع القلق، وذلك لأنها تحيل على عظام الصدر، التي تحيلنا بدورها على القلق، وذلك على اعتبار أن الصدر هو محل القلق والهم، ولذلك سمى العرب الهموم ببنات الصدور.
يمكننا أن نقول بعد هذا التحليل، إن الشاعر بنى استعارته هذه باستحضار معطيات واعية ولا واعية، ذات علاقة بالثقافة العربية التي تتصور الصدر مأوى للقلق والهم، كما استحضر معطيات البلاغيين العرب (الجاحظ، العسكري، الجرجاني…) التي تنظر للأفكار التي يُعَبَّر عنها بالكلام، بوصفها أشياء مجسدة مطروحة على الطريق، فعمل على تحويل الكلام إلى كائن حي، من خلال مقايسته بالإنسان واقتراض أحد مكوناته المتمثلة في الضلوع الدالة بذاتها على القلق والهم.
ولو أردنا أن نقدم تعريفا للشعر انطلاقا من المؤشرات التي فرقها البريكي على أكثر من ديوان من دواوينه، لقلنا إن الشعر هو قلق وهَمُّ يستوطنان الصدر، فينفثهما الشاعر فيما يشبه الدفق الداخلي، إلى أن يستويا قصيدة.
الريح ونقيضها
والقلق في الكثير من التجارب الشعرية العربية، ناتج عما يسميه الشعراء العرب بفعل الزمن الذي لا يرحم والذي يسحق في طريقه كل إنسان، وهو ما عبر عنه الشاعر بقوله:
مِثْلَ ريشٍ يَسيرُ سَهْوًا لِضِفَّة
يَعْبُرُ الناسُ في الحياة بِخِفّة
وكخيطٍ على الرمال غريب
تَقْصِم الرِّيحُ حين تلقاه نِصْفَه3
فالريح، التي في هذه الأبيات تستهدف الناس فتقصمهم، تتحول بدورها مع استعارة العكاز لها، إلى مُسْتَهدَف، فيلحقها العياء، بحيث يمكن النظر إليها بوصفها رمزا للموت الذي يقهر الجميع، والذي بدوره سيُقْهَر لا محالة.
ويمكن اعتبار “عكاز الريح” الذي استعمله البريكي في أكثر من قصيدة، قبل اتخاذه عنوانا لديوان كامل، هو رمز واستعارة في الآن نفسه. فالريح رمز للقوة، لكونها هي الهواء المتحرك بسرعة، وهي ذات ارتباط بمؤولات القوة والإقدام والغلبة في ثقافتنا العربية، لكونها تُهَيِّج البحار وتقتلع الأشجار وتحطم ما يقف في طريقها من مبان.
وقد استعار الشاعر العكاز للريح، وبذلك يكون قد مزج بين النقيضين، إذ أن مؤولة العكاز المركزية هي الضعف والعجز، أو بتعبير أدق العكاز سند للضعيف العاجز. واستعارة العكاز للريح يضفي بذلك على الريح الكثير من الخصائص الإنسانية، فيصبح لها وجه ذو ملامح، وصوتها يصبح شهيقا وزفيرا، وحركتها تصبح مشيا. وبما أنها هي مجموع هاته الخصائص الإنسانية، فإنها قد تُعَمِّر، وبالتالي فهي قد تعجز عن المشي، فتحتاج إلى عكاز تتوكأ عليه في مشيها.
وعند هذه النقطة من التحليل، يمكننا أن نضع اليد على مبعث هذه الاستعارة لدى الشاعر، إنه الإحساس بالزمن الذي، كما يعمل عمله في الإنسان فيجعله يمر من مجموعة من أطوار الحياة تبدأ به قويا وتنتهي به ضعيفا، فكذلك الشأن بالنسبة إلى الريح التي هي رمز للموت، الذي سيتجسد كائنا حيا في العالم الآخر، والذي سيموت بدوره ليعقبه الخلود. يقول البريكي:
والساعة كاهنة الرحلة
يحملها عكاز الريح4
فهذان البيتان، يضيفان أبعادا أخرى لهذه الاستعارة ويوسعانها، فهما بالإضافة إلى ذكرهما للزمن صراحة متمثلا في الساعة، وذكرهما للحياة متمثلة في الرحلة، يغنيان التحليل بمؤولات أخرى مرتبطة بالموت، وهي [الرعب] و[الخوف] و[الفزع]. وذلك لأن ربط العكاز بالساعة/الكاهنة، يجعل القارئ يتمثل الموت أشبه بالعجوز الشريرة التي رسختها في الأذهان الحكايات الشعبية، والتي تنشر الموت حيثما حلت.
تلك بعض مفاتيح قراءة نصوص محمد عبد الله البريكي، ويمكن بعلامة الريح وحدها، بما لها من علاقات بدلالات الموت والروح والمصير والقدر والقوة والضعف والسرعة…، قراءة كل أشعاره وردها إلى هذه النواة التي تتشعب، فتخترق أغلب القصائد، والتي ما لم تستحضر من طرف القارئ، إلا وضاعت عليه فرصة تلقيها بشكل يحقق متعة الاكتشاف.
المراجع
1. هذه الألفاظ مستخرجة من دواوينه التالية: بدأت مع البحر، دبي، منشورات مجلة دبي الثقافية، 2015.عكاز الريح، الشارقة، دائرة الثقافة، 2019. الليل سيترك باب المقهى، إسطنبول، دار موزاييك، 2021. مدن في مرايا الغمام، إسطنبول، دار موزاييك، 2022.
2. عكاز الريح، ص 8.
3. الليل سيترك باب المقهى، ص 10.
4. عكاز الريح، ص 47.
*رشيد الإدريسي أستاذ جامعي بكلية الآداب بن مسيك الدار البيضاء





