المجلة الثقافية الجزائرية

محاولة نجاة

 _ د. رفـیـقـة دريسي _

 

أقف ھنا وحیدا حیث لا أھمیة لزمان أو مكان كل شيء یشبھ العدم، ولا شيء یجعل للحیاة معنى.

أمارس الحیاة كأي فعل روتیني یجب علیك القیام بھ.

ألمح من بعید ثغرة ینبعث منھا ضوء لا یكاد یرى، أسیر حافیة القدمین على جراحي وأتبع ذلك الضوء.

أصوات الراحلین تنبعث من بعید توقظني من نومي الذي ینقذني من شتات نفسي وأیامي.

استمر في السیر حاملة جثتي وبقایا كل جمیل في حیاتي، ترافقني ذكریاتي المرة التي تأبى أن تفارقني.

مثل ھذه الحیاة لا یحق لك تسمیتھا بھذا الاسم یمكنك بدل ذلك تسمیتھا محاولة نجاة.

ھنا حیث أنا یمكنك أن تمر على جثتك ملقاة دون تعجب، وأن تصافح جارك المتوفي من زمن دون خوف، لا شيء یجعلك تشعر بالدھشة فقد فارقتنا الأحاسیس ذات عزاء.

تسمع صوت الغائبین ینادیك ویحاورك فتصغي جیدا لدقات قلبك لتتأكد أنك ما زلت مقید بالحیاة تكمل السیر محاولا بلوغ ذلك الضوء الذي یتلاشى كلما اقتربت منھ أكثر، حتى یخیل إلیك أنك أخطأت الوجھة، فتغیر الطریق وتحاول مرة أخرى.

ھنا حیث یرافقك اللاوعي لا فرق اذا استفقت صباحا أو أكملت نومك لعدة أیام ستجد نفس الحیاة بانتظارك، وستبقى أصوات الغائبین في مناداتك.

بعد محاولة النجاة من یومك الشاق، ترمي نفسك في غرفتك المظلمة یرافقك ظلك وبقایا ذكریاتك المرة كقھوتك، وخوفك اللعین الذي یأبى الاعتراف بعدد السنین التي مضت من عمرك. فتحاول الھروب من جلد نفسك إلى النوم.

تستفیق صباحا الى اللاوعي من جدید وتتذكر مقولة احد الأصدقاء الذي یواسي نفسھ بھا

دائما:

“الحیاة جمیلة یا صدیقي والعصافیر تزقزق” وتستمر في السیر باتجاه الضوء الخافت.