المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

مدينة بسكرة حضارة وتاريخ

خديجة مسروق*

 

عرفت البلاد العربية بتاريخها العريق, الذي يشهد على حضارتها العظيمة التي أبهرت العالم و لا تزال. وقد تميزت هذه الحضارة بتراثها المادي والمعنوي الذي يعد إرثا تاريخيا شغل أذهان وعقول الباحثين على اختلاف مشاربهم, فتناولوه بالدراسة العميقة والبحث المعرفي.

والمعروف أن الوطن العربي بموقعه الاستراتيجي الهام كان محل ترصّد من قبل الأعداء.. فقد تعرضت أغلب دوله للاحتلال و الهيمنة الاستعمارية, ما أدى إلى قيام انتفاضات وثورات من قبل أبنائه, بهدف الانعتاق والتحرر من السيطرة والاستعمار .

و الجزائر إحدى هذه الدول تعرضت للغطرسة الاستعمارية. كما تعاقبت عليها حضارات عديدة. وماخلفته هذه الأخيرة من آثار مادية منتشرة في مختلف مناطق البلاد الجزائرية شاهدة على تلك الحضارات. ومن بين تلك المناطق المناطق مدينة بسكرة التي تزخر بمعالم أثرية عريقة, وتراث حضاري ضخم.

فما هو موقع بسكرة من القطر الجزائري؟ ولماذا سميت بـ بسكرة؟ وما الحضارات التي تعاقبت عليها؟ وماهي أهم المعالم الأثرية الموجودة بها؟

مدينة بسكرة من المدن الجزائرية العريقة التي لها تاريخ عميق تمتد جذوره إلى أقدم العصور. وتعد إحدى المحطات السياحية المهمة. تستقطب عددا كبيرا من السياح والزائرين من مختلف الأماكن, يفدون إليها للإستمتاع بمحطاتها الأثرية الجميلة. 

وتبعد بسكرة عن العاصمة بـ450 كلم من الجنوب الشرقي. و قد اختلف الباحثون في أصل تسميتها بـ ‘بسكرة’, فمنهم من يقول إن التسمية تعود إلى الاسم الروماني القديم فيسيرا, وبعض الباحثين يرى ضرورة ربط التسمية باسم منبع الماء المعدني القديم للمدينة ‘أدبيسنام’, وهناك من يرى أن التسمية عربية ,حيث إن الكلمة في الأصل تعود لدمج مصطلحين مع بعض, هما في الأصل تسمية لقريتين قديمتين في المنطقة وهما ‘بسة’ و ‘كرة’, وفئة أخرى ترى أن التسمية قريبة من السكر وذلك لأن المنطقة تتميز بكثرة التمور.

وتسمى بسكرة بـ عروس الزيبان . والزيبان مفردها زاب, والزاب إقليم في بلاد الجزائر, أطلق على المنطقة التي حول بسكرة وطولها 125 ميلا تقريبا من الغرب إلى الشرق. وما بين 40ــ30ميلا من الشمال إلى الجنوب. وهو سهل منبسط يتلاشى شيئا فشيئا في الجنوب حتى يندرج في الصحراء.. والزاب متأثر بالصحراء, ولذلك فإن المطر فيه نادر, ويشمل الزاب حسب بعض الإحصاءات على ما يقارب مائة ألف نخلة.

تعرضت مدينة بسكرة للاحتلال الثلاثي’ الروماني والوندالي والبيزنطي. وفي القرن السابع ميلادي, الأول للهجرة تمكن المسلمون من فتح هذه الربوع بقيادة البطل عقبة بن نافع الفهري, الذي استشهد في 83 للهجرة ‘ 1

كما خضعت المنطقة في تلك الفترة ‘ لحكم الولاة المعينين من قبل خلفاء بني أمية بدمشق , ثم أصبحت في حكم الأغالبة, ثم في حكم الدولة الفاطمية, ثم في حكم الموحدين, إلى أن استحوذ عليها الحفصيون المتمركزون في تونس. وفي القرن السادس شر للميلاد أخذها الأتراك من أيدي الحفصيين, وبقيت تحت الحكم العثماني مثل سائر مدن الجزائر مايزيد على ثلاثة قرون ‘ 2

وفي العام 1844م دخلت فرنسا مدينة بسكرة وثار ضدها الشعب من خلال قيامه بالعديد من الثورات. ومن بين هذه الثورات وأهمها ثورة العامري في العام 1876م. حيث ‘اندلعت بواحة العامري ــ 60 كلم ــتقريبا جنوب غرب مدينة بسكرة. ثورة قادها محمد بن يحي, قامت عندما سمعت فرنسا بتحركات الشيخ محمد بن يحي ورفضه استدعاء الحاكم جلبير, أدركت أنه يسعى للتمرد عليها, فجهزت جيشا يتكون من 800 رجل من المشاة و200 من الخيالة, وفرق من المدفعية وجنود من الخونة, واتجهوا صوب الواحة. وفي صبيحة 11 أفريل 1876م وصلت الإمدادات الفرنسية الأخرى. وبدأت المعركة التي دامت أياما عدة. وبعد استشهاد محمد بن يحي, تقلد زعامة الشيخ الصوفي أحمد بن عياش ,ثم استشهد هذا الأخير أيضا. وتم القضاء على الثورة ‘ 3

وللبحث في أصول سكان المنطقة بسكرة الأوائل يذهب بعض الباحثين إلى أن سكانها كانوا برابرة, وذلك قبل الميلاد ـ 1300سنة. وكان يسكنها عصبة من الأحباش واللبنانيين والأرمن. وتكون منهم الشعب النوميدي. وحكم المنطقة برباص, انتقل الحكم من يده إلى القرطاجيين .

وكان الإسلام قد دخل إلى بسكرة في عهد الفاتح عقبة بن نافع الفهري, الصحابي الجليل الذي استشهد بمنطقة تهودة التابعة لمدينة بسكرة. وقد أصبحت تحمل اسمه تكريما له و ‘لرفاقه الأبرار الذين أصبحوا شهداء الاسلام في أرض المغرب الأوسط. لهم الاعتبار والأجر ما لشهداء الإسلام في غزوتي بدر وأحد على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم, وبالتالي فمكان دفنه هو الآخر يعتبرمن أشرف الأماكن وأقدس البقاع, لا في بلاد المغرب وحدها و إنما في أغلب بقاع الإسلام .. وغدا ضريح عقبة ورفاقه مزارا مقدسا و مكانا للبركة يقصده المسلمون ‘4 من كل مكان .

تقع مدينة سيدي عقبة التي احتوى ترابها أشلاء الصحابي عقبة بن نافع في ‘الجنوب الشرقي من الجزائر من المنطقة المسماة السهوب الصحراوية. وتبعد عن مقر الولاية بسكرة بـ18كلم من الجهة الجنوبية الشرقية, و عن الجزائر العاصمة 44 كم. وضريح القائد الفهري يوجد بباحة الجامع الذي سمي باسمه. ويعد جامع عقبة بن نافع معلما تاريخيا ودينيا يقصده الباحثون والسياح العرب والأجانب.

كما يوجد بضواحي بسكرة جامع خالد بن سنان العبسي وضريحه, الذي ذهب بعض العلماء بالقول بأنه نبي بعث بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام. وهذا الجامع موجود بمنطقة سيد خالد, التي تبعد عن مقر الولاية بسكرة بـ 107كلم. إضافة إلى وجود بعض الزوايا والمدارس القرآنية. هناك الزاوية العثمانية بمنطقة طولقة, شيدها الشيخ علي بن عمر في العام 178م . وتخرج منها مجموعة من كبار علماء الجزائر. 

والمدرسة الناصرية في خنقة سيدي ناجي, التي شيدت في ق 18 م, وأشرف على بنائها أحد المهندسين التونسيين على الطراز المعماري لجامع الزيتونة بتونس ‘5.

وما يؤكد على تعدد الديانات في بسكرة قبل الفتح وجود بعض الكنائس المسيحية, منها كنيسة في حي المسيد, وأخرى بـ باب الضرب, ومقبرة أثرية نقشت على قبورها كتابت باللغتين الفرنسية و الإسبانية.

تضم بسكرة مجموعة كبيرة من الآثار الرومانية وأيضا البيزنطية, التي تشهد على تعاقب الحضارات عليها ,إذ تتوزع الآثار الرومانية على أغلب بلديات وقرى ولاية بسكرة, نتيجة لترسيخ وجود الاحتلال بهده الربوع.

ونظرا لموقعها الجغرافي المميز, باعتبارها بوابة الصحراء, وتمثل حلقة وصل بين الشمال والجنوب الجزائريين. كان الرومان قد وضعوا خطا حدوديا يسمى خط موريس, لفصل الشمال عن الجنوب, و الخط عبارة عن’ مركب معقد يتكون من عدة آليات, تتمثل في خندق وأسوار تعززه, مبنية بالحجرة والطوب في بعض الأماكن. بالإضافة إلى الطرق الرئيسة والثانوية التي تمتد على طرفيه , والتي تتخللها الأبراج و القلع العسكرية ‘ 6.

ومن الآثار التي تعود إلى العهد العثماني, هنك برج الترك الموجود بأعالي بسكرة, أقامه العثمانيون. وثمة الحمّام المعدني الذي يعد من المعالم الأثرية التي تزخر بها عروس الزيبان بسكرة. يستقبل عددا هائلا من الزوار ., يقصدونه للاستحمام و العلاج .

ولأهمية بسكرة تاريخيا وحضاريا, فقد زارها بعض المؤرخين والرحالة منهم العلامة عبد الرحمان بن خلدون. أقام بها سبع سنوات كاملة.

فما أروع تلك المدينة و كل الحسن اختزل في ‘القنطرة’ التي عرفت بـ ‘فم الصحراء’, و هي أهم حواضر بسكرة. تملك إرثا حضاريا كبيرا, أهمه تلك الأحجار الضخمة التي تدل على وجود مساكن قديمة تعود إلى العهد الروماني. والقنطرة بصخورها العجيبة هي أول ما يبدو للزائر عند دخوله مدينة بسكرة . و قد تغنى بها الشعراء, وأفرد لها الشاعر الجزائري الكبير محمد العيد آل خليفة قصيدة بعنوان ‘القنطرة’ يقول,عرضت بالقنطرة الطبيـ ــــــــــ عة حسنها متجردا 

لوح من الرسم القد ـــــــ يــم به القدير تفردا.

كما كتب عن بسكرة بعض الكتاب الغربيين منهم الكاتب الإنجليزي ‘س ه ليدر’ في كتابه بوابة الصحراء بسكرة وماجاورها. والكاتب الألماني ‘هايزر بيش فون مالسان’ في كتابه ثلاث سنوات في شمال غربي أفرقيا. والكاتبان الفرنسيان’ ج مايرو أريك ‘ و ‘ جورج هيرتز ‘ في رسالتهما ‘ بسكرة والزيبان ‘ 7. و الجدير بالذكر أن عاصمة الزيبان بسكرة أنشيء بها أول مطار في المنطقة المسماة ‘الكورس’ سنة 1912.و قد وقعت به أول محاولة للطيران من طرف الفرنسيين على مستوى قارة أفريقيا, وهذا ما يؤكده بعض الباحثين في تاريخ الزيبان.

أما حركة المسرح بها فهي حديثة العهد, تعود بداياتها إلى القرن العشرين فقط. نشطت على يدي مجموعة من رواد الحركة المسرحية الجزائرية.

زيارة بسكرة تحدث في النفس أثرا كبيرا تجعل زائرها يتوق للعودة إليها للتمتع بمعالمها العريقة, التي تسبي الأنظار والعقول. فطبيعتها الساحرة والشواهد والآثار التاريخية للحضارات التي مرّت عليها جعلها قطبا سياحيا مميزا, وقلبة للباحثين ومجبي الاكتشاف .

المراجع 

1 فوزي مصمودي, عروس الزيبان وبوابة الصحراء, الملتقى السادس, بسكرة عبر التاريخ, ولاية بسكرة, الجزائر, 2007

2عبد الحليم صيد ,شمس بسكرة تسطع على الثقافة الجزائرية, دط, دت, ص 19

3 عبد الحليم صيد, أبحاث في تاريخ الزيبان, دط, دت, ص 62

4 موسى لقبال, عقبة بن نافع أساس الفهريين, وتأصيل مجتمع مغاربي جديد في أرض المغرب العربي ,إصدارات رابطة إبداع الثقافية, بسكرة, الجزائر ,2002, ص 57

5 محمد الصغير غانم ,مقالات حول تراث منطقة بسكرة وتخومها الأوراسية, مطبعة عمر قرفي, باتنة, الجزائر, 1996

6 فوزي مصمودي, السياحة في بسكرة, الملتقى السابع بسكرة عبر التاريخ, بسكرة, الجزائر ,2008

7عبد الحليم صيد ,أبحاث في تاريخ الزيبان ,بسكرة, الجزائر, ص45

كاتبة من الجزائر