المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

معرض أبو ظبي الدولي للكتاب ومبادرة تأسيس مجلس شباب اللغة العربية

بقلم: مها الورهاني

يقول إيريك دو كيرميل “لأن الكتاب، الكتاب الحقيقي، يهزك من الداخل. يوقظ فيك مملكة الرغبات، وشعب الممكنات، وجيش “لم لا؟” المتمرد.

ويقول أحدهم “لقد كان منظر الكتب يشفي روحي وعندما اقرؤها أشعر وكأني حصلت على صديق رائع”

بينما يتساءل أندرو كارنيجي ” ما هي أفضل هديّة يُمكن تقديمها للمُجتمع؟ ” ويقول مُجيباً عن سُؤاله بنفسه: ” مكتبةٌ مجانيّةٌ تأتي في المقام الأوّل ” .

ولأن كل شي يبدأ من فكرة فإن مناسبة هذه التوطئة معرض أبو ظبي الدولي للكتاب بدورته الثانية والثلاثين حيث كان من تجليات العصر الحديث اهتماما بالكتاب ونشره ظهور معارض الكتاب العامة والمتخصصة لتسهيل وصوله للقارئ أينما كان، وليرفد المكتبات العامة والخاصة والتجارية بالجديد من الكتب التي يتطلع إليها الباحثون وعشاق المعرفة. ولتكون المعارض سوقا للناشرين وواجهة حضارية للدولة المنظمة للمعارض، تعبر عن رعاية الدولة للكتاب وعن وعي أبنائها، ولتبرز من خلال المعرض أيضا المستوى الحضاري والثقافي تنظيما وإدارة واستضافة يتجلى فيها الوجه الأخلاقي الذي عليه القائمون على المعرض ورواده ومؤسسات الكتاب به، من حسن تعامل وتجسيد للمعاني الحضارية.

لقد صار معرض أبو ظبي الدولي للكتاب مركزا إقليميا ودوليا رائدا إلى جانب الفعاليات الأدبية والثقافية الثرة التي ترافقه في إطلالة شاملة على المشهد الثقافي في الخليج العربي بصفة خاصة وفي الوطن العربي بصفة عامة، وموفرة مجالا لعرض مختلف الثقافات العالمية بحيث أضحت مدينة أبو ظبي أما للثقافة، من أحضانها تنطلق، بشائر الفكر والإيمان مستندا ضمن مهرجان سنوي تتنوع فيه الكتب والاصدارات بين الشعر والقصة و الرواية والفلسفة والدين وجميع فنون وأشكال المعرفة وكتب الأطفال والتراث والكتاب العلمي والأكاديمي وكلها تحاكي في موضوعاتها الكثير من القضايا المجتمعية، وتكون لسان حال الإنسان أينما وجد على وجه البسيطة. ونحن في المغتربات لدينا شغف كبير بمتابعة التطورات الثقافية في بلادنا الأصلية و كل ما يتعلق بصناعة الكتاب و حواضنه المتمثلة بالمعارض والمكتبات العامة والخاصة ، إضافة إلى أهمية توفير قنوات تواصل بين المثقفين والأدباء والناشرين من جهة والطلبة والشباب من جهة أخرى، بالإضافة إلى توفير وعاء معرفي ثري تنهل منه أجيال المستقبل.

من هنا تولدت قناعة كبيرة بأن معرض أبو ظبي الدولي للكتاب يعتبر الحدث الثقافي الأكبر في المنطقة وبيئة معرفة ثرية تنهل منها أجيال المستقبل وتظاهرة ثقافية ومعرفية تؤكد أهمية الكتاب في نشر الثقافة والارتقاء بالمجتمعات والشعوب معرفيا وثقافيا. ولذلك فإن المعرض يمثل فرصة للتواصل مع دور نشر إقليمية ودولية لبحث فرص التنافس والتعاون في مجال النشر والترجمة. كما يقدم العديد من الفعاليات التي تعنى بالأطفال في رهان على ثقافة الاستدامة التي تتخذها هذه الدورة رهانا أساسيا لها.

وبحسب مصادر مطلعة تعتبر دورة هذا العام من معرض أبوظبي الدولي للكتاب الأكبر من نوعها في تاريخ المعرض، حيث تجاوز عدد المشاركين المعارضين 1300 مشارك من أكثر من 85 دولة، وينظم المعرض أكثر من 2000 فعالية ثقافية وأدبية وفنية على امتداد فترة انعقاده المستمرة لغاية الـ28 من أيار 2023.

لا بد من الاشارة إلى أن الكتاب مهما كان محتواه يمكن اعتباره دليلا حكيما للوصول إلى الحقيقة. يدعونا إلى اتخاذ موقف أكثر عقلانية من كل القضايا الانسانية وغيرها، ليوقظ فينا التفكير المنطقي والناقد، ويساعدنا كذلك على تحليل المعلومات والوقائع فنصبح قادرين على التمييز بين الغث والسمين، وما هو صحيح وما هو مزيف، وما هو حقيقي وما هو غير حقيقي.

مجلس شباب اللغة العربية

اللافت في أبوظبي للكتاب أنه يشهد تأسيس مجلس شباب اللغة العربية في محاولة منهجية جادة لتمكين العربية من استعادة حضورها في الحياة ومواكبة العصر و ما أحوج أبناء لغة الضاد و خاصة الشباب منهم إلى هذا الأمر اليوم و في المستقبل بعد التراجع الكبير في أداء هذه الرسالة من قبل المعنيين ولجوء جيل الشباب في السواد الأعظم منه إلى لغات أخرى يرطنون بها تعبيرا عن ثقافتهم و تحضرهم تاركين شوارع بلادهم وأرصفتها و حدائقها و منتدياتها و مراكزها التي باتت خاوية على عروشها و ازدادت حيطانها و أحجارها قساوة ما يدلل على أن اللغة العربية تواجه حزمة من التحديات، ما يتطلب حلولا ابتكارية، والكثير من المشاريع والمبادرات.

لعل مبادرة مجلس شباب اللغة العربية الهادفة إلى إغناء الحراك الشبابي في حقل اللغة العربية، وربطه بواقع الأجيال وحاجاتها، والإسهام بتمكينها من التطور والتكيف مع مستجداته، تأخذ طريقها إلى الترسيخ في أذهان الشباب العربي لتمثل إضافة نوعية للجهود في رفد العمل اللغوي بأفكار شابة معاصرة، وإدخال قضايا لغة الضاد في صلب اهتمام الأجيال الجديدة، بما يمكّنها من المشاركة في صياغة مستقبل لغتهم ودورها في التنمية الشاملة والبناء الحضاري وتعزيز دورها في العمل والعلم والتعليم والمجتمع، أبجدية للتفكير، ولغة للتعبير اليومي والإبداعي، وأداة لمواكبة نمو المجتمع العربي الحديث، والمستجدات العصرية في غير مجال على نحو ما ينادي به معنيون في هذا المعرض العريق و هم محقون في ذلك خاصة في ظل ازدياد هجرة الشباب العرب إلى بلاد الاعاجم و من يعود منهم إلى بلدانهم الاصلية لا يتحدثون العربية الا من رحم ربي .

في هذا السياق تفرض أسئلة عديدة نفسها مثل :

– هل يمكن أن تعمم هذه المبادرة في البلاد العربية والدول الاجنبية لتساهم في تعزيز ارتباط الشباب بهويتهم ولغتهم؟

– كيف يمكن إبراز دور الشباب وأهمية ومكانة اللغة العربية، والتعرف على الفرص العظيمة التي توفّرها في بناء الشخصية وتنمية القدرات ودعم جهود التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في الوطن العربي، وتوظيف مخزوناتها العلمية في مختلف القطاعات، والاستفادة من إمكانياتها في خلق التجانس وتعزيز الانتماء والتقارب والانفتاح على ثقافات العالم؟

– كيف يمكن تمكين الشباب لتصميم الحلول المبتكرة وفقا لاحتياجاتهم وتطلعاتهم وتحويلها إلى واقع ملموس خاصة أن اللغة العربية تواجه حزمة من التحديات، ما يتطلّب حلولا ابتكارية، والكثير من المشاريع والمبادرات التي تستجيب للتطورات المتسارعة؟

– هل يمكن إقامة ورش عمل متخصصة للشباب، وتنظيم ندوات تجمعهم بممثلي مجامع اللغة العربية في الوطن العربي، وتضمن تواصلهم مع مراكز البحث المتخصصة باللغة العربية، واستضافة محاضرين وباحثين من أصحاب الخبرة والتجربة في مجال تطوير معاجم اللغة وتحديثها، استلهاماً للتجارب الناجحة في الثقافات العالمية، بما يضمن استيعاب الخبرة العالمية، وتوظيفها في خلق نموذج عربي رصين يفعّل دور لغة الضاد في جهود استئناف الحضارة العربية الإسلامية؟

– هل توجد امكانيات لإجراء البحوث الميدانية وجمع الإحصاءات وتنظيم الاستطلاعات، لاسيما تلك المتعلقة بالمفردات المستحدثة، التي تمتلك حضورا في أنشطة الشباب العربي وحياتهم؛ ودراسة مدى إمكانية تكييفها مع اللغة العربية، وإدماجها في سياقها؟

أخير لا بد من التأكيد على ضرورة التميز والتفوق في مجالات اللغة العربية، قراءة وكتابة ومحادثة، إلى جانب التمتع بثقافة عامة واهتمام واطلاع بها، اضافة الى مهارات شخصية متميزة، على أن يكونوا من أصحاب الإسهامات والمبادرات المؤثرة في المجتمع، ضمن مجالات عمل مجلس شباب اللغة العربية ليكونوا نموذجا يحتذى لأقرانهم أينما كانوا وضرورة تعميم هذه التجربة وعدم الاكتفاء بالحديث عنها في المناسبات الثقافية الفصلية أو السنوية مع التأكيد على توجيه التحايا مقرونة بالعرفان إلى القيمين على معرض أبو ظبي الدولي للكتاب وهم أهل للمبادرات التي تسمن و تغني من جوع الثقافة العربية تحديدا لدى فئة الشباب .

 

كاتبة واعلامية

ألمانيا