المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

نكرة مقصودة

عماد يحيى عبيد 

ولدَ بعينينِ جاحظتينِ ووجهٍ يشبهُ إجاصةَ مقلوبةً، تقاسيمهُ متنافرةُ التناسقِ، منكباهُ عريضانِ وجذعُهُ ضامرٌ، وركهُ مكتنزٌ وساقاهُ رفيعتانِ، أذناهُ مصنّجتانِ للخارجِ كصحنينِ لاقطينِ، أيضا شفتاهُ متخاصمتانِ، العُليا تُرخي ستارتَها فوق السفلى مانعةً عنها حريةَ التبرّمِ، تلمعُ جبهتُه ولو في دكنةِ الغسقِ، شمّرَ عن عنفوانِه ما أنْ ارتطمَ بسنِّ اليفاعةِ، لم ترتقِ قامتُهُ أكثرَ من أكتافِ أقرانِهِ، خبّأ نواياهُ في قارورةِ رأسهِ، ومضى إلى غلواءِ عمرهِ يهزُّ صولجانَ تيههِ مصمماً على اعتناقِ مذهبَ الاختلافِ.
شطحَ بأفكارهِ ضارباً بعرضِ الحائطِ أعرافَ الزمانِ وتقاليدَ المكانِ، توجّسَ منْ شعائرِ الحبِّ خوفاً من أن تفترسهُ ظباءُ الشوقِ أو حمائمُ المسرّةِ، وعزفَ عن الزواجِ نكايةً بذرّيةِ الخليقةِ، تسيطرُ عليه حالةٌ من نزقِ النرجسيةِ، لا يشغلهُ إلا هندسةُ ذاتهِ بما يثيرُ فضولَ الأخرين المتسائلينِ عنْ غرائبيةِ هذهِ الخلطةِ الأدميةِ العجيبةِ، هكذا أراد لنفسهِ، شخصيةً حامضيةَ المزاجِ، لاذعةَ الطّعمِ.
دخّنَ الغليونَ في مقتبلِ شبابهِ حتى لا يتشابهَ مع مجايليهِ مدخني السجائرِ الرخيصةِ، لبسَ الأخضرَ بدءاً من حذائهِ وجواربهِ مروراً ببدلتهِ وقميصهِ وربطةِ عنقهِ وانتهاءً بقبعتهِ، وما أن رأى بعضهم يقلدهُ حتى تحولَ إلى الأحمرِ، ثم ركنَ إلى الأصفرِ تفرداً بشكلٍ لا يجرؤ غيرُهُ على التمثلِ به، وإمعاناً في التميزِ حملَ مظلةً صفراءَ تصاحبه شتاءً وصيفاً، نهاراً وليلا، ثم اقتنى سيارةً صفراءَ انتقاها بمقعدٍ واحدٍ فقط، كما واظبَ على قراءة الصحفِ الصفراءِ، وصارَ الاصفرارُ يلازمه في كلِّ مناحي حياتهِ، بأثاثِ بيتهِ وغرفةِ نومهِ وطعامهِ وشرابهِ، ولا ننسى غليونَهُ الذي طلاهُ بصفرةٍ مشاكسةٍ لأصلهِ الخشبي الجوزي العريقِ السلالةِ، فأضحى معروفاً بالرجلِ الأصفرِ في سائرِ المعمورةِ التي وطأتها أخبارُهُ.
فقط شعرَهُ وشاربيهِ ولحيتهِ تركهم على سجيتهم بلونهم الثلجي الفاقعِ المنحدرِ من أفعالِ مرضِ البهاق الذي تآلفَ مع اصفرارهِ.
تناهى إلى سمعهِ أنَّ هناك أنفاراً من الناسِ تماثلهُ في براصِ سحنتهِ ونصاعةِ شعرهِ وشاربيهِ ولحيتهِ، وبالرغم منْ أنّه يعلمُ أنَّ هذا التشابَهَ جاءَ بإمرةِ الخالقِ وليسَ تقليداً لهُ، إلا أنه امتعضَ للأمرِ وبدأت هواجسُهُ بالتململِ في قارورةِ رأسهِ المحكمةِ، صارَ يقلّبُ أخماساً بأسداسٍ للفكاكِ من هذا الكابوسِ الهاربِ من مناماتَ الليلِ إلى أحلامِ اليقظةِ، يرددُ في سريرتهِ: أنا لا يشبهُني أحدٌ.
شطحتْ أفكارُهُ إلى تكهناتٍ عديدةٍ، سافرَ إلى آفاقٍ غير مطروقةٍ، لابأس من العبثِ في ابتكاراتٍ سحريةٍ أو الدخولِ إلى عوالمَ اللامعقولِ، تذكّرَ قدراتَهُ غيرَ الخارقةِ، وصمّم أن يخرجَ من هذه الورطةِ بأقلِ الخسائرِ، ليبقى الوكيلَ الحصري للنسخةِ الوحيدة من أسرارِ التكوينِ.
دخلَ إلى الحمّامِ، تعرّى، حلقَ رأسَه حتى لصفتْ جلدتُه، ثمَّ أجهز على شاربيهِ، فلحيتهِ، وتابعَ حصادَهُ ليجزَّ كل أشعارِ جسدِهِ، فأضحى أملطاً ككائنٍ فضائي هابطٍ من كوةٍ في السماءِ، اطمأنَّ إلى تحولهِ الجديدِ، انتشى بقشعريرةٍ من الغي، طفحتْ على وجههِ ابتسامةٌ ماكرةٌ، خرجَ من الحمّامِ عارياً، توجّهَ إلى مرآةِ الخزانةِ الطولانيةِ، نظرَ إلى نفسهِ، ويا لهولِ ما رأى !!
ركضَ مسرعاً إلى دُرْجِ المكتبِ، أخرجَ مسدسَهُ الأصفرَ، عادَ إلى المرأةِ، نظرَ إلى شبيههِ الذي يقابلُهُ، وأطلقَ النّارَ عليهِ.
…..
 محام سوري – شاعر وقاص