حوارات هامة

[جان ستاروبنسكي، دكتور في الأدب والطب ]

ترجمة : سعيـد بوخليـط

تاروبنسكي :الطبيب والناقد الأدبي .ولد جان ستاروبنسكي، يوم 17نوفمبر 1920، بمدينة جنيف.أبوه طبيب، ينحدرمن أصول بولونية،هاجر إلى سويسرا. حصل ستاروبنسكي سنة 1942 على الإجازة في الآداب الكلاسيكية، لكنه سيتحول نحو الدراسات الطبية. سنوات(1953 1946)، زاوج بين الاهتمامين، الأدبي والطبي .صار محاضرا في الأدب الفرنسي، بجامعة جنيف،ثم طبيبا مساعدا في المصحة العلاجية لمستشفى “كانتونال”.خلال هذه الفترة،أصدر دراسة عن مونتسكيو.

سنوات(1956 1953)، وبدعوة من جورج بولي، انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل تدريس الأدب بجامعة جونز هوبكنز”.

سنة(1958)، أنجز ستاروبنسكي أطروحتين لنيل الدكتوراه :واحدة في الآداب بموضوع”جان جاك روسو،الشفافية والعائق.أما الأطروحة الثانية،فقد كانت طبية وبالضبط حول :تاريخ علاج المالينخوليا.بعد ذلك،أنهى اهتماماته الطبية،وعين أستاذا لتاريخ الأفكار،ثم أستاذا فوق العادة للأدب الفرنسي،في جنيف.

سنة(1961) ،أصدر دراسته :“العين الحية :كورني،راسين،لابرويير،روسو،ستاندال“(غاليمار).

سنة (1970) ،أصدر مؤلفه المعنون ب :“العلاقة النقدية”(غاليمار).أعقبته، خلال السنة الموالية، دراسة أخرى،تحت عنوان :“كلمات تحت الكلمات،الجناس التصحيفي عند فيرديناند دي سوسير”(غاليمار).

سنة(1982) ،كتاب جديد :“مونتين يتحرك” (غاليمار).

سنوات(1988 1987) ،صار أستاذا زائرا في كوليج دوفرانس.وأصدر خلال الحقبة،عمله : “علاج الشر. انتقاد وإقرارالمكر،حتى عصر الأنوار”(غاليمار).

سنة(1999) ،كتاب جديد :“فعل واستجابة،حياة ومغامرات زوجان”(سوي).

سنة(2005) ، دراسة  عن :سحرالأوبرا“(سوي).

سنة(2012) ،مؤلف بعنوان :“حبر المالينخوليا”.(سوي)

إذن، جان ستاروبنسكي ،فارس التحليل الأدبي الكبير ،لازال هنا “يمارس مهنته”باستمرار. فقد وصل سنه إلى الثانية والتسعين،مع ذلك أصدر على التوالي،عملين “سير-ذاتيين”،الأول عن “جان جاك روسو” والثاني عن “ديدرو”،ثم مصنفا يحوي نصوصا تتسم بالسوداوية.هي ربما إشكاليته الجوهرية،وصلة الوصل بين رافديه الأساسيين :دكتور في الآداب وكذا في الطب.

ستاروبنسكي،آخر من تبقى من هؤلاء البارعين الكبار،مثقفي وفناني القرن العشرين، زمرة تضم  مجموعة من الشراح وعلماء مهووسين بالأسلوب : بول بينيشو،موريس بلانشو،رينهارت كوزيليك، وكذا ماريو براز. ستاروبنسكي، الذي بلغ عقده التاسع، بوسعه أن يشفي الغليل ببحث مهم جدا، وبحجم على منوال الكلاسيكيات، بحيث يتداخل في الآن نفسه  بكيفية ملاحظة جدا،السيميولوجي بالعلمي،ومتعة الفن والأدب، ثم انغماسه في فكر الأزمنة الماضية، دون أن ننسى منشوراته التأليفية والنقدية، المتعلقة بروسو وديدرو، وآخرين إلى جانب معاصرين مثل “بيير جون جوف” jouve، وكذا صديقه “إيف بونيفو”.

هكذا،وبحسب تعبيره، فستاروبنسكي لازال “متأهبا”.طبعا، ومثلما ورد على لسانه : ((حينما تصل إلى العمر الذي وصلته حاليا،فهذا يعني بأن الساعة قد دقت، بهدف إعادة تجميع ما أنجزته سابقا)).بيد أنه،يستدرك قائلا :((لاتزال، هناك مشاريع مطروحة)).

سيشكل هذا اللقاء معه مناسبة،بغية الوقوف على تيماته الكبرى،و نتاجه،وحياته الحالية ومايتوخى بلورته،ثم ماتبقى له كي يوطد أسسه.؟ .

1:يمثل كتاب “حبر السوداوية”،أوديسة طويلة عبر التاريخ ورموزه.خلال هذا الصباح،وأنا على متن القطار الرابط بين باريس وجنيف،قرأت ثانية عملكم الرائع عن بورتريه “الفنان البهلوان” (1970).كما،استحضرت أيضا قراءاتكم الثلاث لبودلير(1990). ألم تشكل السوداوية باستمرار،إحدى الموضوعات الجوهرية لمشروعكم؟

ج-لقد لامستم الصواب.توجد معطيات مشتركة بين دراستي الأخيرة،وكذا البورتريه الذي استحضرتموه،حيث يلعب بودلير دورا معتبرا.الإحساس،بانتفاء الحقيقة يجسد أحد عذابات الوعي المكتئب.فكيف تأتى لي إدراك هاته التيمة؟لقد اتجهت أولى مشاريعي الأدبية، صوب الكاشفين عن الأقنعة :لاروش فوكو،يعتبر انعكاسا لقرن كبير بسماء ليلية،بتيولوجيته التي تخبر عن الخطيئة المتوارية،والغطرسة التي تعتمل داخل القلوب،ثم شهية ورغبة التملك،إلخ.روسو وستاندال، كانا شاهدان على نزاعات حقبتهما،ثم درجة العتمة لديهما،الممتزجة مع التي يشعران بأنها تحيط بهما؟خلال زمن الحرب،إبان دراساتي الأدبية المفضلة،وحتى في بلد محايد كما الشأن مع جنيف،فقد تأملت حقا،الخطر المرتبط بأذية،”الظاهر” وكذا أوهام ” الأصيل”.كم هي البواعث المؤكدة،لم تكن قائمة سنة 1942،كي تحمل فائدة دائمة لتيمة القناع المغامرة وكذا السوداوية !هكذا تأسس مشروع عمل،يتضمن  سلسلة دراسات أدبية تهتم بأعداء الأقنعة .في الآن ذاته،بدأت دراسات طبية.حينما انخرطت في التخصص الأدبي الجديد،حظيت بفرصة،أن أشغل لمدة ثلاث سنوات،منصب أستاذ جامعي محاضر،في كل الآداب،إلى جوار”مارسيل ريمون” صاحب كتاب مهم عن القصيدة الشعرية من : “بودلير إلى السوريالية”،وأحد أساتذة النتاج المتعلق بالإصدار النقدي الكبير لأعمال روسو في مكتبة “لابلياد”la pléiade .كانت مجالاتي للتدريس،في جامعة جنيف تهم من جهة الأدب الفرنسي والطب والأنثروبولوجيا الطبية.غير،أنه حتى في غضون السنوات،التي انتقلت خلالها إلى جامعة”جونز هوبكنز”،فقد أبقيت على اهتمامي سواء بالطب وتاريخه،بحيث أسفر المسار المزدوج،عن أطروحة في الأدب تنصب على روسو،وأخرى طبية تمحورت على كيفية علاج السوداوية،فصدرا بشكل متزامن تقريبا.هكذا،فإن كتابي المعنون ب”حبر السوداوية”،ينتمي كليا إلى هذا الجانب المهتم بالدراسات المقارنة.

2-س-من بين الشخصيات التي منحتموها مكانا في مصنفكم،نجد ديمقريطس،فيلسوف أبديرا؟

ج-بالفعل،يعتبر ديمقريطس،الشخصية التي قد يبدأ معها تاريخ للمالينخوليا.وبين صفحات الأسطورة الموسوعية،هو الفيلسوف الذي سخر من جنون العالم،بحيث يعود مرحه الصاخب إلى مصدر اسمه “بيلة سوداء” la bile noire،الذي يترجم بدقة المصطلح اليوناني. خلال القرن السابع عشر،تبنى الموسوعي الأوكسفوردي “روبير بورتون”،اسما منتحلا “ديمقريطس الأصغر” أو “ديمقريطس الجديد”،فأخرج عملا موسوعيا رائعا،عنونه ب”تشريح المالنخوليا”، لقي نجاحا كبيرا جدا، منذ ظهوره.لقد كان جردا تصنيفيا واسعا،لأنواع الجنون في العالم باختلاف التجليات الفيزيائية والأخلاقية للمالينخوليا،عبر القرون وكذا الشروط المجتمعية.قراءة،استند عليها كثير من الكتاب.إحدى مقالات مقاربتي،تستعيد ثانية التوطئة التي أنجزتها،بخصوص الطبعة الجديدة للترجمة الفرنسية الصادرة عن الناشر كورتي.

3-أطروحتكم في الطب،التي وفقها يفتتح كتابكم،تصف الانتقال من تأويل مادي للمالينخوليا،القائم على فكرة تدفق مفرط داخل الجسم لعنصر “البيلة السوداء”،التي أشرتم إليها،إلى رؤية “علائقية” كما لو تنبعث من اختلال على مستوى العلاقات مع الآخرين؟

ج-نظرية المالينخوليا،تولد في اللحظة التي يتوخى خلالها الفلاسفة والأطباء،تفسير الخوف والقلق واضطرابات الفكر،بعلة طبيعية،يمكنها استبعاد التأويل الأسطوري. ليس الآلهة ولا الشياطين ولا الليلة الغامضة،من عكر صفو عقل البشر،بل فقط هم ضحايا نتيجة تكدس مفرط، لمادة معينة في أجسادهم. إن الافتراض،المتأخر نسبيا للأطباء القدامى،قد أدخل في الواقع المالينخوليا-ينبغي هنا الإشارة إلى المفهوم-ضمن مجال يبحث في أسباب المرض(إتيولوجيا). خطأ الاضطراب،يجب التماسه ثانية في الفعل الغاضب جراء وجود “بيلة” une bile،تفتقد للون الذي يفترض أن تكتسيه ،لذلك فسدت وصارت سما،يتأتى من أجل تسميم الكائن الحي.باختصار،التقليد الذي يجمع بين المالينخوليا وكذا الكآبة،جعل ولفترة طويلة من الأخيرة،المسئولة عن مختلف الاضطرابات.هكذا،نجد أنفسنا حيال ماسماه باشلار،ب”خيال جوهري” أومادي. واحتاج الأمر،إلى كثير من  النزاعات و تطورات اللغة الطبية،والتي انطلاقا من نهاية القرن التاسع عشر،بل وقبل ذلك بقليل،حينما تم الاهتداء أولا إلى التحليل النفسي، أمكن هنا التحدث عن تثبيتات أو مكبوتات ،و”إخفاقات”في لعبة مسارات السائل العصبي واختلال تواصلي بين الخلايا الدماغية.بذلك، صار رهن إشارة اللغة،ألفبائيات وبيانات مغايرة من أجل إدراك المالينخوليا.

4-س ماتقولونه،يستحضر تلك التغيرات في النماذج التي حللها مؤرخ العلم توماس كوهن في عمله الشهير :بنية الثورات العلمية.كما الحال مثلا في الميكانيكا،مع الانتقال من المفهوم القروسطي عن القوة الدافعة إلى القصور الذاتي الغاليلي؟

ج-ما حاولت بالفعل تعريفه،هذا التغير في النموذج،وكذا مثال آخر عن الجهاز العصبي أو الجهاز العضوي ككل.إننا في مجال،يركن معه الفكر إلى مجازات بوسعه التطورمعتمدا عليها،والتي تمكنه من تحضير ممارسات أحيانا سعيدة،لكن من المهم الإبقاء دوما على الوعي بأن الأمر لا يتعلق هنا فقط بمجازات ،وأن نماذج ثانية يمكنها الظهور انطلاقا من عناصر جديدة،بحيث يمكننا افتراض أن لها دور يجب أن تلعبه بالنسبة للظواهر التي نتأملها.اللغة تتبدل،اللغة ستتغير،حينما يطرح بديهيا،عنصر سيحول نماذجنا، وكذا العلاقات التي نستحضرها كنماذج.

5-س نلامس هنا بعدا داخل عملكم، لمفهوم النوستالجيا،توضح عبر دراسات أخرى في كتاباتكم، غير أنه يبدو كأنكم لم تبحثوا كفاية في تطويره،اللهم في كتابيكم الرائعين اللذين قاربا الفن قبل وأثناء الثورة :“إبداع الحرية وشعارات العقل”،وكذا في “فعل ورد فعل” :أقصد تحليل فكر الزمان،ثم مايدور في إطاره باعتباره”إبيستيمي”،كما فعل ميشيل فوكو في عمله”الكلمات والأشياء”؟

ج-دون أن أكون باستمرار متفقا مع فوكو، أشعرمع ذلك  بالألفة نحو الكيفية التي يسلكها. لقد كان له نزوع، كي ينقل رؤيته نحو الآفاق التي يقاربها، والقليل جدا ممن يستطيع ذلك، بعلم. في جامعة “جونز هوبكنز” التقيت الشيخ “أرثور لوفيجوي” مؤسس مبحث تاريخ الأفكار، الذي أقدر لديه تأريخه الكبير لوضعية المجتمعات الفطرية،وكذا أنطولوجيته عن نوستالجيا الأزمنة الغابرة،  التي جمعها بالتعاون مع الفيلسوف”جورج بوا”.من جهتي،إذا بقيت على الأقل،عند التحليل الأدبي،فهذا ربما يعود إلى وضعيتي في جنيف.التاريخ الأدبي،مثلما أدركه مارسيل ريمون،لم يختزل إلى ذاته،وقد انزوى داخل مجاله الوحيد،بل رغب ريمون في وصله بأعمال مختلفة بما في ذلك الفلسفة.كان التحليل الأدبي،عند ريمون مثل مشروع يتأمل تاريخ الأفكار،حيث الأهمية الشديدة للجانب الشخصي.هذا ما أتوخى بدوري القيام به، لكن بانزياحات كبيرة. من الذي سيقابل مثلا، أكثر كيركجورد وقد تطرقت إليه في “حبر السوداوية”،من ديدرو الذي ركزت عليه كثيرا خلال الفترات الأخيرة؟إنه شخص، يستمع خلال كل لحظة إلى الذين يتكلمون،يصغي أو يتخيل الإصغاء لصخب المعارك،داخل لوحات ينبغي من كل جهة إدراك شيء ما،بواسطة جميع الحواس.

6-س- إنه تقريبا رسم ذاتي،لكن قبل الوصول إلى هنا،فإحالتكم على كيركجورد،الذي خصصتم له في مؤلفكم “حبر المالينخوليا” دراستين باهرتين جدا،يقود إلى طرح التساؤل حول علاقتكم بالفلسفة.فهذه الدراسات مثل أخرى،لايمكنها أن تقودكم صوب هذا المجال.مع ذلك،يبدو أيضا بأنه جنس لاتتوخون حقا استعارته؟

ج-علاقاتي بالفلسفة،لم تكن في الواقع مباشرة.لكن بعض الفلاسفة الذين التقيتهم، أثروا في كثيرا.أفكر مثلا في “جون وول” الذي دعاني إلى مجمعه الفلسفي،وكما تعلمون فقد كان أحد الشارحين الكبار لكيركجورد.كانت لدي كذلك صلات قوية مع “جين هيرش”، واحدة من تلاميذ ياسبرز.لم تكن لي علاقة بالأخير،لكني رأيته غيرما مرة بمدينة “بال”السويسرية حيث كنا نحاضرمعا في الجامعة.كارل ياسبرز، شخص قدير جدا،يرتدي دائما بكيفية مثالية،ويترجل من سيارة سوداء طويلة،نوع “ليموزينة”limousine .استفدت أيضا من حواراتي،مع بعض الأصدقاء مثل “ميرلوبونتي” أو”إيريك ويل” الذي أسس مع “باطاي” “المجلة النقدية”.إنه متخصص في فكر النهضة،وتلميذ سابق ل”كاسيرر” وصديق مؤرخي حلقة”وربرغ”، وجماعة “ساش ” ثم ربما “بانوفسكي. كان كذلك، عارفا جيدا ب “هيغل”،ومحاورا صلبا،شكل معه النقاش تجربة مثيرة بكل المقاييس.

7-س- بشكل مفارق،لم يتحدث عملكم إلا قليلا عن نيتشه وشوبنهاور،مع العلم أنهما قريبان جدا من موضوعاتكم؟

ج- صحيح،لم أكن حقا قارئا دقيقا لنيتشه،كما أني لم أطلع كفاية على نصوص شوبنهاور،الذي أثر مع ذلك في جيل كامل من الكتاب مثل “لافورغ” و”جيد”Gide،إلخ.لكن على أية حال، فقد ركزت على الأول،من خلال روسو والموسيقى.سيظهر،روسو مثل حلقة تتوسط أوبرا النهضة ومفاهيم نيتشه. إنه، عمل ينبغي علي تناوله ثانية.

8-س في نفس الآن،نشعر وكأن ماتحتفظون به قبل كل شيء،مثل ديدرو، ذلك الحوار مع الآخرين.الآخرين،بشكل خاص؟

ج-أنا قارئ،يستمتع بالقراءة،ويحاول استيعاب هذه السعادة،ويجد فيها خلال كل مرة بنيات نموذج جديد.أقول،أن مايهمني،هو العلاقة،لذلك وضعت عنوانا لأحد مؤلفاتي :العلاقة النقدية.

9-س في “حبر المالينخوليا”،وردت لديكم هذه الجملة((أن تكتب معناه تحويل استحالة أن تعيش،إلى إمكانية للقول)).فما هي صلات، المالينخوليا بالفن؟

ج-قد أجرؤ على التصريح،أن المالينخوليا ليست حضورا دائما،في الوعي الشخصي.لكن،يمكنها أن تعيش ،كمرحلة في التطور أو التعبير الشخصي.مرحلة، ما إن يتم تجاوزها،حتى تترك أثرا وذاكرة،وشعورا بالذنب أو التحسر.هكذا،تتقوى عودة وتأويل للذات،وإبداع لقاموس،يتأتى كي يصف ماوقع،ثم يصنف الواقعة معلنا الانتقال إلى حياة جديدة ،وتفوق على الذات.من هنا،كانت المالينخوليا،أحيانا لاسيما بين عصر النهضة والقرن التاسع عشر،تستعيد نماذج قديمة،يرمز لها بالنزول إلى جهنم،واجتياز منطقة مقفرة، أوغابة، إلخ.يتجلى هنا،إعداد كامل من أجل موضعة الحقبة المؤلمة،وفي نفس الآن الانفصال عنها.أيضا،هل ينبغي وقوع هذا داخل جماعة لغوية،حيث المالينخوليا المتجلية،بوسعها العثور مرة أخرى على نقطة التقاء،ووعي يدمج وسط الجماعة المجتمعية.المالينخوليا،تبعد الفرد. بينما تخلصه منها،فيعيد أحيانا دمجه في إطار علاقات أخرى.

10-س-وأنتم هل اختبرتم السوداوية؟

ج-لا أعرف،لم أطرح قط على نفسي السؤال.أنا قارئ للغة،أو بالأحرى خطابات حول المالينخوليا، مع حرصي على أخذ مسافة .أربطها بأعمال موسيقية وأدبية،إلخ،وأتوخى التركيزعلى عناصرها التأسيسية،والدواعي التي تسكن نصا أو كذلك تأثير الأسلوب والقطائع والتوقفات ثم النتائج ،التي تمكن من سبرمعاناة،وتوقف فكر عن التدفق.غير،أنه في الجوهر،لايمثل هذا حاليا اهتمامي الأساسي.لقد صرت قارئا،يبتهج حينما أتبين داخل نص جميل،نصا موسوما بقوة حضور المؤلف،مشكلا عالما أكثر رحابة من الذي فكر فيه،الكاتب.

11-س- إحدى المقالات الرائعة لكتابكم :“مالينخوليا،يوم رائع”،تطرقت إلى “بيير جون جوف”الذي كنتم على معرفة جيدة به،بل كتبتم مقدمات لبعض أعماله،وأصدرتموها. حينما ،نقرؤه نشعر في قيرورة أنفسنا،أنه لم يحظى بعد  بمكانته التي ينبغي تمتعه بها ضمن الذين يشغلون المواقع الأمامية في أدبنا؟

ج-أعتقد فعلا،أنه رجل سنكتشفه ثانية في تركيبيته،من خلال عظم بعض نصوصه ثم ضعفها أيضا.ستلزمنا،على الأقل السنوات المقبلة ،الانكباب على قراءة إنتاجه ،الذي تم التنكر له والمتعلق بحرب1914 .لقد كان أحد رفقاء “رومان رولان” الداعين إلى السلم.سنة1917،وفي خضم الصراع العالمي،سيقدم في مدينة”زوريخ”قراءة لأطروحاته إلى جانب “ستيفان زفيغ”.هكذا،سنتعود كي نتأمل عن بعد ،ما أحدثته فيما بعد حرب 1914،خلال هذا القرن،بحيث شكلت في العمق الدخول الكبير إلى مأساة أوروبا.

12 مانحتفظ به خاصة من هاته المقالة،بعض المقاطع الساطعة،وتعليقاتكم بخصوص عالم مقفر.كما لو أنكم،تتوخون أكثر ولوج هذا العالم صحبة قرائكم،من أجل تحليله خاصة،وبالتأكيد الحكم عليه،لكن بشكل اقل؟

ج-لم تستهويني في الواقع،ما يمكن تسميته بمونوغرافية كاتب (دراسة تتعلق بموضوع واحد) ينبغي أن نقيم بخصوصه تشخيصا أو حكما.أعرف،ما هي قوالب المالينخوليا،بحيث أكون لحظة تجليها، في مستوى تشخيص إن تعلق الأمربقاموس أو لغة،قد تكون أثرا لتجربة من هذا النوع.هكذا،أتواجد إذن بين ثنايا النص أكثر من صاحبه.

13-س- هو وضع تأملي؟

ج-إنه وضع تأويلي للنصوص وتحليل للخطاب،لكن كمنتبه لرهاناتها وليس فقط بناءاتها.يتعلق الأمر،بفهمها وإظهارمايشتغل داخل النص،لكن في إطار صلة مع قضايا تعتبر بالنسبة إلي، قضايا تهمني أيضا،فأختار من بين المؤلفين،الذين ساهموا في تشكيل نوع من الفكر،ليس فقط وطنيا،لكنه بمثابة جواب عن الماضي،أوبلغة ثانية العالم المعاصر.لم يتم التخلي عن الكاتب،غير أن التركيز سينزاح منكبا على المعنى الصادر،مما منحه إلينا،كي نقرأه.

14-س-هي كذلك لذة جمالية بالنسبة إليكم؟

ج-حتما،حينما يتعلق السياق بكتاب مثل “روسو” و”ديدرو”،فستتجلى الصفحة أمامنا،واللوحة أمام أعيننا،شيء ربما أفلت للكاتب،لكنه يشكل لقراءتنا،مثل التماس لأفعالنا وكذا فهمنا.إذن،موقفي ليس بموقف الإكلينيكي،الذي يتوق نحو تصنيف هذا النص أو ذاك،ضمن فئات،بل قارئ يترك دائما لقرائه الخاصين،إمكانية الذهاب أبعد،بحيث يوقظ لديهم،رغبة أن يتمثلوا وفق منهجيتهم الذاتية،التي تبقي على المجال مفتوحا من أجل متابعة القراءة.إجمالا، يتعلق الأمر،بأفعال للقراءة.لذلك،فالنقد أساسا بالنسبة إلي،مهمة تفهمنا كيف تبدأ الكتب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق