قراءات ودراسات

“كحقلٍ مليءٍ بالفراشات”.. تشظّي الهوية وصراع الأجيال

محمد جبعيتي

تنهض رواية “كحقلٍ مليءٍ بالفراشات” للروائية الجزائرية ياسمينة صالح، والصادرة حديثاً عن دار فضاءات في العاصمة الأردنية عمّان، على بناءٍ سرديٍّ بسيطٍ بحبكةٍ متقنةٍ، إذ تسرد الكاتبة الأحداث والوقائع بتسلسل منطقي، يخلو من الفوضويّة أو التفكّك. حكاية تدور حول “سي السعيد” الشخصية الرئيسة في الرواية، الذي تحوّل من إقطاعيٍّ “فاسد” ومدلَّل إلى ثائرٍ قوميٍّ وبطل من أبطال جبهة التحرير، حدث ذلك بالصدفة أو دون رغبة وقناعة كاملة، وربما “ليس من أجل الوطن، بل لأجل قضية تخصُّني وحدي، واستقلال لا يعني سواي!” كما يقول، بعد أن تورّط في إخفاء أحد المطلوبين للقوات الفرنسية، ما أدّى لمداهمة بيته، ثم هروبه وانضمامه إلى الثوار.

تُنَوِّهُ الكاتبة إلى وجود قادة جاؤوا نتاجَ الصدفة والخطأ، وأشخاص دخلوا الثورة دون اقتناع، وخرجوا منها أبطالاً مُتَوَّجين، إذ كانوا في الأصل أنذالاً متواطئين، انضمّوا للثورة لتطهِّرَهم من خطاياهم وتبيّض ماضيهم. يتضح ذلك من خلال ما جاء على لسان “سي السعيد”: “لم يكن سهلاً الاقتناع بعدئذٍ بفكرة أن الثورة تقدر على غسل آثام الناس، لمجرد انتسابهم لها.. لم أكن لأقبل أن يصبح الزنديق قديساً بموجب انتمائه للثورة”.

طوال ليلة كاملة، أعقَبَت حادثة انتحار ابنه “الرشيد”، يبوح “سي السعيد” بذكرياته الأليمة إلى ابنته الغاضبة معترفاً بنذالته وخيباته، في محاولةٍ أخيرةٍ، ربما، لإصلاح العلاقة بينهما، فلعلّها تغفر له أو تتفهم ذاته المتشظية، هي التي ملأت الصحف بمقالاتٍ تُهاجمه واصفةً إياه بالزعيم الحزبي الفاسد.

تمرّ الحكاية بثلاث مراحل رئيسة: مرحلة الاحتلال الفرنسي للجزائر (قبل الثورة الجزائرية) حين كان “سي السعيد” إقطاعيّاً ومتواطئاً مع السلطات الفرنسية، ومرحلة الثورة الجزائرية التحررية حين تحول إلى ثائرٍ ومدافعٍ عن الجزائر، وأخيراً مرحلة ما بعد الاستقلال وتحوّلِه إلى رجُلِ سُلطةٍ وواحدٍ من الحزبيين الفاسدين.

مرحلة ما قبل الثورة الجزائرية

سلطت الرواية الضوء على فترة الاحتلال الفرنسي وما نتج عنها من علاقاتٍ شائكةٍ بين الدولة المُستعمِرة (فرنسا)، والشّعب الجزائري المُستَعمَر، أي العلاقة بين الذات الجزائرية والآخر العدو، بوصفها علاقة بين خصمين لكل منهما أهدافه الخاصة التي تتعارض مع أهداف الآخر.

في مرحلة ما قبل الثورة، برزت هذه العلاقة مع الآخر في مستوياتٍ عدّة: الإقطاعي المتواطئ غير المتعلم “سي السعيد”، والخائن المتعاون مع السلطات الفرنسية عمدة القرية “قدور”، ومعلم القرية المثقف والواعي سياسيّاً “عمر”.

نلاحظ أنّ شخصية “سي السعيد” موسومة بالمعاناة منذ الطفولة، فقد عاش تحت كنفِ والدٍ قاسٍ ومستبدٍ، ما ولَّدَ في داخله مكبوتاتٍ كثيرةً وتشظياتٍ نفسيّة. هذه السلطة الأبويّة التي ورثها عن والدهِ مارسها أيضاً مع زوجتهِ وأبنائه، وقبل ذلك مع الفلاحين الذين يعملون في أرضه.

ولد “سي السعيد” في قرية برناس على بعد 35 كيلو متراً من مدينة وهران عاصمة الغرب الجزائري، عاش سيداً إقطاعيّاً مغروراً، يظهر للفلاحين جبروته رغم إحساسه بالخواء الداخلي وشعوره بالنقص بسبب فشله في الدراسة. خلال هذه الفترة، تبرز شخصية “قدور” عمدة القرية وخادم مصالح فرنسا، تقول الحكاية إنّه تزوّج وأنجب بنتاً اسمها “زهرة”، رفض “سي السعيد” تنفيذ وصية والده بالزواج منها، ما ولّد العداوة والكراهية بينهما. وهناك شخصية “بلقاسم” اللقيط الذي يوظفه سي السعيد كفزّاعة من لحم ودم لترهيب الفلاحين، ثم مع بداية الثورة يتحوّل إلى أحد أبطالها، بعد أن غَسَلَتْ ذنوبَهُ وبيَّضَت ماضيه.

مرحلة الثورة الجزائرية

يظهر الوعي بضرورة الثورة والتفكير في مستقبل الوطن لدى الذات المُستعمَرة التي سُلِبت حريتها، فقرّرت تحدّي المستعمِر ومقاومتهِ. عدوى الثورة انتقلت إلى أشخاص مثل “بلقاسم” الذي اغتال عمدة القرية المتعاون مع الفرنسيين، والإقطاعي “السي السعيد” الذي كان أقل الثوّار حماساً وأكثرهم تشبثاً بالحلم، كلهم وجدوا في الثورة فرصةً لغسل شرفهم وتبييض ماضيهم، إذ استوعبت الثورة كل أطياف الشعب الجزائري.

يقول السي السعيد: “كنت جباناً خاضعاً لثورة تأتيني على شكل رجالٍ فهِموا الحياة كما لم أفهمها، وعاشوها كما لم أعشها، فاختاروا نهايتهم بقناعة!” ومن الرجال الذين فهموا الحياة إلى درجة أنهم استشهدوا من أجل حريتهم واستقلال وطنهم “الرشيد” قائد الكتيبة التي كان “السعيد” أحد أفرادها. كان يرى فيه رجلاً وطنيّاً شجاعاً، قبل أن يكتشف أنّه يحب الفتاة نفسها التي يحبها، عندئذٍ تحوّل من رجلٍ عاشقٍ إلى رجلٍ حاقدٍ. عاش “السعيد” الوهم الذي من أجله حارب فرنسا، وهذا الوهم كان على شكل امرأةٍ اسمها “جميلة” سرعان ما تلاشى.

مرحلة ما بعد الاستقلال وتشظّي الهوية

بعد الاستقلال تشظّت الذات الواحدة إلى ذواتٍ متضاربةٍ ومتناقضةٍ، وجدَ الجزائريّون أنفسهم مشدودين إلى قطبين مختلفين: الأول يمثّل القيم الجزائرية الأصيلة، والثاني متأثّرٌ بالآخر الفرنسي.

أصبح ثوّار الأمس رجال سلطة وأصحابَ مناصب، فتغيّرت القيم والأولويّات. لم تَعُدْ الأخلاق التي التفّ حولها الجزائريون واحدةً، إنما ظهرت الأخلاق السياسية والعنف السياسي واليأس والفراغ التي صارت تمثل سمات طبقة من السياسيين والعسكريين الفاسدين الذين نهبوا ثروات البلد. السّرد هنا قائمٌ على التساؤل، ما يشير، ربما، إلى مراجعة الذات بعد ارتكابها لفعل الخيانة: خيانة الوطن، والثورة، والشهداء، ورفاق الكفاح.

تعبّر شخصية “السي السعيد” عن حالة الاغتراب وفقدان الهوية وتصفية الحسابات مع الماضي. شخص يميل إلى العزلة والصمت، يظهر قويّاً ووطنيّاً أمام الناس، إلا أنه في العمق، فاقدٌ الاحترام لنفسه، يشعر بالدونيّة، ويرى نفسه نذلًا ببدلةٍ رسميةٍ وحقيبةٍ دبلوماسيةٍ.

قدّمت ياسمينة صالح في رواية فاضحة ومشاغبة، ذات طابعٍ تاريخيٍّ سياسيٍّ، الوطنَ بين الحاضر والماضي، وإشكاليّات الهوية والصدام بين الأجيال، والحياة والشهادة، بصفتها فرداً من أفراد هذا المجتمع، عبر لغةٍ شعريةٍ عاليةٍ تقوم على الانزياح، مشحونة بالترميز الرومانسي والإيحاء والتلميح لأهميتها في التأثير بالقارئ، وانفتاح النص الروائي على التأويل، إذ تُلْمِحُ المفردات وتشير أكثر مما تصرِّح. هكذا جاءت اللغة في النص مكوّناً رئيساً من مكوناته، أضفت عليه قيمةً فنيةً وجماليةً، ما كانت لتتحقق، لو أنه نُسِجَ بلغةٍ نثريةٍ عاديّةٍ.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق