قراءات ودراسات

التاريخ والعمران في فلسفة ابن خلدون (1)

ميثم الجنابي

التاريخ بالنسبة لابن خلدون هو العلم حول المجتمع الإنساني. انه ليس تاريخ الملوك والأفراد والجماعات والأديان والعقائد، بل تاريخ العمران. وبهذا يكون ابن خلدون قد نقل فكرة التاريخ إلى الميدان الواقعي بمختلف مكوناته ومستوياته ومساره التاريخي. ومن ثم نقل هذه الفكرة إلى مستوى الرؤية النظرية ومن بعدها إلى مستوى الرؤية الفلسفية. واشتق مصطلح “العمران” الذي يعادل معنى القوة الفاعلة في الصيرورة التاريخية للأفراد والجماعات والمجتمعات والأمم والدول وإبداعهم المادي والروحي، أي المصطلح الذي يحتوى على كل المكونات الجوهرية للوجود الإنساني. من هنا حديثه عن إن حقيقة التاريخ هو “خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم”.
ذلك يعني، إن التاريخ بوصفه علما هو خبر عن الاجتماع الإنساني بوصفه عمرانا، أي أن حقيقة الوجود الإنساني بالنسبة لابن خلدون مرتبط بحالة العمران التي ترتقي به من مصاف الحيوان إلى مصاف الإنسان. وبالتالي، فإن التاريخ هو أيضا صفة ملازمة للوجود الإنساني وإبداعه النوعي.
تحتوي الفكرة التي بلورها ابن خلدون عن إن التاريخ هو العمران على أبعاد كبيرة وعميقة بصدد فهم محددات التطور التاريخي للوجود الإنساني. وذلك لأنها تفرّق بين الزمن والتاريخ. فالأحداث ومجراها وما شابه ذلك هو زمن. بينا تتحول إلى تاريخ في مجرى العمران، أي في مجرى البناء والإنتاج والتطور العلمي والعملي والحفاظ عليه بهيئة بشر وعوائد. ولا يعني ذلك سوى الحفاظ على تراث الأسلاف الثقافي، أي على مجمل الانجازات الكبرى للثقافة التاريخية وتجارب الأمم في إبداعها.
فالعمران بالنسبة لابن خلدون هو ليس البناء والإنتاج فحسب، بل ومعنى تشكيل المجتمع الإنساني وقدرته على حفظ النوع واستمراره. وبهذا المعنى يصبح العمران حاجة وضرورة حياتية. عندها تصبح فكرة الإنسان بحد ذاته الأساس الجوهري في فكرة العمران، أي انه يتكلم عما يمكن دعوته بالعمران البشري. وانطلق من الفكرة العامة القائلة، بأن ميزة الإنسان عن سائر الحيوانات هو اختصاصه بخواص منها العلوم والصنائع. ذلك يعني، إن الصفة الجوهرية للإنسان التي تميزه عن عالم الحيوان هو تمكنه من الصنائع والعلوم، أي القدرة على الانتاج والتفكير. ووضع هذه الفكرة في أساس مقارنته بعمل الحيوانات الأخرى. فعندما قارن بين ما اسماه بالعمل الالهامي المميز للنحل والجراد، وبين الفكر والروية المميزة للإنسان، فإنه توصل إلى أن التمايز والخلاف الجوهري بينهما يقوم في أن تفكير الإنسان ليس معزولا عن عمله غير المتناهي وتطوره العمراني (الحضاري). حيث نعثر على بلوغ الفكر والروية، كما يقول ابن خلدون “في المعاش والاعتمال في تحصيله من وجوهه واكتساب أسبابه”. وبالتالي، فإن امتلاك الإنسان لطرق ووسائل العيش والعمل بمستويات وأساليب مختلفة مرتبط بافتقاره للغذاء في حياته وبقائه. بمعنى إن الإنسان قادر على البقاء في حال قدرته على انتاج غذاءه فقط. وإذا كان الحيوان يواجه الطبيعة بقدرات وأطراف خاصة به، فإن الإنسان أكثر كمالا وقوة بفعل فكره ويديه وآلاته، بوصفها امتدادا للبدن. فاليد مهيئة للصنائع. وبخدمة الفكر والصنائع تحصل للإنسان الآلات التي تنوب له عن الجوارح المعدة في سائر الحيوانات للدفاع مثل الرماح وغيرها. وهذا كله مرتبط بالفكرة العميقة التي بلورها ابن خلدون عن أن “الإنسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه. فالذي ألفه في الأحوال حتى صار خلقا وملكة وعادة تنزل منزلة الطبيعة والجبلة”. بعبارة أخرى، إن حقيقة الإنسان في صيرورته التاريخية الثقافية التي تجعل منه إنسانا بالمعنى الدقيق للكلمة كل من تجاربه الثقافية وبأثر العادة والتقاليد وليس بأثر طبيعته التي لا تختلف عما هو مميز للحيوان. وبالتالي، فإن حقيقة الإنسان تقوم في كونه كينونة ثقافية حضارية صرف.
وضع ابن خلدون هذه الحصيلة في أساس فكرته وتفسيره عن العمران البشري. فهو ينطلق من الفكرة العامة القائلة، بأن العمران ضرورة حياتية. وانه يرتبط بالاجتماع البشري ارتباطا عضويا. وإن الذي يحدد طابع هذا الاجتماع ومقدماته هو ظروف الناس المادية وتركيبتهم بوصفهم كائنات حية. فالاجتماع الإنساني (العمران) يقوم من وجهة نظر ابن خلدون بأثر الضرورة الحياتية، أي بسبب الحاجة لاستمرار وجودهم الإنساني وصيرورته الدائمة. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى وجوده الذي يستلزم الغذاء من اجل ديمومته واستمرار النوع. ففي موقفه هذا وتفسيره لهذه الظاهرة الضرورية للوجود الإنساني، تضمحل وتتلاشي الأفكار اللاهوتية والدينية، وعوضا عنها تأخذ بالتأطر فكرة علمية وواقعية دقيقة تقول، بأن القوة والمقدمة الملازمة والجوهرية بهذا الصدد تقوم في علاقة العمل والإنتاج، بوصفها علاقة انتاج اجتماعية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء الضروري لوجوده. إذ “لو فرضنا منه أقل ما يمكن فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ”. وكل هذا يحتاج “إلى ادوات والآت لا تتم الا بصناعات”. بل حتى في حالة كون هذا الإنسان يأكل أكله دون أن يعالجه، فهو يحتاج في تحصيله إلى أعمال أخرى كالزراعة والحصاد والدراسة، وهذه الأعمال بدورها بحاجة إلى الآت متعددة وصنائع”. فالإنسان يصنع الآلة ويستخدمها في نشاطه. والآلات هي امتداد لليد البشرية. وعندما يؤكد ابن خلدون، مستندا إلى آراء جالينوس حول أهمية الأعضاء للإنسان الفرد، فإنه يتوصل إلى استنتاج اجتماعي مفاده، إن “الواحد من البشر لا تقاوم قدرته واحد من الحيوانات العجم ولاسيما المفترسة منها. فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة. ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الآلات المتعددة للمدافع لكثرتها وكثرة الصنائع والمواعين المعدة لها. فلا بد في ذلك كله من التعاون عليه بأبناء جنسه. وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتم حياته”. وليست هذه الحصيلة سوى التدقيق والتحقيق المباشر للموقف أو المبدأ العام الذي قال به عن الترابط العضوي والضروري بين اليد والآلة والفكر بالنسبة للاجتماع الإنساني.
أما تأسيس فكرته العامة والخاصة عن “العمران البشري”، فقد استندت إلى مقدمتين، الأولى نظرية عامة تتعلق بمضمون العمران، والثانية تتناول علاقة العمران بالجغرافيا. فاختلاف العمران بأثر الجغرافيا (الأرض) بالنسبة لابن خلدون أقرب إلى الحقيقة الجلية. لكنه تأثير يقترن بما يمكن دعوته بفضاء الوجود العمراني. من هنا اهتمامه بالدور الذي تلعبه الجغرافيا في العمران. واعتبر ذلك من الأمور الجلية في حياة البشر ونمط حياتهم وبشرتهم وأمزجتهم وما إلى ذلك. بحيث نراه يفرد لهذه الجوانب ما يقرب الخمس وثلاثين صفحة. ثم يفرد ثلاث مقدمات أخرى لدراسة تأثير الهواء (الجو) في ألوان البشر وأخلاقهم وأبدانهم. لكنه توصل في مجرى دراسة أثر الأرض والمناخ إلى أن قوة الإنسان وذهنه ولونه وصفاء بشرته مرتبط بنوعية الاغذية. فمثلما نجد الحيوانات تتباين في أشكالها بفعل تباين الطبيعة، فإن ذلك يجد انعكاسه في الإنسان أيضا. بمعنى أن الطبيعة تتحكم بمظاهر الوجود بما في ذلك الإنساني. وذلك لأن الإنسان حيوان وابن الطبيعة. غير إن هذا الاستنتاج يمس ظاهر ومظاهر الأثر الطبيعي في طبيعة الإنسان ومن ثم العمران. أما الجانب الباطن لهذه الظاهرة فيقوم في تحديد الصفات والآثار المعنوية للوجود الإنساني وقيمه. من هنا قوله بأن البلادة من التخمة، والحسن من الاعتدال. ومن ثم يمكن تطبيق ذلك أو رؤيته في أخلاق الناس على العموم. وبأثر ذلك توصل إلى استنتاج عميق من الناحية العقلية والأخلاقية يقول، بأن من “يهلك في المجاعات إنما قتلهم الشبع المعهود السابق، لا الجوع الحادث واللاحق”.
إن استعمال ابن خلدون لمصطلح العمران عوضا عن الاستعمال الشائع لمصطلح المدنية السائد عند الفلاسفة يعكس دقته في التعبير والرؤية. إضافة إلى المضمون الجديد الذي يتضمنه هذا المصطلح. إذ وضع في أساس فكرة العمران بوصفه القوة الدافعة للتطور الإنساني مفهوم “وسائل العمل” وأدواته، ودورها الحاسم بالنسبة لفكرة العمران نفسها. فالإنسان لا يمكنه القيام بشيء دون إنتاج وبدون آلات كما يقول ابن خلدون. فهي المقدمة الأولية والضرورية والجوهرية بالنسبة للوجود الإنساني والعمران البشري. الأمر الذي يجعل من العمران فكرة تحتوي على معاني القوة الابداعية للرقي الإنساني، والمدنية، والثقافة، والحضارة. بمعنى جمعه إياهم جميعا تحت مظلة العمران. غير أن المعنى الذي يرتقي إلى مصاف الرديف الفعلي لمعنى العمران هو الإبداع الثقافي المادي والروحي، أي انه يعادل معنى الصيرورة النشطة في الوجود الإنساني وتطوره. وهو استنتاج مبني على أساس ما وضعه ابن خلدون من جوانب ثلاثة في صلب معنى أو مقدمة فهم ظهور وتطور العمران وهي كل من الكينونة الاجتماعية للإنسان (الإنسان كائن اجتماعي)؛ والطابع الضروري والطبيعي للاجتماع الإنساني؛ وإن الاجتماع هو العمران. وهو المنهج الذي ميز رؤيته التاريخية عن غيره ممن سبقه.
إن العمران بالنسبة لابن خلدون، هو أحوال الناس ومستوى تطورهم، والدولة والسلطة والنظام السياسي (الملك)، ومراتب تطور الدول، وطرق الحصول على وسائل العيش، والصناعة والزراعة. من هنا حديثه عن العمران البدوي والعمران الحضري، والذي يطابق فيه بين العمران الحضري والمدنية. من هنا يمكن التوصل، إلى أن أحد معانى العمران يعادل معنى الثقافة في اللغة المعاصرة، والعمران الحضري يعادل معنى الحضارة. ذلعن، أن العمران يشكل المعنى الجوهري في فلسفة التاريخ الخلدونية. وفيه ومن خلاله يجري الكشف عن مهمة علم التاريخ وفلسفته. وهي الفكرة التي يمكن استمدادها من آراء وأحكام ابن خلدون عن أن صحة أو سلامة الحقائق التاريخية المعروفة تقوم في مدى مطابقتها للواقع. فهو المحك الذي يبرز الصحيح من الخطأ أو الحق من الباطل. أما ميدانه فهو العمران، والذي يقصد فيه ابن خلدون مختلف جوانب الوقائع والحقائق ذات الأهمية بالنسبة للتاريخ والعقل النظري. إذ إنها تبلغ هذا المقام حالما تكون جزء من العمران، أي من التاريخ الحقيقي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن “القانون في تمييز الحق من الباطل في الأخبار بالإمكان أو الاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشري الذي هو العمران، ونميز ما يلحقه من الأحوال لذاته، وبمقتضى طبعه، ما يكون عارضا لا يعتد به، وما لا يمكن أن يعرض له. وإذا فعلنا ذلك كان لنا ذلك قانونا في تمييز الحق من الباطل في الأخبار، والصدق والكذب بوجه برهاني لا مدخل للشك فيه”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق