بقلم خديجة مسروق (الجزائر)
تعد الرواية أشهر فن نثري في العصر الحديث، تشكل من أفكار ورؤى فلسفية يتبناها الروائي، ويعمل على تقديمها في الصورة جمالية وموضوعية.
والمعروف أن الرواية جنس أدبي ينفتح على مختلف الأجناس الأدبية الأخرى، على تنوعها واختلافها، حيث تتجاوز المألوف، وتكسر النمطية، بحثا عن التميز، وتحقيقا لجمالية فنية تثير القارئ.
يعمل الروائي العربي على ممارسة التجريب، من خلال الكتابة الإبداعية، وخلق أشكال أدبية مغايرة تتلاءم وطبيعة المتلقي للنص الروائي في العصر الحديث، فتوجه إلى التراث، لاسيما التراث الصوفي لينهل من معين الصوفية.
وكان الادب العربي قد عرف تجربة الكتابة الشعرية الصوفية منذ القدم، إذ ظهر الشعر الصوفي في (أوائل القرن الثاني الهجري على يد الحسن البصري، وتلامذته من بعده، وأقدم هذا التراث خلفه المتصوفة الأوائل من الشعراء بداية من رابعة العدوية (135 هـ) وسهل التستري 283 هـ، والحلاج، والشبلي، وأبو زيد البسطامي، وغيرهم من مختلف العصور) 1
فكان للخطاب الصوفي حضور قوي، بخصوصياته الفنية الجمالية وأبعاده الفلسفية، كما أن للغة الشعراء المتصوفة خصوصياتها، بما تحتوي من رموز وإرشادات تضفي على النص الادبي هالة من الروحانية والقدسية.
وتعد رابعة العدوية أشهر امرأة متصوفة كتبت الشعر الصوفي ولم تعرف امرأة غيرها على الاطلاق خاضت هذه التجربة هذه التجربة (كتابة الشعر الصوفي) على مستوى الادب العربي.
لقد عرفت الساحة الأدبية العربية شواعر سجلن حضورهن بقوة، واعمالهن الشعرية شاهدة على ذلك.
فكانت المرأة العربية تصور في أشعارها تجارب إنسانية تتوجه بها إلى القارئ في كل زمان ومكان.
وكانت المرأة الجزائرية في المشهد الادبي هي الأخرى قد مارست كتابة الشعر، وظلت كتاباتها محصورة في الموضوعات الاجتماعية والوجدانية، دون أن تخترق عوالم الكتابة الصوفية.
واستطاعت أن تثبت مهارتها الإبداعية، فانتقلت من كتابة الشعر إلى الابداع الروائي في العصر الحديث.
وتعد الأدبية ربيعة جلطي احدى المبدعات الجزائريات وكانت قد أصدرت ديوانها الشعري الأول في العام 1981م بعنوان (لوجه غير بارسي)، وتلته عدة دواوين، لكنها لم تتوقف عند كتابة الشعر، بل استطاعت أن تلج عالما آخر من الكتابة، فاختارت الرواية لتعبر عن طموحها الذي لا يتوقف عند حدود كتابة جنس ادبي معين.
فقد شهد مطلع العقد الثاني من الالفية الثالثة ميلاد أول رواية لها بعنوان (الذروة) ثم بعد ذلك أصدرت رواية (نادي الصنوبر) ثم رواية (عرش معشق) فروايتي (حنين بالنعناع) و(عازب حي المرجان) وفي العام 2019 أصدرت رواية (قوارير شارع جميلة بوحيرد).
عبرت ربيعة جلطي في اعمالها الروائية عن موضوعات مختلفة، سياسية واجتماعية ووجدانية، فكان لها حضورها الادبي الذي تنوع بين الكتابة الشعرية والابداع الروائي.
يعرف المشهد الادبي الجزائري اليوم تدفقا كبيرا للكتابة الروائية النسوية، حيث تذهب الناقدة هويدا صالح في قولها؛ بان الرواية هي (الحيز الأكثر رحابة لإعلاء صوت النساء، وانطاقها بلسان حالهن… عانت المرأة طويلا، وغابت أو غيّبت من المشهد الادبي … حاولت مقاومة التهميش … صارت الكتابة فعل خلاص لها) 2 نستخلص من هذا ان المرأة العربية وجدت في الرواية فضاء واسعا لتسجيل حضورها ادبيا على المستوى المحلي والدولي.
وتنوع الخطاب الروائي السنوي الجزائري والعربي، غير انه لم يخرج في عمومه عن دائرة الدفاع عن حقوق المرأة وتصوير معاناتها داخل المجتمع الذكوري.
ربيعة جلطي من بين الروائيات الجزائريات اللواتي حملن لواء الكتابة عن حياة المرأة في المجتمعات العربية.
ومن نماذجها الروائية التي نقلت معاناة المرأة رواية (قوارير شارع جميلة بوحيرد)، اقتحمت فيها عوالم الصوفية، وحياة المتصوفات وهي تجربة حديثة العهد ونادرة في المشهد الروائي الجزائري.
فهل رواية (قوارير شارع جميلة بوحيرد) رواية صوفية؟ ام رواية اجتماعية؟
وهل كل ادب يغرف من المعجم الصوفي هو ادب صوفي؟
للبحث عن رؤية إنسانية مختلفة للعالم تؤمن بالتعدد الرؤياوي، والاختلاف الفكري، حاولت ربيعة جلطي أن تكتب نصا روائيا مغايرا استنشدت فيه من المعجم الصوفي كأداة تجريبية، تفاعلت فيه الموضوعات الدينية والتاريخية بالأدبية.
فأخذت القارئ الى عالم روحاني صوفي مع مجموعة من الشخصيات النسوية ارتبطت حياتهن بظروف سياسية واجتماعية وفكرية، ففضلن حياة التصوف والزهد.
(قوارير شارع جميلة بوحيرد) رواية بكلتها الزاهدة (أصفية الصابرة) من الغرب الجزائري، وهي على قدر كبير من الجمال، خدعها زوجها حين تركها يوم ولادة ابنتها ليناز وسافر مع أخرى، وفقدت عملها كأستاذة فلسفة بسبب الظروف القاسية التي حدثت معها.
انضمت (اصفية الصابرة) الى قلعة (لالة الكاملة بنت الصفا) الزاهدة التي تشترط أنه (ليس من حق من تنتمي إلى القلعة الكاملة بنت الصفا ان تربط علاقة مع أي رجل، كل النساء هنا دون رجال أو ارتباط).3
فالقلعة عبارة عن مكتبة صوفية (فيها كتب ابن عربي وجلال الدين الرومي والحلاج وأبو زيد البسطامي …)، والنسوة اللواتي ينتمين اليها زاهدات متصوفات مثقفات يحملن شهادات جامعية. بطلة الرواية (اصفية الصابرة) تقود حركة نسوية للتمرد على المجتمع الذكوري، وتبدو ناقمة على الرجل فالمسألة حسب رأيها متعلقة بحرب (ذات اتجاهين متناقضين اتجاه ماض بعيد بمسافة عدة قرون وأخر نحو غد مبهم لا يعرفن ما الذي يخبؤه …. انهن يدركن تماما ان القوة كما تعرف غير متكافئة، وأنها حرب بقوة أحادية الطرف، الطرف المالك للسلطة، وقوة الردع بكل اشكالها، المتصرف الحر بالقانون).4
وتبدو بطلة الرواية عازمة على خوض هذه الحرب كما تسميها، ضد السيطرة الذكورية، وتعلن التمرد الانثوي. وتقرر مع صديقاتها في القلعة تأنيث تسميات شوارعهن (شارع آسيا جبار، شار بقار حدة، شارع الكاهنة، شارع الريميتي، شارع أغاتا كريستي…) وكلها أسماء لنساء تمردن عن المجتمع والواقع.
استطاعت اصفية الصابرة ان تنقل اخبار نشاط حركة التمرد التي تقودها الى خارج بلادها وايصال صوتها الى ابعد نقطة في العالم، مؤمنة بان العالم سيغير وجهه البشع حتما، فيرتقي الى مستوى الإنسانية، ويتجاوز التقسيم العنصري الظالم (الذكورة / الانوثة)
تجري احداث الرواية في احدى مناطق الغرب الجزائري، والمعروف أن السلطة الروحية لبعض سكان الغرب الجزائري عموما مرتبطة بمشايخ الصوفية، وأولياء الله الصالحين، فجاءت الرواية حافلة بأسماء عرفت تاريخيا بتصوفها كشيخ الصوفية ابن عربي، وشاعرة الحب الإلهي رابعة العدوية.
والصوفية بأبعادها الفلسفية لا شك مرتبطة بالتجارب العلمية، وهذا ما تؤكده ربيعة جلطي بلسان احدى شخصيات الرواية (ليناز) الجامعية الزاهدة التي توصلت الى نتائج تراها انها تغير العالم، وذلك بالصوفية والفلسفة، فتبدي تساؤلها (هل يتعارض عقلك العلمي الحر مع الصوفية التي تدعو الى انطلاق العقل؟)5
نساء (قوارير شارع جميلة بوحيرد) يكفرن بكل ما له علاقة بالذكر والذكورة، وعملن على تغيير قوانين التي تحد من حرية المرأة، والثورة على من يقوم بقمتها او مصادرة حقوقها.
نادت (اصفية الصابرة) بالمساواة، ونددت بالسيطرة الذكورية، وحاولت تغيير ذهنية مجتمعها وتأنيثه، انطلاقا من مقولة ابن عربي (المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه). فاذا (كان العلم قد فصل في ان البشر جميعا اناثا وذكورا يتشابهون في الأعضاء الداخلية، وفي وزن الدماغ، وفي القدرة على الحلم، فالمرأة تتميز بملكة أخرى عظيمة انها ملكة الصبر)6، وتحاول ان تثبت ان للمرأة ما يجعلها تتفوق على الرجل وذلك بأعظم ملكة وهي الصبر.
انفتحت الرواية على التراث الصوفي بشكل كبير فأطلقت الروائية العنان لمخيلتها، فمزجت بين الواقعي والمتخيل، ضمن احداث جسدتها مجموعة من الشخصيات النسائية زاهدات من الطبقة المثقفة.
فهل هذه الرواية حقا هي رواية صوفية؟ ام رواية ثورية تدعوا فيها الروائية للتمرد الانثوي والتحرر من سلطة الرجل العربي؟
المصادر والمراجع
1- إبراهيم محمد منصور الشعر والتصوف الاثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر) دار الأمين للنشر والتوزيع القاهرة مصر 1999 ص 27
2- هويدا صالح، نقد الخطاب المفارق (السرد النسائي بين النظرية والتطبيق) رؤية للشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 2014، ص136
3- ربيعة جلطي، قوارير شارع جميلة بوحيرد، منشورات الضفاف، بيروت، لبنان،/منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2019، ص80
4- المرجع نفسه ص 25
5- المرجع نفسه ص 20
6- المرجع نفسه ص 210





