المجلة الثقافية الجزائرية

ثنائية المرأة والثورة في أدب عبد الحميد بن هدوقة

بقلم خديجة مسروق (الجزائر).

كان الشعر قديما ديوان العرب، الذي يحكي بطولاتها وأمجادها عبر التاريخ، وفي العصر الحديث تراجع الشعر، واشمخرّ عرش الرواية، فحظيت باهتمام القراء والمبدعين، كفضاء رحب للتعبير عن الواقع الإنساني المعيش، وتلبية لمعطيات الحضارة الإنسانية التي لا تقف عند حد معين، وكما الحياة تتطور يتطور الأدب وينمو عبر العصور والأزمان.
لقد عرف المشهد الأدبي العربي ميلاد الرواية في القرن التاسع عشر ميلادي وهناك من يرجح أن لها امتدادات تعود إلى قبل ذلك التاريخ. وكان قد تأخر ظهور الرواية في الأدب الجزائري إلى سبعينيات القرن العشرين، لظروف عديدة أهمها استعمارية حالت بين الأديب والعملية الإبداعية.
شهدت سبعينيات القرن الماضي ميلاد الرواية الجزائرية على يد مجموعة من كبار الكتاب، وكان لعبد الحميد بن هدوقة السبق في حمل لواء الإبداع الروائي الجزائري في رواية (ريح الجنوب 1971) وقاسمه في ذلك الأديب الطاهر وطار، الذي عد بدوره رائد الرواية الجزائرية.
فقد نقل هؤلاء الكتاب واقعهم بأمانة في كتاباتهم، داخل خطابهم الروائي ثوري طيلة عشريتين من الزمن.
وكما كان للثورة حضورها في الرواية الجزائرية منذ ظهورها إلى التسعينيات للمرأة أيضا حضورها المماثل في تلك الكتابات الإبداعية.
• فلماذا اقترنت صورة المرأة بموضوع الثورة في الرواية الجزائرية؟ ولماذا حظيت الثورة بالاهتمام البالغ من طرف الكتاب الجزائريين طيلة عقدين من الزمن؟ وكيف تجلت صورة المرأة في كتاباتهم آنذاك؟
كانت لثنائية المرأة والثورة في الرواية الجزائرية الحظ الأوفر والنصيب الأكبر، ومن الطبيعي أن يعبر الأديب عن واقعه، وقد ارتبط هذا الواقع بالثورة، ولكل ثورة أدبها و (الأدب يدعو إلى الثورة، والثورة تعبر عن مفاهيم الأدب وشخصياته ورؤاه).1
وقد عرف الشعب الجزائري أعنف الثورات، وكان دور الأديب التعبير عن هموم ومعاناة شعبه، فكانت الثورة ملهمة له، وكان لها حضورها القوي في كتاباته الروائية.
إن للحدث الثوري وقعه الخاص على نفوس الكتاب الجزائريين، وكان ابن هدوقة قد وقف عند معاناة الشعب الجزائري أثناء الاستعمار الفرنسي في أغلب كتاباته الروائية تصويره ومدى بسالة هذا الشعب في صد كل محاولات الإذلال والقمع التي كان ينتهجها المستعمر تجاهه. أملا في غد مشرق بأنوار الحرية.
ورواية (غدا يوم جديد) يستنشد فيها ابن هدوقة جزائر المستقبل بعد سنوات من الاستقلال. احتفى فيها بالثورة التي تمثل له رمزا للتحرر من كل الجبروت.
وكسر قيود الاستبداد التي كانت تفرضها فرنسا المستعمِرة على الشعب الجزائري وهي التي(لا يهمها موت الأحياء… الموت على جميع الناس !)2، تأتي على الأخضر واليابس، فيستحيل إلى هشيم ( إنها ليست أزمة حياة وسعادة، ولكن أزمة ألم لكل شيء..)3 وفرنسا (لا تساوي بين الحمير والأهالي)4 ولا تسامح من لا يحترم شعائرها السياسية.
الدرك الفرنسي يقود (قدور أحد شخصيات الرواية) إلى السجن بسبب ضربه لرجل محطة المسافرين غيرة على زوجته (مسعودة)، ولأن رجل المحطة تابع للسلطات الفرنسية يحق له أن يتصرف كما يشاء، ويعتدي على من يشاء دون ضابط أو قانون يردعه.
هكذا كانت فرنسا المستعمِرة تحاول أن تقضي على أحلام الشعب الجزائري ولم تكن الثورة الجزائرية حدثا تاريخيا فحسب، بل حدثا روحيا له الأثر العميق في نفوس الجزائريين، لما أحدثته لديهم من اختلالات نفسية واجتماعية.
جسده عبد الحميد بن هدوقة في رواية (غدا يوم جديد) من خلال مجموعة من الشخصيات أغلبها نسائية، صور معاناة المرأة (الجزائرية) ووضعها الاجتماعي الذي فرضه عليها الاستعمار والتقاليد، حيث يمارس عليها المجتمع العنف والتهميش، فتقرر تحطيم أغلال الاستبداد، وتباشر مهمتها في الحياة، بطلة ثورية تساهم في الكفاح من أجل الانعتاق والتحرر.
تشارك في الثورة وتقدم كل تضحيات إلى جانب الرجل، وبعد الاستقلال، تشق طريقها من عملية البناء والتشييد تطمح إلى حياة أفضل، والنضال من أجل تحقيق المساواة بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات. تعمل على تقرير مصيرها (فعالة في المجتمع مثلها مثل الرجل تماما، من حيث العلم والثقافة والمعرفة الخاصة والعامة الاختلاف بينهما في التأثير البيولوجي)5
ومنه كانت صورة المرأة ملازمة لموضوع الثورة، كلاهما يكافح من أجل النجاة من مظالم الاستبداد، والعمل على استرداد الحريات.
توغل ابن هدوقة في عمق المجتمع الجزائري، فجمع بين تيمتين تمثلان دلالات كبيرة، فالمرأة جزء من الثورة، والثورة تمنح للمرأة فرصة إثبات وجودها. تمثلت في شخصية (مسعودة) بطلة الرواية التي كانت تحلم بالانتقال من القرية (الدشرة) إلى المدينة، -التي ترى فيها كل معاني الحضارة والتقدم-وتلعن القرية، مسعودة: (عندما كنت صغيرة كنت أحلم لكن لم أكن أعرف ما الحلم؟ الشباب حلم والشيخوخة ذكريات هذا هو عمر الإنسان. كل يوم نستقبل يوما جديدا لكنه قديم… في الدشرة لم نكن نعرف الزمن…كنا نعرف أوقات الصلاة، الصيام، العيدين… لم يكن الزمان امتدادا كان يدور: الربيع، الصيف، الخريف، ثم الشتاء، الربيع كان يمر كالحلم، الصيف كان حارا أشعته محرقة… الخريف كان كالشيخ، أما الشتاء فكان أسود لا بياض فيه ما عدا الثلج كنا نعرف الوقت لا الزمن… العمر عندنا يقاس بالحياة التي نحياها، الفقير كان يشيب مبكرا أو يموت مبكرا أيضا، إلا الأغنياء وحدهم كانت أعمارهم طويلة )6

كانت بطلة الرواية ترى أن المرأة في القرية لا تحظى بالمكانة التي تستحقها ف (الخلفية الاجتماعية تتميز بالمحافظة على العادات والتقاليد المتوارثة من السلف، فالرجل في هذه البيئة ينظر إلى المرأة على أساس أنها دون المستوى، وأنها مخلوق تابع له بكل معاني التبعية)7
رحلت (مسعودة) إلى العاصمة (الحلم) مع زوجها (قدور) الذي يعمل بميناء في العاصمة …مسعودة تزوجت المدينة.
قدور جعله (غباءه يغار من خيال الرجال غباءه الذي جعله يشعر برجولة لم يدر أنه لا يملكها… غار على زوجته العروس فأضاعها)8 فيزج به في السجن وتعمل مسعودة خادمة عند سيدة أوروبية في (الجزائر العاصمة)، أخذت تعلمها الأصول والإتيكيت في الجلوس والأكل والحديث، تلقنها دروس الحضارة الأوروبية. اصطحبتها إلى الشاطئ يوما مسعودة: (في الشاطئ السيدة الفرنسية تجردت من ثيابها، وأرادت أن تجردني من ثيابي، رفضت، جذبتني إلى البحر، كدت أغرق من أول موجة)9 مسعودة ضاع منها الليل والنهار تأخر.
تبحث عن النهار لماذا تأخر…
مسعودة في المدينة تكتشف الأمور على حقيقتها (أتدري كيف كنا نتصور فرنسا ونحن صغارا؟ بدلة كاكي وقبعة حصان ذلك ما كنا نرى في القرية من فرنسا …ولكن بعد ما جئت إلى المدينة اكتشفت فرنسا أخرى…اكتشفت فرنسا الأقوياء، فرنسا الضعفاء، فرنسا الفقراء، فرنسا التي تبكي وفرنسا التي تضحك)10، تكتشف ما وراء المدينة…
مسعودة في الرواية مثلت كل النساء وكانت رمزا للجزائر الحديثة…
(غدا يوم جديد) مثلت الانفتاح الفكري والحضاري لشعب يرفض كل أنواع التخلف والجمود.
فكانت الثورة الحدث الرئيس الذي استثمره ابن هدوقة في روايته للحديث عن رغبة المرأة (الجزائرية) وإصرارها على إثبات وجودها من خلال معركة الكفاح والتشييد.

المصادر والمراجع:
1-محمد عطية، البطل الثوري في الرواية العربية الحديثة، وزارة الثقافة السورية، 1977، ص27
2-عبد الحميد بن هدوقة، غدا يوم جديد، منشورات الأندلس، الجزائر، د ط، 1992، ص259
3-المصدر نفسه، ص321
4-المصدر نفسه، ص248
5-ياسمينة كتال، سيكولوجية، مؤسسة عز الدين، د ط، 1985، ص225
6-عبد الحميد بن هدوقة، غدا يوم جديد، ص ص37-38
7-ينظر، رشيد بوشعير، المرأة في أدب توفيق الحكيم، مكتبة الأسد، ط1، 1996، ص59
8-عبد الحميد بن هدوقة، غدا يوم جديد، ص18
9-المصدر نفسه، ص310
10-المصدر نفسه، ص11